بقلم دينا درويش

يحظى مرض "الشلل الرعاش" -أو "باركنسون"- بمكانة بارزة لدى الدوائر العلمية باعتباره ثاني أكثر الأمراض التنكسية العصبية شيوعًا بعد ألزهايمر، وأسرع الاضطرابات العصبية نموًّا في العالم؛ إذ يصيب ما بين 7 إلى 10 ملايين شخص حول العالم، ويتراوح معدل انتشاره من 41 شخصًا لكل 100 ألف شخص في العقد الرابع من العمر إلى أكثر من 1900 شخص لكل 100 ألف شخص بين مَن يبلغون 80 عامًا أو يزيد.

وتتزايد حالات الإعاقة والوفاة بسبب مرض "باركنسون" على نحوٍ أسرع من أي اضطراب عصبي آخر؛ إذ تَضاعف معدل انتشاره في السنوات الخمس والعشرين الأخيرة؛ إذ أسفر باركنسون عن 5.8 ملايين سنة حياة معدّلة وفق الإعاقة، أي بزيادة قدرها %81 منذ عام 2000، وتسبّب في 329 ألف حالة وفاة، وهي زيادة بنسبة %100 منذ عام 2000، وفق تقديرات منظمة الصحة العالمية.

ويزيد معدل الإصابة بالمرض -الذي طالما ارتبط ذكره بأسطورة الملاكمة الراحل محمد علي كلاي، والممثل البريطاني بيلي كونولي، والممثل الأمريكي الكندي الأصل مايكل جي فوكس- بشكل عام مع تقدم العمر، ويمكن أن يستقر لدى الأشخاص الذين تزيد أعمارهم عن 80 عامًا، ويشخص ما يقدر بنحو 4% من الأشخاص المصابين بباركنسون قبل سن الخمسين، ويصيب المرض الرجال بصورة أكبر من النساء.

وبالنظر إلى أن مرض باركنسون لا يزال غير قابل للشفاء، فإن تحديد الأشخاص المعرضين لخطر الإصابة به -والذين يمكن استهدافهم بالتدخلات الطبية- يُعد أولويةً عاجلة، خاصةً أنه يزيد من صعوبة تفاعُل المرضى مع المحيطين بهم ويؤثر سلبًا على نوعية حياتهم وحالتهم المالية بسبب التكاليف الطبية الباهظة، ويزداد الأمر سوءًا مع ارتباط المرض بالشيخوخة؛ إذ إن معظم المصابين بباركنسون يصابون بالمرض لأول مرة بعد سن الستين، في حين يعاني ما بين 5٪ إلى 10٪ من ظهور المرض قبل الخمسين، ما دفع العلماء للإشارة إلى العمر باعتباره عامل الخطر الرئيسي المرتبط بالإصابة به.

معاناة من الكوابيس

من هنا تأتي أهمية الدراسة الحديثة التي أجراها فريق بحثي من جامعة برمنجهام البريطانية ونشرتها دورية "إي كلينكيال ميديسين" (eClinical Medicine)، مشيرةً إلى أن "معاناة كبار السن من الكوابيس قد تكون من العلامات المبكرة للإصابة؛ فالمسنون الذين تعرضوا للكوابيس والأحلام السيئة بصورة متكررة يكونون أكثر تعرضًا للإصابة بالمرض في وقت لاحق من حياتهم، مقارنةً بأولئك الذين لم يتعرضوا لهذه الكوابيس".

يشير أبيديمي أوتايكو -أستاذ طب الأعصاب في مركز صحة الدماغ البشري في جامعة برمنجهام، والباحث الرئيسي في الدراسة- إلى أن "الدراسات السابقة أظهرت أن مرضى الشلل الرعاش يعانون كوابيسَ وأحلام سيئة بشكل متكرر أكثر من البالغين في عموم السكان، لكن هذه الدراسات لم تثبت إمكانية استخدام الكوابيس كمؤشر خطر للإصابة بباركنسون".

يقول "أوتايكو" في تصريحات لـ"للعلم": قد يكون من المفيد تشخيص باركنسون مبكرًا، إلا أن هناك عددًا قليلًا جدًّا من المؤشرات التي تنذر بخطر الإصابة بالمرض، ويتطلب العديد منها إجراء اختبارات باهظة الثمن، كما أن بعض أعراض هذا الاضطراب العصبي شائع جدًّا وغير محدد.

ويتابع: لقد وجدنا أن كبار السن المصابين بباركنسون من المحتمل أن يعانوا من الكوابيس قبل بضع سنوات من ظهور أعراض الرعاش والتصلب وبطء الحركة، وانتهينا إلى أن الأحلام السيئة والكوابيس يمكن أن تشير إلى أن الأفراد الذين يعانون من تغيُّرات في أحلامهم في سن أكبر -دون أي سبب واضح- يجب عليهم طلب المشورة الطبية.

وأوضحت دراسة سابقة نُشرت على موقع "الجمعية الدولية لمرض باركنسون واضطراب الحركة" في يوليو الماضي، أن الأشخاص المصابين بباركنسون يعانون الكوابيس بشكل متكرر، في حين ذكرت دراسة أخرى ضمت 661 شخصًا مريضًا بشلل الرعاش أن 17.2% من المصابين بباركنسون يعانون من كوابيس أسبوعية، وذكرت دراسة أخرى أن حوالي 18٪ من مرضى الشلل الرعاش يعانون من كوابيس متكررة بدرجة كافية يمكن اعتبارها اضطرابًا إكلينيكيًّا، في حين تصاعدت التحذيرات من خطورة ما يُعرف بمضاعفات "اضطراب الكابوس".

متابعة ممتدة

استهدف الباحثون استكشاف العلاقة بين تكرار الأحلام السيئة والكوابيس والإصابة بباركنسون فى مرحلة لاحقة من العمر، واستعان الباحثون ببيانات دراسة أتراب أُجريت في الولايات المتحدة الأمريكية، واحتوت على بيانات 5994 رجلًا تراوحت أعمارهم بين 65 عامًا –أو أقل- جرت متابعتهم في الفترة من 2003 وحتى إبريل 2011، واكتفى الباحثون بتحليل بيانات 3818 من بين هؤلاء خضعوا لزيارات متقطعة على مدى نحو 12 عامًا وخمسة أشهر امتدت من ديسمبر 2003 وحتى مايو 2016، واضعين في الاعتبار أن أفراد العينة المختارة لم يصبهم المرض عند بداية الدراسة.

أكمل أفراد العينة مجموعة من الاستبانات قيمت جودة النوم عبر مؤشر بيتسبرغ لجودة النوم، وهو استبانة للإبلاغ الذاتي تعمل على تقييم جودة النوم خلال مدة زمنية مدتها شهر واحد، لفحص تواتُر الأحلام السيئة خلال الشهر السابق على إجرائها، وتتضمن أسئلة عن المرور بتجربة الأحلام السيئة، وتضمنت خيارات الرد بما إذا كان الشخص قد مر بتجربة الأحلام السيئة أم لا خلال الشهر السابق على الاستبانة، وعدد المرات التي عانى منها الفرد من الأحلام المزعجة سواءٌ كانت أقل من مرة في الأسبوع، أو مرةً أو مرتين في الأسبوع، أو ثلاث مرات أو أكثر.

وفي أثناء الدراسة، سُئل المشاركون في كل زيارة للعيادة أو اتصال هاتفي عما إذا كانت إصابتهم بباركنسون قد شُخصت من قِبل طبيب أم لا، كما قدر وقت المتابعة لكل مشارك لمعرفة متى شخصت إصابته بالمرض.

وأخذ الباحثون بعين الاعتبار مجموعةً من المتغيرات قد تكون مؤثرةً في حدوث الكوابيس والإصابة بباركنسون، مثل السن، والعِرق، ومستوى التعليم، والتدخين، وتناول الكحوليات، والاكتئاب، والإصابة بالسكري، والإصابة بارتفاع ضغط الدم، واضطرابات النوم، والنشاط البدني، وأعراض القلق، والأدوية التي يتناولها أفراد العينة، فضلًا على قياس القدرات المعرفية للمبحوثين.

وخلال هذه الفترة، شُخصت إصابة 91 شخصًا بباركنسون، ووجد الباحثون أن الأشخاص الذين أبلغوا عن تعرُّضهم لأحلام سيئة متكررة في بداية الدراسة كانوا أكثر تعرضًا للإصابة بالمرض، مقارنةً بالأشخاص الذين كانوا يعانون منها أقل من مرة في الأسبوع، ومن المثير للاهتمام أن نسبةً كبيرةً من التشخيصات حدثت خلال السنوات الخمس الأولى من الدراسة؛ إذ وجد الباحثون أن المشاركين الذين يعانون من أحلام سيئة متكررة أكثر تعرضًا للإصابة بباركنسون بأكثر من ثلاثة أضعاف خلال السنوات الخمس الخاصة بمتابعتهم، ووجد التحليل أن الرجال الذين يجدون صعوبةً في النوم بسبب الأحلام السيئة مرةً واحدةً على الأقل في الأسبوع كانوا أكثر تعرضًا 2.01 مرة للتشخيص، وارتفع هذا إلى 3.38 مرات خلال السنوات الخمس الأولى من الدراسة.

ظهور الأعراض

أظهرت نتائج الدراسة أن "البالغين الأكبر سنًّا الذين سيتم تشخيصهم يومًا ما بباركنسون قد يعانون من الأحلام السيئة والكوابيس قبل بضع سنوات من ظهور الأعراض المميزة للمرض، المتضمنة الرعشة والتصلب وبطء الحركة".

ووفق الدراسة، أبلغ 368 من المشاركين (9.6%) عن تعرُّضهم لأحلام مزعجة متكررة، وكان المشاركون الذين يعانون من أحلام مزعجة متكررة مرةً واحدةً كل أسبوع يعانون من ضعف الوظائف المعرفية للدماغ، وصحتهم البدنية والعقلية سيئة، وكانوا أقل نشاطًا من الناحية البدنية، وأكثر تعرضًا لاستخدام الأدوية التي يمكن أن تسبب أحلامًا مزعجة.

يقول "أوتايكو": الأشخاص الذين يعانون من حالة عصبية مدمرة معرضون لأحلام مخيفة، لكن العلماء لم يفكروا في استخدامها كعلامة تحذير حتى الآن، والأحلام المخيفة قد تكون من مؤشرات الإصابة بباركنسون؛ فقد يثير مرض باركنسون الكوابيس بسبب الضرر الذي يُلحقه بأجزاء الدماغ التي تنظم المشاعر في أثناء النوم، وتُظهر الدراسة أيضًا أن أحلامنا يمكن أن تكشف عن معلومات حول بنية الدماغ ووظيفته، وقد تثبت أنها هدف مهم لأبحاث علم الأعصاب، وتشير الأبحاث المبكرة حول كيفية تسبُّب أجزاء من الدماغ في الحلم إلى أن تلف الفص الجبهي الأيمن يمكن أن يسبب نوبات أكثر حزنًا.

يتفق إيهاب شاكر -أستاذ طب المخ والأعصاب بكلية الطب في جامعة القاهرة- مع هذا الرأي، مضيفًا: "بالنسبة للأفراد الذين لديهم عوامل خطر أخرى معروفة لباركنسون، مثل النعاس المفرط في أثناء النهار، قد تكون نتائج هذا البحث مهمة؛ إذ إن الأحلام السيئة والكوابيس المتكررة (خاصةً عندما تبدأ فجأةً في وقت لاحق من الحياة) قد تكون مؤشرًا مبكرًا للمرض، وقد يؤدي ذلك إلى التشخيص المبكر وإجراء تدخلات استباقية لمنع حدوث المرض أو السيطرة على تدهور حالة المريض".

اضطرابات النوم

يشرح "شاكر" اضطرابات النوم في تصريحات لـ"للعلم" قائلًا: من بين اضطرابات النوم التي قد تحدث أن يتكلم الشخص بصوتٍ عالٍ ويتحرك في أثناء النوم ويمثل الحلم الذي يراه ويتفاعل معه؛ فمثلًا قد يحلم النائم بأنه يتعارك مع شخص آخر فنراه يلاكم شخصًا في الهواء وينهر هذا الشخص، بل قد يقفز أيضًا من الفراش لأنه يتخيل أنه يعبر حاجزًا، ويحدث ذلك لأن مراكز جذع المخ المسؤولة عن تثبيط نشاط العضلات في أثناء النوم أو الحلم يصيبها خللٌ فتكون العضلات نشطة، وقد يصاب هؤلاء الأفراد بعد مضيِّ سنوات من التعرُّض لتلك الكوابيس والأحلام السيئة بمرض الشلل الرعاش.

بدوره يقول رامز رضا -أستاذ طب المخ والأعصاب بجامعة عين شمس، والمتخصص في علاج اضطرابات النوم- في تصريحات لـ"للعلم": من الأعراض غير الحركية لباركنسون مشكلات النوم، وفي بعض المرضى، تظهر الاضطرابات السلوكية في نوم حركة العين السريعة قبل الاضطرابات الحركية بعدة سنوات، وهذه هي مرحلة النوم التي تحدث فيها الأحلام التي ذكرت.

أهم أعراض مرض الشلل الرعاش

ويعلق "شاكر" قائلًا: باركنسون مرض خبيث، وعندما تظهر الأعراض الحركية الأولى له، فإن 50 إلى 70٪ من الخلايا العصبية للدوبامين تكون قد دُمرت بالفعل، لذا ستعمل الإدارة المبكرة للمرض على إبطاء تقدُّمه وتحسين نوعية حياة المرضى.

وردًّا على سؤال مجلة "للعلم" حول الخطط المستقبلية لفريق البحث، يقول "أوتايكو": توفر هذه النتائج الأمل في برنامج الفحص الذي يساعد المرضى في بدء العلاج في وقت أقرب، ونخطط الآن لاستخدام تخطيط كهربية الدماغ من أجل دراسة الأسباب البيولوجية لتطور الأحلام لدى المرضى، ونسعى أيضًا إلى استكشاف الروابط المحتملة بين الأحلام والأمراض العصبية التنكسية الأخرى مثل مرض ألزهايمر.

اضف تعليق