الحفاظ على عِزّة النفس وكرامتها في استئصال الطمع من القلب، فهو الداء الذي يُبطل قيمة الإنسان الذاتية. كتمان الحال وعدم الشكوى للناس، والاكتفاء بعرض الهموم على الله وحده. وحكم العقل على اللسان، فالعاقل هو من يجعل لسانه خلف فكره. هذه المبادئ هي الدرع الحصين التي تحمي النفس من...
(أَزْرَى بِنَفْسِهِ مَنِ اسْتَشْعَرَ الطَّمَعَ وَرَضِيَ بِالذُّلِّ مَنْ كَشَفَ عَنْ ضُرِّهِ وَهَانَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ مَنْ أَمَّرَ عَلَيْهَا لِسَانَهُ)
تُعدّ قيمة الإنسان وعزته جوهرًا ذاتيًا أكّدته النصوص الدينية، غير أن هذه الكرامة العالية تظلّ عرضة للانتهاك من آفات النفس البشرية. تتناول هذه المقالة ثلاثًا من أبرز "عوامل إذلال النفس"، التي تُحوّل الإنسان من كائن مُكرّم إلى كائن مستخفّ بذاته. تبدأ هذه الحِكمة بتحليل العلاقة بين الطمع وانهيار القيمة الذاتية، ثم تنتقل إلى التحذير من إظهار الحاجة والضعف للناس، وتختتم بالتحذير من سیادة اللسان وسلطته على العقل. تهدف هذه السطور إلى تحليل هذه المبادئ لفهم كيفية صيانة المرء لعِزّة نفسه وقيمتها الجوهرية في مواجهة هذه الميول الخطيرة.
1. الطمع: إهانة للنفس وسلب لقيمتها
"أَزْرَى بِنَفْسِهِ مَنِ اسْتَشْعَرَ الطَّمَعَ"
تفيد كلمة "أَزْرَى" معنى التحقير والإهانة،[1] بينما تدل كلمة "اسْتَشْعَرَ" على الإضمار والإخفاء[2] وهي مشتقة من "الشِعار". في اللغة العربية، "الشِّعار" یطلق على الملابس الداخلية التي تلامس الجسد وتلتصق به،[3] بینما "الدِّثار" يُطلق على الملابس الخارجية أو كل ما يُستخدم للغطاء كالمِلاءة أو البطانية.[4] وهذا الاستخدام البليغ يوحي بأن الطمع، شأنه شأن اللباس الداخلي، فكما أن اللباس الداخلي (الشِّعار) يحيط بجسم الإنسان بلا واسطة، كذلك الطمع يتغلغل في باطن الإنسان، ويستحوذ على قلبه ويسيطر على روحه.
قيمة الإنسان الذاتية
يُشير هذا القول، بالدلالة الالتزامية، إلى قدر الإنسان وقيمته. بمعنى أنه لو كان الإنسان فاقدًا للقيمة والمنزلة الذاتية، لما كانت له كرامة تُنتهك أو تُهدر بالطمع وحسب التعبیر العلمي كان "سالبًا بانتفاء الموضوع".[5]
لكل شيء قيمة خاصة، لكن قد یفقد قیمته بأمور واسباب. فعلى سبيل المثال: الذهب أثمن من الفضة، والألماس أغلى من التراب؛ لكن إذا وُضع الذهب بمحاذاة الزئبق، فإنه يفقد قيمته. الأمور المعنوية ايضا تتمتع بقيمة ذاتية؛ فـالعلم، على سبيل المثال، بحد ذاته ذو قيمة؛ ولكن إن اقترن بالتكبّر أو التزلّف للأثرياء أو المتسلطين، فإنه يفقد قيمته.
للإنسان قيمة وكرامة ذاتیة، ويمكن أن يكون مصدرًا لعشرات الفضائل والقيم الأخلاقية. هذه القيمة متأصّلة وعظيمة، كما أكّدها القرآن الكريم: "وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ"[6] و "وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا".[7] لكن كما أن الجواهر الثمينة (كالعلم) تفقد قيمتها إذا خالطها ما يُفسدها (كالغرور أو التملق)، فإن تغلغل صفة الطمع في جوهر هذا الإنسان الرفيع، يُجرّده من قيمته الذاتية.
عمومية الطمع وتأثيره
الطمع مفهوم عام يشمل مصاديق كثيرة كالمال، والشهرة، والمنصب؛ والطمع في اي منها یُفقد الانسان كرامته ومكانته الذاتیة. لكن احیانا یتستر الشخص على طمعه ویتصرف بحیث لا يكتشفها المحيطون به؛ في هذه الحالة قِيمتَه الذاتية تتلاشى وتزول. أما إذا تجاهر بطمعه بحیث اطّلع المحيطون على هذه الصفة، فإنها لا تقوّض قيمته الذاتية فحسب، بل يُعرّض كرامته للخطر ويُقلل من منزلته في المجتمع أيضًا.
إن الحرص والطمع، وإن كانا مكروهين في مراحلهما الأولية، لكن قد يدفعان المرء إلى ارتكاب أفعال محرّمة إذا اشتدّا؛ فمن يتذلّل للأثرياء يَهِن شخصيته فقط، اما من يمدح الحكام الجائرين طمعًا في الدنيا، يكون قد جمع بين ذلّ النفس وفعل الحرام.
الروح الخالية من الطمع
في مقابل الطمع، تأتي روح الاستغناء وغنى الطبع، والتي شُبِّهَتْ بِـكَنْزٍ لا يَنْفَد؛[8] ذلك لأن المال والثروة مهما كثُرا فإنهما إلى زوال، في حين أن القناعة كنزٌ لا ينتهي.
تتجسد هذه العزّة في قصص رفض العظماء لمصاحبة الملوك أو طلب الحاجة منهم. يُروى عن أحد العلماء أنه كان يتجنب مقابلة الملك وذلك على رغم الرغبة الشديدة للملك في لقائه. عزم الملك على الذهاب إلى مشهد واتخذ من ذلك ذريعة للمرور بمدينة إقامة هذا العالم. عندما وصل إلى مقر إقامة العالم، جلس ينتظر أن يأتيه العالم للزيارة، ولكن قيل له إن "العلامة مشغول بـدروسه وليس لديه وقت لمقابلته". ذهب الملك بنفسه لزيارة العلامة وطلب منه أن يطلب أي شيء يتمناه، ولكنه امتنع عن إظهار أي حاجة أو طلب.
ويُروى أيضاً أن ملكاً مرّ بمسكين يستريح تحت أشعة الشمس؛ فقال له السلطان: "ما حاجتك؟ اطلبها لأقضيها لك". فأجاب المسكين: «طلبي أن تبتعد قليلاً كي أستفيد من نور الشمس!"
هاتان القضیتان تدلان على روح أبیة و نفس منیعة یتمتع بهما صاحبها؛ والتي تغنیهما عن خلق الله وتمنعها من الرضوخ امام الغیر حتی وان كان ملكا.
2. إظهار الحاجة: رضاء بالذلّ وامتهان للكرامة
«وَرَضِيَ بِالذُّلِّ مَنْ كَشَفَ عَنْ ضُرِّهِ.»
كلمة "ضُر" تعني سوء الحال، سواء كان في النفس (كنقص العلم)، أو البدن (المرض)، أو الوضع المادي والاجتماعي (قلة المال أو الجاه).[9]
یجدر بالإنسان أن يمتنع عن البوح بضعفه ومتاعبه للآخرين، وأن يجعل الله وحده محرم أسراره وأنيس لياليه، تأسياً بالنبي يعقوب (عليه السلام) حیث قال: "إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ".[10]
فإذا كان يُصارع الفقر والضيق، فليسعَ إلى عدم إظهار نفسه محتاجًا؛ وإذا كان يتألم من وجع ومرض، فليناجِ الله وحده الذي "اسْمُهُ دَوَاءٌ وَذِكْرُهُ شِفَاءٌ". فـبِيَدِه مفتاح كل فَرَج، وبعرض الحاجة الیه وطلبه بين يديه، يزداد البعد قرباً منه. و قد تجلى هذا المضمون في كتاب كتبها أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى أخيه عقيل بن أبي طالب:
فَإِنْ تَسْأَلنِي كَيْفَ أَنْتَ فَإِنَّنِي --- صَبُورٌ عَلَى رَيْبِ الزَّمَانِ صَلِيبٌ
يَعِزُّ عَلَيَّ أَنْ تُرَى بِي كَآبَةٌ --- فَيَشْمَتَ عَادٍ أَوْ يُسَاءَ حَبِيبٌ[11]
إن البوح عن المشاكل لايُقلل من قدر الإنسان ومنزلته فحسب، بل قد يتسبب في استغلال الآخرين لموقفه وزيادة مشاكله. هناك استثناء في هذا الأمر، وهو عندما لا يجد الشخص سبيلاً لاسترداد حقه إلا بالشكوى. ففي مثل هذه الحالة، يمكنه اللجوء إلى الحاكم الشرعي لإنهاء النزاع واستعادة حقه. ولكن حتى في هذه الحال، الأفضل هو الإمساك، لأن قيمة الإنسان تنخفض بهذا المقدار.
ومن أهم الدروس المستفادة من هذه الحكمة المسارعة في قضاء حوائج الآخرين. فإذا علمنا بحاجة شخص آخر، يجب أن نسعى لتلبيتها، ولا ندعْه يضع كرامته رهناً بطلبها. فبناءً على الروايات، يُعد تيسير أمور الإخوة الدينيين وقضاء حوائجهم من أهم سُبُل التقرّب إلى الله تعالى.
3. سيادة اللسان: استهانة بالشخصية وتخريب للعقل
"وَهَانَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ مَنْ أَمَّرَ عَلَيْهَا لِسَانَهُ"[12]
دلالة "أَمَّرَ" وهَانَتْ"
"هَانَتْ" تعني الاستخفاف والاحتقار،[13] و "أَمَّرَ" یعني التنصيب حاكماً. لكلمة "أَمْر" معنيان:
المعنى الأول: الشأن أو العمل. وجمعها هو "أُمُور". كما یقول القرآن الكریم: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ فالامر فی هذه الآیة یعني الشأن. و كذلك تقول الایة الكریمة: ﴿إِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ أي: الأعمال والشؤون ترجع إلى الله.
2. المعنى الثاني: التوجيه أو الأمر وجمعها هو "أَوَامِر". ویمكن ان نستشهد علی هذا المعنى بآیة أخری من القرآن الكریم حیث یقول جل و علا: ﴿أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾. في هذه الایة أمر یعني أصدر الأمر بأن لا تعبدوا إلا إياه.
أما الفعل "أَمَّرَ" من باب التفعيل، فيأتي بمعنى "جَعَلَهُ أَمِيرًا" أو "وَلَّاهُ الإمْرَةَ"؛ أي: نصّبه حاكماً أو أميراً. هذه الحكمة تدعو إلى جعل العقل هو الحاكم بدلاً من اللسان الذي يسبق القول فيه التفكير.
اللسان والعقل في ميزان الحكمة
من علامات العاقل أن يكون الفكر هو الحاكم المسيطر علیه، وليس اللسان.
شبّه أحد الأشخاص ضرورة التفكير في الكلام بعملية تناول الطعام لدى الدواب. فالجهاز الهضمي للدابة يعمل بآلية تبتلع بها الطعام، وفي فترات زمنية تقوم بـاجتراره، وتتم عملية الهضم في عدة مراحل. كذلك علی الانسان ان يزن الكلام مرات عديدة، ویتأمل فیه ویدرس جوانبه المختلفة، ثم يُطلقه على اللسان. فالعاقل "يجترّ" كلامه بالتفكير قبل النطق. ويُجمل الإمام علي (عليه السلام) هذه الحقيقة بقوله: "لِسَانُ الْعَاقِلِ وَرَاءَ قَلْبِهِ وَقَلْبُ الْأَحْمَقِ وَرَاءَ لِسَانِهِ".[14] فالعاقل يفكر أولاً ثم يتحدث، بينما الأحمق يتحدث أولاً ثم يفكر في عواقب كلامه. إن جميع آثام اللسان (من غيبة، وتهمة، وكذب، وغيرها) هي نتيجة مباشرة لترك التعقّل قبل التكلّم، وسيادة اللسان تُورث مشاكل وفساداً لا يُحمد عقباه.
قصة وعبرة
يُروى أن نبي الله سليمان (عليه السلام) عهد إلى أحد أتباعه من الجن بمهمة، وأرسل شخصًا يقتفي أثره ليأتيه بأخبار أعماله وأقواله. عندما دخل الجني السوق، رفع رأسه نحو السماء، ثم ألقى نظرة على الناس، ثم نكس رأسه. وعندما عاد، سأله سليمان عليه السلام عن سبب هذا السلوك. فقال الجني: "أنا في حيرة من أمر هؤلاء الناس، فالملائكة فوق رؤوسهم یكتبون اعمالهم، ومع ذلك يتحدثون بمثل هذه السرعة (دون تدبر أو انتباه)."[15]
الخاتمة
في الختام، تتلخص عوامل الحفاظ على عِزّة النفس وكرامتها في ثلاثة مبادئ جوهرية مستخلصة من الحِكم التي تناولها هذا المقال:
أولها استئصال الطمع من القلب، فهو الداء الذي يُبطل قيمة الإنسان الذاتية.
ثانيها كتمان الحال وعدم الشكوى للناس، والاكتفاء بعرض الهموم على الله وحده.
وثالثها حكم العقل على اللسان، فالعاقل هو من يجعل لسانه خلف فكره. إن تطبيق هذه المبادئ يُمثّل الدرع الحصينة التي تحمي النفس من أن تكون مُهانة أو مُستغلّة، وتُرسّخ بالتالي قيمة الإنسان ومكانته الحقيقية.



اضف تعليق