المدينة التي تفقد غطاءها النباتي تدفع ثمناً باهظاً في المناخ المحلي والصحة العامة وجودة الحياة، فالشجرة ليست مجرد منظر جميل أو ترف استثماري، بل هي جزء أساسي من البنية التحتية... وحين يدمر الإنسان البيئة التي توفر له الماء والغذاء والهواء، فإنه لا يعتدي على الطبيعة وحدها، بل يقتطع شيئاً من شروط بقائه ومستقبل أبنائه...

قد تبدو البناية الجديدة في البداية علامة على التقدم: شارع يتسع، منزل يرتفع، مشروع استثماري يبدأ، وقطعة أرض تتحول من فضاء مفتوح إلى نشاط اقتصادي. يصفق الناس للمشهد لأنه يحمل معنى العمران والحركة وفرص العمل. ثم تمر السنوات، فتظهر صورة أخرى أقل احتفاءً؛ بساتين اختفت، أشجار قطعت، مساحات خضراء تحولت إلى كتل إسمنتية، هواء أثقل بالغبار، ومدينة فقدت شيئاً من قدرتها على التنفس. هنا يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: هل كل ما نسميه عمراناً يمثل تقدماً فعلاً، أم أن بعض أشكال البناء قد تكون إعادة إنتاج لمشكلة ندفع ثمنها من صحتنا ومستقبل مدننا؟

البيئة ليست شيئاً يقع خارج حياة الإنسان حتى يتعامل معه متى شاء. إنها المجال الذي يتنفس فيه، ويشرب منه، ويزرع غذاءه، ويبني مدنه، ويعيش داخله. ولذلك فإن العبث بها لا يتوقف عند حدود تشويه منظر طبيعي أو فقدان مساحة خضراء، وإنما يصل إلى الصحة والاقتصاد وجودة الحياة والاستقرار الاجتماعي. وقد عبّر الإمام الراحل آية الله العظمى السيد محمد الحسيني الشيرازي عن هذا المعنى حين وصف البيئة الطبيعية بأنها كل ما يحيط بالإنسان من جماد ونبات وحيوان، بما في ذلك البحار والجبال والسهول والظروف المناخية، مؤكداً أن هذا النظام قائم على إحكام الخلق وتنظيمه.

المفارقة أن الإنسان المعاصر يمتلك من المعرفة ما يكفي لفهم هذه العلاقة، ومع ذلك يمارس أحياناً سلوكاً يناقض أبسط قواعدها. يعرف أن الشجرة تخفف آثار الحرارة والغبار، ويعرف أهمية البساتين في التوازن البيئي، ويعرف أن التوسع العمراني العشوائي يضغط على الخدمات، ثم يشارك في إزالة المساحات الخضراء عندما يرى فيها فرصة لبناء منزل أو مشروع أو استثمار سريع. المشكلة هنا ليست في غياب المعرفة وحدها، وإنما في الطريقة التي تُرتب بها المصالح: المنفعة الآنية للفرد تصبح أكثر حضوراً من الكلفة التي سيدفعها المجتمع لاحقاً.

وهذه إحدى مشكلات البيئة في العراق. فالتوسع الحضري لا يحدث دائماً ضمن رؤية متكاملة تربط السكن بالأرض الزراعية والمياه والطرق والخدمات والمناخ ومستقبل المدينة. عندما يتحول البستان إلى قطع سكنية، قد يربح صاحبه قيمة مالية أكبر، وقد يحصل المشتري على منزل، وقد تستفيد جهة ما من حركة اقتصادية مؤقتة، لكن المجتمع يخسر في المقابل جزءاً من الغطاء النباتي والأرض المنتجة والمساحات التي كان يمكن أن تؤدي وظيفة بيئية مهمة. مجموع هذه الخسائر لا يظهر في عقد البيع، لذلك تبدو العملية مربحة على المستوى الفردي، بينما تتراكم كلفتها على المدينة بأكملها.

من هنا يمكن فهم العلاقة بين تراجع المساحات الخضراء وتفاقم مشكلات الغبار والتلوث والحرارة والتصحر. لا يمكن اختزال العواصف الترابية في سبب واحد، فهي ترتبط بعوامل مناخية وجغرافية ومائية وإقليمية، لكن تراجع الغطاء النباتي وتدهور الأراضي يزيدان هشاشة البيئة أمام هذه الظواهر. وحين تتسع المدن على حساب المناطق الزراعية وتضعف الأحزمة الخضراء، تصبح قدرة المكان على مقاومة الظروف المناخية أكثر محدودية، فتتحول البيئة التي أهملناها إلى أزمة تعود إلينا في صورة هواء ملوث، وحرارة أعلى، وغبار أكثر، وضغط صحي واقتصادي متزايد.

وهنا تتغير فكرة البيئة من قضية جمالية إلى قضية تنموية. الشجرة ليست مجرد منظر جميل، والبستان ليس مساحة فارغة تنتظر الاستثمار، والحديقة العامة ليست ترفاً يمكن الاستغناء عنه عند أول أزمة مالية. هذه العناصر جزء من البنية التحتية للمدينة، مثل الشوارع وشبكات المياه والصرف والنقل. المدينة التي تفقد غطاءها النباتي تدفع ثمناً في المناخ المحلي والصحة العامة وجودة الحياة، حتى لو بدا عمرانها أكثر كثافة وأناقة على الورق.

المشكلة أيضاً أن المواطن لا يتحمل المسؤولية وحده. عندما يجد الناس أنفسهم أمام طلب متزايد على السكن، وأسعار مرتفعة للأراضي، وضعف في التخطيط، وتوسع سكاني مستمر، فإن البحث عن أرض للبناء يصبح حاجة حقيقية. لذلك لا يمكن معالجة التجاوز على الأراضي الزراعية بمجرد مطالبة الناس بعدم البناء فيها. المطلوب أن توفر الدولة بدائل عمرانية حقيقية: مدناً مخططة، أراضي سكنية مهيأة، خدمات تسبق السكن، نقل مناسب، ومشاريع إسكان تستوعب النمو السكاني من دون التهام الأراضي المنتجة.

وهنا تظهر مسؤولية القانون. وجود التشريعات وحده لا يحمي البيئة إذا بقيت الفجوة واسعة بين النص والتطبيق. القانون البيئي يحتاج إلى مؤسسات قادرة على الرصد، وبيانات واضحة، وإجراءات سريعة، ومساءلة عادلة، ومعايير معلنة لا تتغير بحسب قوة صاحب المشروع أو طبيعة المنطقة. وحين يعرف المواطن والمستثمر أن تحويل أرض زراعية إلى استعمال آخر ليس قراراً فردياً، وإنما عملية تخضع لشروط بيئية وعمرانية واضحة، تصبح حماية الأرض جزءاً من قواعد الاستثمار نفسها.

كما أن المؤسسات الحكومية تحتاج إلى الانتقال من معالجة التجاوز بعد وقوعه إلى التخطيط قبل حدوثه. فلا معنى لترك المدينة تتمدد سنوات طويلة بصورة عشوائية ثم محاولة إنقاذ ما تبقى من البساتين. المطلوب تحديد مناطق التوسع العمراني مسبقاً، وحماية الأراضي الزراعية ذات القيمة العالية، وإنشاء أحزمة خضراء حول المدن، وزيادة التشجير في الشوارع والمناطق المفتوحة، وإعادة تأهيل الأراضي المتدهورة، مع ربط هذه الإجراءات بسياسات المياه والزراعة والطاقة والنقل.

وفي العراق تحديداً، تحتاج حماية البيئة إلى إعادة النظر في معنى الاستثمار نفسه. الاستثمار الذي يخلق مبنى ويستهلك أرضاً منتجة ويزيد الضغط على الماء والخدمات لا يمكن تقييمه بعدد الوحدات التي أنشأها فقط. السؤال الأهم هو: ماذا أضاف للمكان، وماذا استهلك منه، وما الكلفة التي ستظهر بعد عشرين عاماً؟ هذه النظرة الطويلة ضرورية لأن بعض القرارات العمرانية تحقق أرباحاً سريعة، فيما تترك آثاراً يصعب إصلاحها عندما تتغير قيمة الأرض أو تنتهي دورة المشروع.

وقد يكون أخطر ما في المسألة أن الإنسان يتعامل مع الطبيعة أحياناً وكأنها مورد غير محدود. الأرض متاحة دائماً، والماء موجود، والشجرة يمكن تعويضها، والمساحة الخضراء يمكن إنشاؤها في مكان آخر. الواقع أكثر تعقيداً. بعض الأراضي الزراعية تشكلت عبر عقود طويلة، وبعض النظم البيئية لا تستعيد توازنها بسهولة، وتعويض شجرة كبيرة بزراعة شتلات صغيرة لا يعني استعادة الوظيفة البيئية نفسها. لذلك فإن الحماية المسبقة أكثر عقلانية من محاولة التعويض بعد الخسارة.

ولا يمكن بناء ثقافة بيئية من خلال الحملات الإعلامية وحدها. الطفل الذي يتعلم في المدرسة أن البيئة مسؤولية عامة، ثم يرى في الشارع تجاوزاً لا يُحاسب عليه، سيتعلم من الواقع درساً أقوى من الكتاب. والشاب الذي يسمع عن التشجير ثم يعيش في مدينة تفتقر إلى الحدائق سيجد تناقضاً بين الخطاب والتجربة. لذلك تحتاج الثقافة البيئية إلى نموذج مؤسسي يثبت للناس أن حماية الطبيعة جزء من طريقة إدارة المدينة، وليس مجرد شعار في مناسبة بيئية.

المطلوب كذلك أن تتغير صورة العلاقة بين الإنسان والأرض. الأرض ليست مجرد ملكية خاصة يستطيع صاحبها أن يتصرف بها بمعزل عن آثار القرار على المجتمع. الملكية تمنح حقوقاً، لكنها ترتبط أيضاً بمسؤولية اجتماعية وبيئية، خصوصاً عندما تكون الأرض جزءاً من منظومة زراعية أو بيئية تؤثر في حياة منطقة كاملة. وهذه الفكرة يمكن أن تكون مدخلاً مهماً إلى نقاش أكثر نضجاً حول التوازن بين حق الملكية والمصلحة العامة.

أما مكافحة التصحر، فلا ينبغي أن تتحول إلى حملة موسمية لزراعة الأشجار ثم تركها لمصيرها. المطلوب مشاريع طويلة الأمد تختار الأنواع النباتية المناسبة للبيئة العراقية، وتوفر المياه اللازمة، وتراقب معدلات البقاء، وتربط التشجير بحماية التربة ومواجهة زحف الرمال. كما أن الأحزمة الخضراء حول المدن يمكن أن تؤدي دوراً مهماً إذا صممت ضمن دراسة علمية تراعي المناخ والمياه واتجاهات الرياح وطبيعة التربة.

وهذا يفرض تعاوناً يتجاوز وزارة واحدة. وزارة الزراعة معنية بحماية الأراضي المنتجة وتنميتها، والبلديات مسؤولة عن التخطيط العمراني والخدمات، والجهات البيئية تراقب الأثر البيئي، والجامعات تقدم الدراسات والبيانات، والإعلام يصنع الوعي العام، والمواطن شريك في حماية ما يوجد داخل مدينته وحوله. البيئة لا تُحمى عندما تعمل كل جهة منفردة، وإنما عندما تتحول الحماية إلى سياسة مشتركة لها أهداف قابلة للقياس.

في النهاية، السؤال ليس هل يستطيع الإنسان أن يبني؟ وإنما هل يعرف أين يبني، وماذا يترك وراءه عندما يبني؟ التنمية التي تلتهم مصادر الحياة تحتاج إلى مراجعة، والاستثمار الذي يقيس الربح وحده يترك جزءاً من الحساب خارج دفتره. العراق يحتاج إلى مدن تتسع لسكانها من دون أن تلتهم أراضيها الزراعية، وإلى اقتصاد يستثمر في الأرض من دون أن يستنزفها، وإلى مواطن يدرك أن حماية البيئة ليست مهمة الحكومة وحدها.

فالإنسان لا يعيش فوق البيئة، وإنما داخلها. وكل شجرة تُقطع، وكل بستان يختفي، وكل أرض تتدهور، وكل مساحة خضراء تُستبدل بالإسمنت تحمل أثراً يتجاوز حدود المكان. وحين يدمر الإنسان البيئة التي توفر له الماء والغذاء والهواء والظل والحماية، فإنه لا يعتدي على الطبيعة وحدها؛ إنه يقتطع شيئاً من شروط حياته ومستقبل أبنائه. ومن هنا تبدأ المسؤولية الحقيقية: أن نسأل قبل كل قرار عمراني أو اقتصادي، ليس فقط ماذا سنكسب اليوم، وإنما ماذا سنترك للأجيال عندما ينتهي هذا اليوم.

اضف تعليق