تأمل الحكومات الأوروبية أن ينشأ اقتصاد الهيدروجين الأخضر في حوض البحر المتوسط، الذي كان دائمًا ممرًا للطاقة، إذ تفتخر دول الحوض ببعض أفضل الظروف على وجه الأرض لتنمية موارد الطاقة المتجددة، يأتي هذا في ظل تزايد الاهتمام في الآونة الأخيرة بإنتاج الهيدروجين الأخضر وتقليل تكلفته، في إطار السعي المستمر نحو مستقبل خالٍ من الكربون...

بقلم: دينا قدري

تأمل الحكومات الأوروبية أن ينشأ اقتصاد الهيدروجين الأخضر في حوض البحر المتوسط، الذي كان دائمًا ممرًا للطاقة، إذ تفتخر دول الحوض ببعض أفضل الظروف على وجه الأرض لتنمية موارد الطاقة المتجددة، يأتي هذا في ظل تزايد الاهتمام في الآونة الأخيرة بإنتاج الهيدروجين الأخضر وتقليل تكلفته، في إطار السعي المستمر نحو مستقبل خالٍ من الكربون.

وتربط 6 خطوط أنابيب أوروبا بأفريقيا والشرق الأوسط، ويعتمد الاتحاد الأوروبي على المنطقة في تلبية أكثر من ثلث وارداته من الغاز الطبيعي، وفق ما اطّلعت عليه منصة الطاقة المتخصصة، وإذا سارت الخطط المتعلقة بجنوب أوروبا بصورة جيدة، فإنها ستمنح القارة إمكان الوصول إلى الكثير من الطاقة المتجددة الرخيصة، وتسمح لها بتنظيف صناعتها الثقيلة التي تُصدر الكثير من انبعاثات الكربون.

إمكانات هائلة لمصادر الطاقة المتجددة

تُظهر القدرة الشمسية إمكانات هائلة، إذ تتمتع إسبانيا بمتوسط يومي يبلغ 4.6 كيلوواط/ساعة من ضوء الشمس لكل متر مربع، والمغرب 5.6 كيلوواط/ساعة، بحسب ما رصدته منصة الطاقة، نقلًا عن مجلة "ذا إيكونوميست" البريطانية (The Economist).

ويعني تناثر السكان أن إسبانيا والبرتغال لديهما مساحات واسعة من الأراضي لمثل هذه المحطات، كما هو الحال في صحاري شمال أفريقيا والشرق الأوسط.

وفي أجزاء من المغرب وموريتانيا، تتوافر الشمس والرياح بوفرة، ما يشكّل مناطق نادرة يُمكن أن تعمل فيها أجهزة التحليل الكهربائي دون توقف تقريبًا.

ولا تُعد فكرة استغلال هذا الخزان من الطاقة المتجددة أمرًا جديدًا، ففي أوائل العقد الأول من القرن الـ21، توصلت جمعية مدعومة بعشرات الشركات، معظمها ألمانية، إلى فكرة تغطية الصحراء الكبرى بمحطات الطاقة الشمسية العملاقة.

إلا أن الدعم المقدم إلى مشروع ديزيرتيك، الذي تأسس عام 2009، سرعان ما تبخر بسبب تكلفة التكنولوجيا، ويُعد تطوير وسائل أفضل وأرخص لحصد أشعة الشمس هو السبب وراء إحياء الفكرة.

ووفقًا للوكالة الدولية للطاقة المتجددة، انخفض متوسط تكلفة الكهرباء المنتجة من محطات الطاقة الشمسية على نطاق المرافق من 0.45 دولارًا لكل كيلوواط/ساعة في عام 2010 إلى 0.05 دولارًا في العام الماضي (2022).

إنتاج الهيدروجين الأخضر في حوض البحر المتوسط

أشار تقرير "ذا إيكونوميست" إلى أن نقل الطاقة شمالًا إلى حيث تكون هناك حاجة إليها أصبح الآن أكثر جدوى؛ إذ تضمنت خطة ديزيرتيك الخطوط البحرية ذات القدرة المحدودة.

والآن، يُمكن لأجهزة التحليل الكهربائي الرخيصة والفاعلة تحويل الكهرباء إلى هيدروجين من المصدر، ويُمكن بعد ذلك نقله في صورة غاز أو مشتق منه، مثل الأمونيا السائلة.

ويتوقع المحللون أن تصل تكلفة إنتاج الهيدروجين الأخضر من شمال أفريقيا في غضون أعوام قليلة أقل من 1.50 دولارًا للكيلوغرام الواحد؛ ما يجعله أرخص من الهيدروجين الأزرق، المشتق من الغاز الطبيعي ويتطلب احتجاز الكربون الناتج وتخزينه.

إنتاح الهيدروجين حسب المصدر

ومن المرجح أن يتحقق الطلب على الطاقة من الجنوب أكثر مما كان عليه الحال في أيام ديزيرتيك أيضًا، وستكون هناك حاجة ماسة إلى الهيدروجين ومشتقاته، بوصفها مواد أولية خالية من الكربون لصناعات الصلب والمواد الكيميائية في أوروبا.

ومن بين الـ20 مليون طن التي حددها الاتحاد الأوروبي هدفًا للاستهلاك بحلول عام 2030، سيأتي الكثير منها من أطراف القارة الجنوبية وشمال أفريقيا.

ومع ذلك، فإن موقع البحر الأبيض المتوسط بوصفه القوة الجنوبية لأوروبا ليس أمرًا مسلمًا به، إذ يتعيّن على أوروبا أن تبدأ سوقًا لمصدر جديد للطاقة، وأن تفعل ذلك في ساحة غير خاضعة للضوابط التنظيمية تضم العديد من المتنافسين.

عقبات أمام استثمارات الهيدروجين الأخضر

تُعد عملية زيادة الطلب والعرض بمثابة موازنة دقيقة، وتتردد الشركات في إلزام نفسها بتوقيع اتفاقيات شراء طويلة الأجل إذا لم تكن متأكدة من مدى توفر الهيدروجين وتسعيره في المستقبل، وهذا بدوره يثني المنتجين عن اتخاذ قرارات استثمارية حاسمة.

ومما لا يساعد في الأمر أن يؤدي عدم الاستقرار السياسي في شمال أفريقيا إلى زيادة المخاطر وبالتالي تكلفة رأس المال.

ومع ذلك، فإن المشكلة الأكبر تكمن في ربط جانبي السوق، وهو ما يبدأ بإنشاء اتصالات مادية، بحسب ما جاء في تقرير "ذا إيكونوميست" الذي اطّلعت منصة الطاقة على تفاصيله.

إذ يجب أولًا نقل معظم الهيدروجين عن طريق السفن، ربما على شكل أمونيا (الهيدروجين السائل، الذي يجب الاحتفاظ به عند درجة حرارة -253 درجة مئوية، يصعب نقله)، لكن قدرة الشحن محدودة.

وقدّر جيمس كنيبون من كلية فلورنسا للتنظيم، أنه حتى لو كان ذلك ممكنًا من الناحية الفنية، فإن إعادة استعمال كامل الأسطول العالمي الحالي من السفن القادرة على نقل الغاز المسال يُمكن أن تنقل فقط نحو 6.5 مليون طن سنويًا، وهذا يترك الاعتماد على خطوط الأنابيب.

وينقسم الخبراء حول ما إذا كان من الممكن تحديث شبكات الغاز الحالية لإنتاج الهيدروجين، كما أن بناء خطوط أنابيب جديدة أمر مكلف.

وقد تؤدي الاضطرابات الجيوسياسية إلى إعاقة الاستثمارات في خطوط الأنابيب، وكذلك إنتاج الهيدروجين، وفق ما أكده التقرير.

ويوضح الرسم البياني التالي -الذي أعدّته منصة الطاقة المتخصصة- مشروعات تصدير الهيدروجين ومشتقاته حسب الحالة:

موقف مشروعات تصدير الهيدروجين

وجميع الممرات الـ3 التي حددها الاتحاد الأوروبي، والتي يُمكن من خلالها أن يتدفق الهيدروجين في حوض البحر المتوسط، تعبر منطقة مزعجة.

ومن الأفضل أن يمر الهيدروجين المنقول عبر الأنابيب من موريتانيا عبر الصحراء الغربية، لكن المنطقة التي يسيطر عليها المغرب محل نزاع، والبديل قيد النظر هو طريق بحري عبر جزر الكناري.

وبمجرد بنائها، تصبح خطوط الأنابيب عرضة للتدخل السياسي، ففي نوفمبر/تشرين الثاني 2021، أدت علاقات الجزائر المتوترة مع المغرب إلى قطع العلاقات الدبلوماسية وانقطاع تدفق الغاز عبر خط الأنابيب المغاربي الأوروبي، الذي يربط حقول الغاز الجزائرية بإسبانيا، عبر أراضي المغرب.

والأمور في أوروبا ليست أقل تعقيدًا، على سبيل المثال: الاتفاق على خط أنابيب تحت الماء يربط برشلونة بمرسيليا، إذ يمكن نقل الهيدروجين من إسبانيا من خلال البنية التحتية القائمة عبر فرنسا إلى ألمانيا، وما يزال من الممكن أن يتورط في خلاف بين ألمانيا وفرنسا حول ما إذا كان ينبغي تصنيف الطاقة النووية "خضراء".

وعلاوةً على ذلك، تمارس شركة إير ليكيد الفرنسية (Air Liquide)، التي تُعَد أكبر منتج للغازات الصناعية على مستوى العالم، ضغوطًا قوية ضد مشروع من شأنه أن يخفض قيمة شبكتها الخاصة من خطوط أنابيب الهيدروجين.

إستراتيجيات وطنية لإنتاج الهيدروجين الأخضر

ليس أمام أوروبا خيار سوى مواجهة المشكلات التي لا تُعد ولا تحصى، إذا كانت راغبة في تحقيق أهدافها الطموحة المتمثلة في الحد من الانبعاثات الكربونية.

وتشمل الخطوات التي جرى اتخاذها إطلاق المفوضية الأوروبية لـ6 مبادرات من "مسرع الهيدروجين" لنشر استعمال الغاز إلى "بنك الهيدروجين الأوروبي" لتحفيز التجارة.

والأمر الأكثر أهمية هو أن المفوضية سمحت بتدفق إعانات الدعم من خلال تخفيف قواعد مساعدات الدولة، حتى تتمكن الدول الأعضاء من دعم الشركات في جهودها لإزالة الكربون.

كما جرى تخصيص الأموال لخطوط أنابيب الهيدروجين، مثل الرابط الذي يبلغ طوله 3 آلاف و300 كيلومتر من الجزائر وتونس إلى النمسا وألمانيا.

وستستفيد مشروعات الهيدروجين في شمال أفريقيا من استثمارات تقدمها مؤسسات، مثل البنك الأوروبي للإنشاء والتعمير.

وتريد بعض الدول الأعضاء التحرك بصورة أسرع، إذ شرعت إسبانيا والبرتغال في تنفيذ إستراتيجيات وطنية طموحة تهدف إلى تحويل شبه الجزيرة الإيبيرية إلى مركز لإنتاج الهيدروجين الأخضر.

ولكن ألمانيا، التي ستضطر إلى استيراد ما يصل إلى 70% من الهيدروجين اللازم لإزالة الكربون من صناعتها الثقيلة الضخمة، هي الأكثر حرصًا.

وخصّصت ألمانيا ما يزيد على 8 مليارات يورو (8.6 مليار دولار) لمساعدة شركاتها على التحول إلى البيئة الخضراء، وفي 14 نوفمبر/تشرين الثاني أعلنت حكومتها المزيد من الإعانات لبناء شبكة من خطوط أنابيب الهيدروجين.

وفي استعراض للحماس قبل عامين، شرعت وزارة الخارجية بالبلاد في "دبلوماسية الهيدروجين"، مع 6 "سفارات هيدروجين" في البلدان الرئيسة. وفي الآونة الأخيرة، أصبحت وزارة الشؤون الاقتصادية أول مزود للأموال لشركة إتش 2 غلوبال (H2Global)، وهي منصة لتجارة الهيدروجين.

وبمرور الوقت قد تقبل ألمانيا أن تنتقل أجزاء من صناعتها الثقيلة إلى حيث يُنتج الهيدروجين، وتشكل مثل هذه المخططات أهمية بالغة لتجنب الاعتماد على أنظمة استبدادية لا يمكن التنبؤ بها في الحصول على الطاقة، كما فعلت برلين مع الغاز الروسي.

اضف تعليق