إن الإصلاح المالي والاقتصادي لا يتم وفقاً لما يعرف بسياسة إطفاء الحرائق أو القرارات الآنية لمواجهة المشاكل والأزمات وإنما عبر التخطيط الطويل والنظرة الاقتصادية البعيدة. كما يجب أن يكون الإصلاح تدريجياً للتخفيف من أثر الصدمة وشاملاً كل فئات الموظفين، بدءاً بالوزراء والنواب وموظفي الرئاسات الثلاث والدرجات الخاصة ونزولاً وليس العكس...

يذهب الكاتب بيتر فليمنغ (Peter Fleming) في كتابه الموسوم "أكاديميا مظلمة" (Dark Academia) إلى أن الإدارات العليا قد تبنت بشكل منهجي ولأسباب سياسية ومالية مختلفة مذاهب إدارة تختزل الأكاديميين في شكل كائنات اقتصادية تبحث عن الربح والمال، وهذا دفع الطبقة السياسية والجهلة من العوام إلى استهداف الأكاديميين والحط من قدرهم، بعد أن كان ينظر للأستاذ الجامعي في الأوساط الأكاديمية سابقاً بنظرة احترام وتقدير واعتبرت وظيفة الأستاذ الجامعي من أفضل الوظائف في العالم، كونها تعزز الاستقلالية والاحترافية والرضا الوظيفي والحماس المهني، وانتهى بها المطاف إلى وظيفة تقاس بمقياس اقتصادي ورجحان الإدارات والطلاب كمستهلكين لخدمة التعليم ومقيمين للأستاذ الجامعي.

وظيفة أكاديمية 

حيث تحولت النظرة للوسط الأكاديمي إلى اقتصاد السوق وأن الأستاذ هو الخاسر الوحيد، حيث بدأ التقليل من أهمية الشهادات العليا والوظيفة الأكاديمية التي يقوم بها الأستاذ الجامعي من التسلسلات الهرمية البيروقراطية التي تسيطر على الإدارة العليا، وهذا ما حصل لدينا بالفعل في العراق، فمع أول إعلان لإخفاق السياسة المالية للحكومة، نتيجة سوء إدارة الموارد والثروات القومية لسنوات طويلة، ونتيجة للفساد المستشري والسرقات الكبرى وتبديد المال العام، تم إصدار عدة قرارات من مجلس الوزراء بناءً على توصية المجلس الاقتصادي الوزاري وآخرها قرار مجلس الوزراء بالعدد (40) لسنة 2026 الذي تضمن في الفقرة (ثالثاً) منه حجب مخصصات الخدمة الجامعية عن مستحقيها من حملة الشهادات العليا غير المفرغين للتدريس والموظفين الإداريين والفنيين العاملين في وزارة التعليم العالي والبحث العلمي وجامعاتها.

ومن المعلوم أن هذه مخصصات ممنوحة بموجب قانون الخدمة الجامعية رقم (23) لسنة 2008 المعدل ولا يمكن حجبها بقرار إداري، فالقانون لا يُلغى ولا يُعدل إلا بقانون، وبالتالي فإن هذا القرار معيب بعيب مخالفة القانون من جانب، ومن جانب آخر معيب بعيب عدم الاختصاص الجسيم لأن فيه تعدياً على اختصاص السلطة التشريعية، وبذلك يكون القرار قد بلغ من عدم مشروعيته مبلغاً يهوي به إلى وادي الانعدام، والسؤال المطروح: لماذا المخصصات الجامعية؟ ولماذا الأستاذ الجامعي أول من يستقطع منه؟

هيئات مستقلة 

وهنالك العشرات من المخصصات المصروفة لطوائف معينة من الموظفين ومن بينهم موظفو مجلس الوزراء والأمانة العامة لمجلس الوزراء وموظفو مجلس النواب إضافة لمخصصات النواب والوزراء وذوي الدرجات الخاصة ورؤساء الهيئات المستقلة وأعضاء المجالس في الهيئات كمجلس الخدمة الاتحادي وديوان الرقابة المالية ومخصصات هيئة النزاهة ووزارة النفط ووزارة المالية وغيرها من أنواع المخصصات، والسبب يرجع إلى الاستهانة بالأكاديميين من قبل الطبقة السياسية، وهذا يمكن استجلاؤه من تصريحات بعض السياسيين الذين يسخرون من حملة الشهادات العليا، في حين أن سبب أزمة التعليم العالي في العراق يرجع للقرارات التي اتخذها البرلمان ذاته بالتصويت على قانون (20) لسنة 2020 سيئ الصيت دون الرجوع إلى وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والتي كانت متحفظة على القانون المذكور.

وهذا القانون ينطوي على انحراف تشريعي لأنه شرع بالظاهر لتنظيم معادلة الشهادات، ولكنه في باطنه مقرر لأعضاء البرلمان والطبقة السياسية، وكان حرياً أن يلغى من المحكمة الاتحادية العليا بسبب هذا العيب الجسيم في القانون، حيث سمح للنواب والوزراء والدرجات الخاصة من الدراسة أثناء التوظيف بعد أن كان هذا الأمر محظوراً، فسمح ذلك بإكمال دراساتهم العليا وهم يشغلون هذه المناصب وتمت معادلتها واحتسابها لهم، كما ألغى القانون المذكور أو قلص مدد الإقامة في بلد الدراسة وبذلك سمح ضمنياً بالحصول على شهادات عليا بالمراسلة، كما سمح بمعادلة واحتساب الشهادات العليا من جامعات غير رصينة، وحتى بدون إجازة دراسية، فضلاً عن استخدام التعيينات في الجامعات كجزء من الدعايات الانتخابية بحجة إنصاف هذه الطبقة من حملة الشهادات العليا، إلا أنهم يتعرضون الآن لما يسمى باستراتيجيات إدارة الأزمات بفعل الصدمة بسبب سحب امتيازاتهم المالية المقررة بموجب القانون.

إن الإصلاح المالي والاقتصادي لا يتم وفقاً لما يعرف بسياسة إطفاء الحرائق أو القرارات الآنية لمواجهة المشاكل والأزمات وإنما عبر التخطيط الطويل والنظرة الاقتصادية البعيدة. كما يجب أن يكون الإصلاح تدريجياً للتخفيف من أثر الصدمة وشاملاً كل فئات الموظفين، بدءاً بالوزراء والنواب وموظفي الرئاسات الثلاث والدرجات الخاصة ونزولاً وليس العكس، على أن يسبق ذلك إجراءات شفافة لمعرفة الإيرادات وأوجه الإنفاق ومصير المبالغ الكبيرة المفقودة... والله ولي التوفيق.

اضف تعليق