إنسانيات - تعليم

الجامعة وحركة البحث العلمي

في عالم اليوم يرتبط سر تقدم الأمم أو تخلفها بمدى تقدم أو تخلف المؤسسات العلمية لدى هذه الأمم، ويقف في مقدمة تلك المؤسسات الجامعات والمعاهد العلمية التخصصية، وما تقدمه من بحوث ودراسات رصينة، يفترض أن تسهم في التنمية الشاملة لأي بلدٍ يسعى الى بلوغ مراحل متقدمة من التطور والنمو.

لذلك فقد أولت المجتمعات التي وصلت الى مراحل متقدمة من التطور المؤسسات العلمية والتعليمية، ومراكز البحوث لديها جُلَّ اهتمامها، ووفرت لها البيئة المناسبة لممارسة عملها الأبداع، والتمكن من مواجهة تحديات العصر، ومن ثم السعي لتحقيق الأهداف الاستراتيجية المرسومة.

ان التقدم العلمي الذي يشهده العالم اليوم لم يكن بفعل معجزة حدثت هنا أو هناك، بل هو نتيجة جهد علمي تراكمي منظم ومخطط له عبر مئات السنين شارك في بنائه العلماء والباحثون والمبدعون من خلال البحث العلمي الموجه لخدمة البشرية على كافة الأصعدة.

ويعتبر هؤلاء العلماء والمبدعون والباحثون هم الرصيد المكتنز لأي بلد في مواجهة الأزمات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، والبحث العلمي هو واحد من أهم الأدوات المحققة للتقدم والنماء في كافة المجالات. لذلك تعد المؤسسات البحثية وفي مقدمتها الجامعات من أهم ركائز العمل في الدول المتقدمة.

واعتُبرت مراكز البحوث والدراسات إطاراً لولادة المشاريع الاستراتيجية الفاعلة، فقد شهدت الكثير من الدول قفزات علمية امتلكت من خلالها زمام المبادرة، وبنت قواعد مستقبلية إستناداً إلى نظريات أمسها وواقع يومها، وعملت على لملمة هذه القواعد النظرية والطموحات المستقبلية عبر تفعيل أنواع من الدراسات التخصصية.

وإذا أخذنا هذه المعطيات العلمية بنظر الاعتبار مقارنة ًبما هو متاح من مراكز بحثية في جامعاتنا ومعاهدنا، وما تقدمة هذه المراكز من بحوث ودراسات فلا نعتقد هناك أوجه للمقارنة، وهذا الأمر لم يقتصر على المرحلة التي أعقبت عملية التغيير التي شهدتها البلاد، وما تلى ذلك من تداعيات، بل الأمر يتعدى الى أبعد من ذلك، ولا سيما خلال العقود الأخيرة من حكم النظام السابق، عندما تحولت تلك الجامعات والمعاهد الى ورش لإنتاج الأفكار الأيديولوجية المتخلفة.

وعلى الرغم من كل ما يقال عن تواضع مؤسساتنا العلمية، لكننا نستطيع الجزم بالقول، بأننا نمتلك جميع المقومات التي تساعد على بناء منظومة متكاملة من المراكز والدراسات البحثية ولكافة التخصصات العلمية والإنسانية.

وبطبيعة الحال فأن هذا الاعتقاد بالجزم لم يأت أعتباطا ً أو من فراغ، بل يستند الى أسس علمية وعملية، ورؤية إستشراقية للمستقبل، وفي مقدمة ذلك هو امتلاكنا للبنية التحتية والفوقية التي تتطلبها عملية النهوض والديمومة بمراكز البحوث والدراسات، ونعني بهذه البنية، هو وجود هذه النخبة الطيبة من العلماء والباحثين والمبدعين وفي كافة الاختصاصات داخل البلاد وخارجها ممن لديهم القابلية والقدرة على إدارة مثل هذه المراكز والأبداع من خلالها، بعد توفر المستلزمات الضرورية لذلك.

ومما يؤكد قولنا هذا، ذلك التواجد المتميز للعلماء والباحثين العراقيين في أرقى مراكز البحوث والدراسات التابعة لجامعات عالمية عُـرفت بعراقتها وأصالتها، وبالإمكان استدعاء هؤلاء المبدعين بعد تهيئة الظروف والأجواء الملائمة. وبطبيعة الحال فإن أمر وجود البيئة الثقافية والفكرية في هذه البلاد قد أرتكز على إرث حضاري، فكري ومعرفي، عـُرفت به بلاد ما بين النهرين عبر العصور.

ما نود التأكيد علية، هو ان الجامعات في العصر الحاضر تقوم بدور بالغ الأهمية في حياة الأمم و الشعوب على اختلاف مراحل تطوّرها الثقافي والاقتصادي والاجتماعي، إذ لم تعد مقصورة على الأهـداف التقليدية من حيث البحث عن المعرفـة والقيـام بالتدريس، بل امتدت الرسالة لتشمل كل نواحي الحياة العلمية و التقنية والثقافية، الأمر الذي جعل من أهم واجبات الجامعات المعاصرة هو أن تتفاعل مع المجتمع لبحث حاجاته وتوفير متطلباته، وهذا لا يتم إلا بتفعيل رسالة الجامعات في تنشيط حركة البحث العلمي، وفتح قنوات التعاون والتنسيق والاتصال بين الجامعات وقطاعـات التنمية المختلفة.

وإذا اعتبرت أهمية مراكز البحوث والدراسات أمرا ً ملحا ً لدى الكثير من البلدان، فأن أهميتها ودورها يجب ان يكون أكثر إلحاحا ً في بلادنا، للأوضاع المعروفة التي نعيشها اليوم. وبلا شك فأن النهوض بهذا المرفق الحيوي يتطلب إعادة نظر وتقييم دقيق بطبيعة المراكز البحثية، ذلك ان العصر الذي نعيش فيه يحتم علينا ان ننافس الآخرين بقوة في المجالات العلمية والبحثية. وفي ضوء هذه المعطيات فأننا بحاجة الى وضع استراتيجية يكون فيها لمراكز الدراسات والبحوث الدور الفاعل في تحديد المشاكل والمواضيع التي تحتاج لاتخاذ القرارات المهمة.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق