يتناول المقال تحديات دخول أعداد غير مسبوقة من الشباب إلى أسواق العمل في الاقتصادات النامية، وسط تباطؤ اقتصادي وتحولات تكنولوجية متسارعة يقودها الذكاء الاصطناعي. ويعرض اتساع فجوة المهارات وارتفاع بطالة الخريجين، مقابل نمو قطاعات رقمية جديدة، مؤكدًا أهمية التعليم المرن والتدريب والمهارات التقنية والشخصية لمساعدة الشباب على التكيف مع...
يرصد الصحفي هاري جاك، في مقال نشرته مجلة التمويل والتنمية التي تصدر عن صندوق النقد الدولي، التحديات التي تواجه أعدادًا غير مسبوقة من الشباب الداخلين إلى أسواق العمل في الاقتصادات النامية، في ظل تباطؤ اقتصادي وتحولات تكنولوجية متسارعة يقودها الذكاء الاصطناعي، وما تفرضه من ضغوط جديدة على الخريجين وأنظمة التعليم والتوظيف.
حيث الاقتصادات النامية تشهد تخرج أعداد غير مسبوقة من الشباب إلى أسواق العمل في خضم تغير تكنولوجي هائل.
ويقول الكاتب في مقاله:
في ظهيرة يوم هادئ من شهر مايو، وقد اكتست السماء بالغيوم، انهمك ساهارات تشوايكاو في معالجة مشكلات قاعدة بيانات الجمعيات والفرق الرياضية داخل مكتب اتحاد الطلاب بجامعة الملك مونغكوت للتكنولوجيا في ثونبوري.
وحين لا يكون تشوايكاو منشغلًا بدراسته للهندسة في هذه الجامعة التي تُعد من أبرز الجامعات التكنولوجية في تايلند، يعمل متدربًا في أحد مصانع مشروبات الطاقة، حيث ينتج الجرعات المفعمة بالسكر والكافيين التي قد تعينه على التوفيق بين دراسته الجامعية بدوام كامل في أحد تخصصات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، وتدريبه في قطاع التصنيع، وعمله التطوعي في مجال تكنولوجيا المعلومات لمدة 15 ساعة أسبوعيًا.
وقبل عشر سنوات، ربما كان هذا الشاب البالغ من العمر 21 عامًا يتوقع أن يبدأ مسيرته المهنية في شركة المشروبات نفسها، فيعمل تحت إشراف مهندس متمرس، ويتدرج في تعلم أصول المهنة من خلال تولي المهام التي كانت تُسند عادة إلى الخريجين الجدد. أما اليوم، فلم يعد تشوايكاو واثقًا من أن هذا المسار لا يزال بانتظاره.
ويقول إن المهام المعقدة يمكن إسنادها إلى نماذج الذكاء الاصطناعي مجانًا، مما يقلص حاجة الشركات إلى كثير من الوظائف التقنية المخصصة للمبتدئين.
وفي لقائه مع مجلة التمويل والتنمية، يقول: «أعتقد أن الأمر أصبح أكثر صعوبة من السابق. فالذكاء الاصطناعي بات يعمل إلى جانب المهندس الأكثر خبرة، ولم تعد هناك حاجة إلى المهندس المبتدئ لإنجاز العمل. وهكذا، أصبح من الصعب العثور على وظيفة».
وبموجب قانون التكنولوجيا التايلندي الصادر عام 1971، اندمج عدد من الكليات تحت مظلة جامعة الملك مونغكوت للتكنولوجيا في ثونبوري، المعروفة اختصارًا باسم KMUTT، بهدف تخريج كوادر عالية المهارة لمواكبة التحول التكنولوجي الذي كانت تشهده البلاد. وفي ذلك الوقت، قبل أكثر من نصف قرن، كان نحو 500 مليون شاب وشابة في اقتصادات الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية حول العالم يستعدون لدخول سوق العمل.
وفي مايو من هذا العام، كان تشوايكاو على بُعد أسابيع فقط من التخرج وخوض غمار أكثر أسواق العمل ازدحامًا بالباحثين عن وظائف على الإطلاق. فمن المتوقع أن ينضم نحو 1,2 مليار شخص إلى القوى العاملة في الاقتصادات النامية خلال العقد المقبل.
ويشير البنك الدولي، في تقريره «تحدي الوظائف العالمي» الصادر في يونيو، إلى أن «هؤلاء الشابات والشبان سيشكلون على الأرجح أكبر موجة من الداخلين إلى سوق العمل في التاريخ، إذ يتجاوز عددهم ما شهده أي عقد سابق أو ما يُتوقع أن يشهده أي عقد خلال بقية هذا القرن».
غير أن خريجي الجيل زد في جنوب شرق آسيا، ومنهم تشوايكاو، يواجهون اقتصادًا أكثر هشاشة مما واجهه آباؤهم في مطلع القرن الجاري، مع تباطؤ النمو العالمي بنحو الثلث، وتراجع قدرة الحكومات على توظيف أدوات السياسات في بيئة أشد غموضًا.
وقد أدت موجات متعاقبة من الصدمات العالمية، من التضخم خلال فترة الجائحة والغزو الروسي لأوكرانيا إلى التقلبات الأخيرة في أسواق الطاقة، إلى كبح الإنفاق، وساهمت في زيادة تكلفة المعيشة.
وتبدو هذه الضغوط أشد وطأة في آسيا، إذ يعتمد كثير من اقتصاداتها اعتمادًا كبيرًا على واردات الطاقة المنقولة عبر مضيق هرمز. ففي تايلند، على سبيل المثال، يأتي نحو 60% من وارداتها النفطية عبر الخليج العربي.
وبينما كان تشوايكاو يستعد للتخرج في وقت سابق من هذا العام، كان الكثير من الشباب، في سري لانكا على سبيل المثال، يعملون أربعة أيام أسبوعيًا ويصطفون للحصول على الوقود في ظل قيود الطوارئ. وفي إندونيسيا، تظاهر الطلاب احتجاجًا على ارتفاع أسعار الوقود وتراجع القوة الشرائية.
وفي الهند، شبّه رئيس المحكمة العليا الخريجين العاطلين عن العمل بالصراصير، في تصريح جسّد حالة الإحباط إزاء بطالة الشباب وأذكى حركة احتجاجية انتهت بعد شهرين باستقالة وزير التعليم.
وخلال عرض تقديمي في العام الماضي، أشارت شيرلي كاستانييدا أغروبيس، رئيسة لجنة التعليم العالي في الفلبين، إلى تزايد نسبة خريجي الجامعات بين العاطلين عن العمل في البلاد.
وتقول أغروبيس: «إن المشكلة تتجاوز معدلات البطالة. فحتى مع وجود فرص عمل، يظل هناك تفاوت بين احتياجات سوق العمل ومهارات الخريجين».
دفعات غير مسبوقة من الشباب
تشير بحوث صندوق النقد الدولي إلى أن معدلات بطالة الشباب مرتفعة في مختلف أنحاء آسيا، ولكنها أعلى ما تكون غالبًا بين الشباب الحاصلين على أعلى المؤهلات التعليمية.
وقال كريشنا سرينيفاسان، مدير إدارة آسيا والمحيط الهادئ في صندوق النقد الدولي، خلال مؤتمر صحفي في إبريل: «يواجه الشباب ذوو المؤهلات العليا صعوبة في العثور على وظائف تتناسب مع مؤهلاتهم».
ففي تايلند، على سبيل المثال، بلغت بطالة الشباب في الفئة العمرية 15-24 عامًا 3,9% في العام الماضي، مقابل 13,2% بين الحاصلين على تعليم ما بعد الثانوي من الفئة العمرية نفسها.
ويبرز نمط مماثل في معظم اقتصادات جنوب شرق آسيا، غير أن الصورة تبدو أكثر قتامة في جنوب آسيا، حيث تتراوح معدلات البطالة بين الشباب الأعلى تعليمًا بين نحو 36% في بنغلاديش و43% في سري لانكا (انظر الشكل البياني 1).
وقال سرينيفاسان إن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يحقق مكاسب كبيرة على صعيدي النمو والإنتاجية، لكن التكنولوجيا قد تفاقم الضغوط في أسواق العمل، ولا سيما على العمالة الشابة، إذا سبقت وتيرة اعتماده جهود تنمية المهارات.
«ويؤكد ذلك ضرورة إعادة النظر في منظومة التعليم وبرامج إعادة التأهيل بوجه أعم، بحيث تصبح الجامعات والبرامج الفنية أكثر استجابة لاحتياجات أصحاب العمل، ويكتسب الخريجون المهارات التي تحتاج إليها الشركات فعليًا».
ويشكل القلق إزاء التحولات التكنولوجية وتداعياتها المحتملة على مكانة الشباب في المجتمع قاسمًا مشتركًا في أحاديث الطلاب عبر أنحاء حرم جامعة الملك مونغكوت للتكنولوجيا.
ويقول أحد طلاب الرسوم المتحركة، الذي يعمل حاليًا في وظيفة بدوام جزئي: «ما زلت أجهل ما يخبئه لي المستقبل، وإن كنت أعتقد أنني لن أعمل في مجال الرسوم المتحركة».
ويخشى كثير من الطلاب أن يفضي الانتشار المتزايد للذكاء الاصطناعي في أسواق العمل عبر جنوب شرق آسيا إلى تقليص الفرص المتاحة للكوادر عالية المهارات خلال السنوات المقبلة، سواء في استوديوهات الاقتصاد الإبداعي في بانكوك أو خطوط الإنتاج الصناعية حيث يعمل تشوايكاو.
ويقول: «أشعر بقلق بالغ إزاء مساري المهني. فالذكاء الاصطناعي قد يحل محلي بسهولة إذا لم أمتلك مهارات شخصية متميزة، إلى جانب مهارات تقنية أخرى، مثل إتقان لغة أجنبية».
ويرى تشوايكاو أن وضعه اليوم ليس سوى امتداد للتوتر الذي رافق التحولات التكنولوجية الكبرى في الماضي، من الطباعة إلى محرك الاحتراق الداخلي: فهل تستطيع المجتمعات الاستفادة من مكاسب الإنتاجية التي تتيحها التكنولوجيا، مع مواصلة خلق وظائف مجزية للجيل المقبل؟ لكن هذه الحقبة تبدو أكثر تعقيدًا بالنسبة إلى كثير من الشباب.
وقال أحد ممثلي الجامعة إن الطلاب أعربوا، في عدد من استطلاعات الرأي، عن قلقهم إزاء تأثير التكنولوجيا على فرصهم الوظيفية في المستقبل. واستجابة لذلك، وفرت الجامعة تراخيص لألف طالب لتلقي التدريب على استخدام الذكاء الاصطناعي بهدف تعزيز مساراتهم المهنية.
وقالت إحدى المسؤولات في الجامعة: «أعتقد أن بعض الطلاب يشعرون بالقلق إزاء هذا الأمر»، مضيفة أن إعادة تشكيل سوق العمل بفعل الذكاء الاصطناعي كانت تبدو احتمالًا بعيدًا حين تخرجت من الجامعة نفسها قبل عشر سنوات.
مشهد اقتصادي متغير
تقع الجامعة على ضفة ثونبوري من نهر تشاو فرايا، في منطقة كانت يومًا ما عاصمة مملكة سيام، وتتميز بشبكة متداخلة من القنوات المائية والبساتين الزاخرة بالفواكه الاستوائية، مثل المانغوستين والرامبوتان.
وتحمل الجامعة اسم الملك مونغكوت، المعروف أيضًا باسم راما الرابع، وهو ملك من القرن التاسع عشر ناصر العلم والتعليم الحديث. وتجسد الجامعة التزامًا بالتقدم العلمي والتغير التكنولوجي يعود إلى أكثر من 150 عامًا. وقد اشتهر مونغكوت، الذي كان راهبًا في السابق، بحساب توقيت كسوف الشمس عام 1868.
وحكم مونغكوت البلاد في وقت أعادت فيه الطباعة تشكيل الإدارة في سيام، وجابت السفن البخارية نهر تشاو فرايا، وانفتح الاقتصاد شيئًا فشيئًا على التجارة الحرة.
وكانت هذه التحولات جزءًا من مرحلة انتقالية أوسع نطاقًا آنذاك، حيث بدأت التقنيات الجديدة والتغيرات الاقتصادية العالمية في إعادة رسم ملامح التجارة والإدارة الحكومية.
وتكشف صور محفوظة في الأرشيف لأعمال بناء الجامعة عام 1974 عن المباني الأولى التي شُيدت وسط حقول موحلة تظلها أشجار النخيل.
أما اليوم، فقد ابتلع التوسع العمراني في بانكوك تلك الحقول. وعلى امتداد الطريق من الجامعة، تنتشر المجمعات اللوجستية والتكتلات الصناعية، حيث تشيد شركات التكنولوجيا العالمية مراكز بيانات في إطار سعي تايلند إلى ترسيخ مكانتها كمركز إقليمي للتكنولوجيا.
وأشار مجلس الاستثمار التايلندي إلى أنه تلقى، خلال الربع الأول من هذا العام، طلبات بقيمة 873,741 مليون بات تايلندي (27,3 مليار دولار) للاستثمار في 48 مشروعًا رقميًا، يتركز معظمها في مراكز البيانات والخدمات السحابية في بانكوك والمناطق المحيطة بها.
وخلال مؤتمرات عُقدت هذا العام حول صعود تايلند كمركز إقليمي للبيانات، حذر مسؤولون تنفيذيون في القطاع من أن التحدي الأكثر إلحاحًا لا يتمثل في نقص الوظائف مستقبلًا، بل في النقص الحاد في الكفاءات اللازمة لدعم التوسع السريع للقطاع.
وتشير الدراسات حول اقتصادات الأسواق الصاعدة إلى تباين آثار التكنولوجيات المعززة للإنتاجية على التوظيف. ففي حين قد تؤدي الأتمتة إلى خفض الطلب على العمالة في بعض المهام، يمكن لمكاسب الإنتاجية أن تحفز الاستثمار، وتدعم توسع الشركات، وتستحدث أشكالًا جديدة من العمل.
وخلصت دراسة صادرة عن منظمة العمل الدولية في يوليو إلى أن الذكاء الاصطناعي التوليدي قد يؤثر على عمل ما يقرب من 80 مليون شخص في جنوب شرق آسيا، غير أن المنظمة تؤكد أن الدلائل على حدوث خسائر واسعة النطاق في الوظائف ما زالت محدودة حتى الآن.
وعندما يعود تشوايكاو إلى منزله في تشونبوري، حيث يدير والده شركة للخدمات اللوجستية، يدور بينهما أحيانًا حديث عن المستقبل. ويحثه والده على التحلي بالمرونة تجاه خياراته المهنية، سواء من حيث مكان العمل أو المجالات التي يمكن أن يوظف فيها مهاراته الهندسية، بل يشجعه أحيانًا على العمل في القطاع العام.
ويشغل تشوايكاو موقعًا استثنائيًا في خضم هذا التحول. فأثناء النهار، يعمل على بناء أنظمة مؤتمتة لإحدى كبرى شركات المشروبات في تايلند، لكن في أوقات أخرى ينتابه القلق بشأن ما إذا كانت هذه التقنيات ذاتها قد تؤدي إلى تراجع الحاجة إلى المهندسين الشباب، وأن ما يحدث الآن ليس سوى البداية.
ويقول: «أنا على يقين تام من ذلك».




اضف تعليق