تتحرك المفاوضات الأمريكية الروسية حول أوكرانيا في وقت تواجه فيه إيران ضغطاً عسكرياً واقتصادياً متزايداً، ما يفتح احتمال تغير قيمة طهران في حسابات موسكو إذا انتهت الحرب الأوروبية. لا توجد أدلة على صفقة تستهدف إيران، لكن أي انفتاح روسي على واشنطن قد يقلص هامشها السياسي، ويمنح الولايات المتحدة قدرة أكبر على تركيز الضغط عليها في الشرق الأوسط خلال المرحلة المقبلة.

التقارب الأمريكي الروسي يعيد ترتيب الحسابات فيما تواجه إيران واحدة من أكثر مراحلها العسكرية والاقتصادية ضغوطاً

عاد الملف الأوكراني إلى طاولة التفاوض الأمريكية الروسية في توقيت يتجاوز في دلالاته حدود الحرب المستمرة منذ أكثر من أربعة أعوام، بعدما وصل المبعوثان الأمريكيان ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر إلى موسكو حاملين مقترحاً جديداً من إدارة الرئيس دونالد ترامب، وعقدا مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين محادثات استمرت أكثر من ثلاث ساعات قبل انتقالهما إلى كييف. ورغم أن اللقاء لم ينتج اتفاقاً معلناً، فإن الطرفين تحدثا عن تقدم وأفكار جديدة وإمكان عقد جولة أخرى من المفاوضات، في وقت أمر فيه بوتين بوقف الضربات على كييف مؤقتاً بالتزامن مع زيارة الوفد الأمريكي، وقابلت أوكرانيا ذلك باستعداد لوقف الضربات على موسكو خلال الفترة نفسها.

لم تختف الخلافات الأساسية التي عطلت المفاوضات السابقة، إذ ما تزال موسكو متمسكة بمطالب مرتبطة بالأراضي التي ضمتها أو تطالب بالسيطرة عليها وبمستقبل عضوية أوكرانيا في حلف شمال الأطلسي، بينما ترفض كييف التخلي عن الأراضي التي لا تزال تحت سيطرتها وتطالب بضمانات أمنية تحول دون تكرار الحرب. لذلك لا يمكن التعامل مع الجولة الحالية باعتبارها اتفاقاً أمريكياً روسياً ناجزاً، إلا أن أهميتها تكمن في أن الاتصالات استعادت زخماً افتقدته خلال الأشهر الماضية، وأن واشنطن وموسكو بدأتا مناقشة ملفات تتجاوز الجبهات العسكرية وحدها.

الملاحظة الأكثر دلالة جاءت من الكرملين نفسه، عندما قال مساعد الرئيس الروسي يوري أوشاكوف إن المحادثات لم تقتصر على تسوية الأزمة الأوكرانية، وإنما شملت قضايا اقتصادية ومشروعات روسية أمريكية كبيرة محتملة تحقق منفعة للطرفين. هذا الجانب يوسع مساحة التفاوض؛ لأن أي مسار يؤدي إلى إعادة العلاقات الاقتصادية بين الولايات المتحدة وروسيا أو تخفيف جزء من العزلة المفروضة على موسكو سيضع الكرملين أمام حسابات مختلفة عن تلك التي حكمت سياسته منذ اندلاع الحرب عام 2022.

خلال سنوات المواجهة مع الغرب، دفعت العقوبات والعزلة السياسية روسيا إلى توسيع علاقاتها مع القوى التي تواجه بدورها ضغوطاً أمريكية، وكانت إيران واحدة من أهم هذه الدول. غير أن العلاقات الدولية لا تقوم بالضرورة على ثبات التحالفات بقدر ارتباطها بتغير المصالح والبدائل المتاحة، ولذلك فإن السؤال المتعلق بإيران لا يبدأ من افتراض وجود اتفاق أمريكي روسي للتضحية بها، وإنما من احتمال أن تتراجع الأهمية التي اكتسبتها طهران في الحسابات الروسية إذا أصبحت أمام موسكو فرصة لإعادة بناء جزء من علاقاتها السياسية والاقتصادية مع الولايات المتحدة.

هذا الاحتمال يأتي في توقيت بالغ الصعوبة بالنسبة لإيران. فالمواجهة بينها وبين الولايات المتحدة عادت إلى التصعيد بعد فترة من الهدوء النسبي، وذكرت القيادة المركزية الأمريكية أن قواتها استهدفت ثلاث ناقلات نفط إيرانية بعد إطلاق إيران صواريخ باليستية باتجاه سفينتين تابعتين للبحرية الأمريكية، بينما توعد مسؤولون إيرانيون بردود أسرع وأشد على أي هجمات جديدة. وبالتوازي مع المواجهة العسكرية، تواجه طهران حصاراً وضغوطاً واسعة على صادراتها النفطية، ما جعل الأزمة الاقتصادية جزءاً أساسياً من معركتها الحالية مع واشنطن.

أصبحت صادرات النفط واحدة من نقاط الضغط الرئيسية على الاقتصاد الإيراني، إذ أظهرت بيانات نقلتها رويترز أن تحميلات الخام الإيرانية انخفضت بصورة حادة مقارنة بما كانت عليه قبل تشديد الحصار، فيما تعاني البلاد تقلبات في العملة والتضخم والبطالة وصعوبات في إدارة الأسواق. ورغم الدعم السياسي الذي حصلت عليه طهران من روسيا والصين ودول أخرى داخل منظمة شنغهاي للتعاون، فإن رويترز أشارت إلى عدم ظهور شريان اقتصادي واضح يستطيع تعويض الخسائر التي يسببها الضغط الأمريكي.

من هنا يصبح تأثير أي انفراج أمريكي روسي مهماً لإيران حتى إذا لم تكن طرفاً في المفاوضات حول أوكرانيا. استمرار الحرب الأوروبية يعني بقاء روسيا في مواجهة مفتوحة مع الولايات المتحدة وحلفائها، وهو وضع يمنح الشركاء الذين يستطيعون مساعدة موسكو أو الالتفاف معها على الضغوط الغربية أهمية أكبر. أما إنهاء الحرب أو تجميدها وفتح الباب أمام مشروعات اقتصادية أمريكية روسية، فقد يدفع موسكو إلى إعادة تقييم حجم المخاطر التي ترغب في تحملها من أجل شركائها الآخرين، خصوصاً عندما تكون العلاقة مع هؤلاء الشركاء سبباً في صدام مباشر مع واشنطن.

لا يعني ذلك بالضرورة انقلاب روسيا على إيران، فالبلدان يمتلكان مصالح تتجاوز حرب أوكرانيا، كما أن موسكو لا تملك مصلحة واضحة في تحويل طهران إلى خصم أو التخلي عن نفوذ سياسي بنته في الشرق الأوسط خلال سنوات طويلة. روسيا تستطيع، في حال تحسن علاقتها مع الولايات المتحدة، محاولة الحفاظ على علاقاتها مع إيران وفي الوقت نفسه توسيع تعاونها مع واشنطن، مستفيدة من قدرتها على التواصل مع الجانبين، بل قد تتحول العلاقة مع طهران إلى أداة تمنح موسكو وزناً إضافياً في أي تفاوض يتعلق بأمن الخليج أو البرنامج النووي أو مستقبل الصراع الإيراني الأمريكي.

المشكلة بالنسبة لطهران ليست بالضرورة أن تصبح بنداً في صفقة مكتوبة، وإنما أن يتغير ميزان الحاجة داخل العلاقة الروسية الإيرانية. فحين كانت موسكو تواجه قطيعة شبه كاملة مع الغرب، كانت شبكة العلاقات مع إيران والصين ودول أخرى جزءاً من قدرتها على مقاومة العزلة. أما إذا حصلت روسيا على منافذ اقتصادية وسياسية جديدة مع الولايات المتحدة، فقد يصبح لديها عدد أكبر من البدائل، بينما تدخل إيران المرحلة نفسها وهي تملك بدائل أقل تحت ضغط الحرب والحصار النفطي والعقوبات.

هناك عامل آخر لا يقل أهمية يتعلق بقدرة الولايات المتحدة على توزيع مواردها السياسية والعسكرية بين أوروبا والشرق الأوسط. المفاوضات الأمريكية الروسية بشأن أوكرانيا تعطلت إلى حد كبير في وقت سابق بعدما انتقلت الأولوية الأمريكية إلى الحرب مع إيران، وفق ما أوردته رويترز وتايم، ولذلك فإن التوصل إلى تسوية أو حتى تجميد مستقر للجبهة الأوكرانية قد يسمح لواشنطن بإعادة توجيه جزء أكبر من اهتمامها العسكري والدبلوماسي نحو إيران.

الطاقة تضيف بعداً آخر إلى هذه المعادلة، لأن الصراع مع إيران أعاد مخاطر الإمدادات ومضيق هرمز إلى صدارة أسواق النفط، ودفع الأسعار إلى الارتفاع مع كل موجة تصعيد جديدة. وفي الوقت نفسه أظهرت الأزمة أن حركة النفط في الخليج لم تتوقف بالكامل، كما نجح العراق في زيادة صادراته خلال أغسطس بعد حصول بعض ناقلاته على إذن إيراني بالمرور عبر المضيق، في مؤشر على أن طهران ما تزال تمتلك ورقة جغرافية مهمة لكنها لا تستطيع استخدامها دون تكاليف اقتصادية وسياسية كبيرة.

إذا تطورت المفاوضات الجارية إلى تسوية واسعة، فإن الخسارة الإيرانية المحتملة لن تكون نتيجة اتفاق روسي أمريكي معلن ضد طهران بقدر ما ستكون نتيجة تغير البيئة الدولية المحيطة بها. روسيا التي تحتاج إيران وهي معزولة عن الغرب ليست بالضرورة روسيا نفسها إذا أصبحت أمامها استثمارات ومشروعات وتفاهمات اقتصادية مع الولايات المتحدة، والولايات المتحدة المنشغلة بحربين في أوروبا والشرق الأوسط ليست في الوضع نفسه إذا تمكنت من إغلاق إحدى الجبهتين أو خفض تكلفتها.

في المقابل، يبقى هذا السيناريو مرتبطاً بنجاح مفاوضات لم تتجاوز حتى الآن مرحلة الأفكار الأولية. روسيا وأوكرانيا ما تزالان مختلفتين حول الأراضي والضمانات الأمنية ومستقبل العلاقة مع حلف شمال الأطلسي، ولم يقدم ويتكوف وكوشنر تفاصيل عن الأفكار الجديدة التي سمعاها في موسكو، كما لم تعلن واشنطن عن شكل المقترح الذي تحدث عنه ترامب. لذلك فإن الحديث عن صفقة تشمل إيران يتجاوز ما تثبته الوقائع الحالية، بينما يمكن الحديث بصورة أكثر دقة عن إعادة توزيع محتملة للمصالح إذا نجحت التسوية الأوكرانية.

بالنسبة إلى إيران، تكمن المخاطرة في أن يأتي السلام الأوروبي في مرحلة أصبحت فيها حاجتها إلى الشركاء أكبر من حاجتهم إليها. فطهران تواجه ضغطاً على صادرات النفط وعملتها واقتصادها، وتحاول الاحتفاظ بورقة مضيق هرمز وقدرتها العسكرية لمنع واشنطن من فرض شروطها، بينما قد تجد موسكو نفسها أمام فرصة لإعادة فتح قنوات سياسية واقتصادية كان إغلاقها أحد أسباب تقاربها المتزايد مع إيران خلال السنوات الماضية.

ليس هناك حتى الآن ما يثبت أن إيران ستكون ثمن اتفاق بين ترامب وبوتين، كما لا توجد مؤشرات معلنة على أن موسكو قبلت تقليص علاقاتها مع طهران مقابل تسوية الحرب الأوكرانية. إلا أن الاتفاق، إذا تحول من مبادرة لوقف القتال إلى مصالحة أوسع بين روسيا والولايات المتحدة، قد ينقل إيران من موقع الشريك الذي تحتاجه موسكو تحت العقوبات إلى شريك تقارن موسكو كلفة دعمه بالمكاسب المتاحة من الانفتاح على واشنطن. عندها لن تكون القضية في أن روسيا تخلت عن إيران، بل في أن ميزان العلاقات الذي منح طهران قيمة إضافية خلال حرب أوكرانيا قد لا يبقى كما كان بعد انتهائها.

اضف تعليق