قد يؤدي التنويع التدريجي من جانب البنوك المركزية العالمية لاحتياطياتها إلى تآكل هيمنة الدولار ولكن في الأمد البعيد فقط. ولكن مع تزايد شكوك السوق بشأن الدولار، قد نجد أنفسنا في منطقة مجهولة، حيث تعزز الضغوط التي تمارسها الدول والأسواق للتخلص من الدولار بعضها بعضا، لتتسارع هذه العملية...
بقلم: إيرين لوكوود
إرفاين ــ في الأسابيع الأخيرة، سَرَت التساؤلات حول مستقبل الدولار الأميركي، حتى أن عنوانا رئيسيا في صحيفة نيويورك تايمز أعلن أن "بيع أميركا هو التجارة الجديدة في وال ستريت". في أعقاب تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب التصعيدية ضد جرينلاند، سجل الدولار الأميركي هبوطا حادا، ليتعافى قليلا بعد الإعلان عن ترشيح كيفن وارش لمنصب رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي. في الوقت ذاته، سجلت أسعار الذهب والفضة ارتفاعا شديدا ثم انهارت، وأعلن صندوق معاشات تقاعدية دنماركي عن سحب استثماراته من سندات الخزانة الأميركية، وتوجهت كل الأنظار إلى الأصول الأميركية التي يمتلكها الأوروبيون والتي تبلغ قيمتها 8 تريليونات دولار.
وهنا يظهر عاملان فاعلان: فقد ازداد الخطر المتصور المرتبط بحيازة الدولار الأميركي والأصول المقومة بالدولار، ولاحظ عدد كبير من المراقبين أن الحيازات الأجنبية من الديون والأصول الأميركية تشكل سلاحا قويا محتملا ضد إمبريالية دونالد ترامب. وقد أجبر كل من هذين العاملين المستثمرين على النظر إلى الأصول الأميركية في ضوء انتقادي جديد، الأمر الذي أثار أربعة تساؤلات ضخمة حول مستقبل هيمنة الدولار في عصر الاضطرابات الجيوسياسية.
أولا، هل يوجد منافس قوي للدولار في الأسواق الدولية؟ لطالما كانت الإجابة التقليدية هي كلا، "لا يوجد بديل". يتميز الدولار عن العملات العالمية الأخرى بأن قيمته لا تتحدد بعوامل العرض والطلب فحسب، بل أيضا بقوته البنيوية. فالدولار ضروري للعمليات التجارية عبر الحدود. يُدار أكثر من نصف التجارة الخارجية بالدولار، ويدخل الدولار في 90% من مقايضات العملات الأجنبية، وتُقَوَّم به 58% من احتياطيات البنوك المركزية الأجنبية.
صحيح أن البنوك المركزية عملت على تنويع احتياطياتها الأجنبية بشكل كبير في السنوات الأخيرة. لكن التخلي نهائيا عن الدولار يتطلب عملة احتياطية بديلة، والبدائل المحتملة محدودة.
ولأن السياسة المالية في منطقة اليورو تظل من اختصاص البلدان الأعضاء، فلا يستطيع البنك المركزي الأوروبي إصدار ديون سيادية، الأمر الذي يحد من جاذبية اليورو في نظر المستثمرين. على نحو مماثل، تفرض الصين ضوابط صارمة على رأس المال لإدارة سعر صرف عملتها، الأمر الذي يجعل الرنمينبي غير سائل نسبيا. أما الاحتمال الثالث، وهو تعدد أقطاب العملة، فهو يعني زيادة تكاليف المعاملات ومخاطر سعر الصرف، وهو ما قد يُنظر إليه على أنه ثمن مقبول للتخارج من الدولار الأميركي.
سؤال ثان في هذا الصدد هو: مَن مِن المفترض أن يكون على الجانب الآخر من تجارة بيع أميركا؟ هل يتمكن حاملو الأصول الأميركية الراغبون في الهروب الجماعي من العثور على مشترين للديون والأسهم الأميركية، وبأي سعر؟ اقترح عدد كبير من المعلقين أن أوروبا قد تكتسب نفوذا على الولايات المتحدة باستخدام أصولها الأميركية التي تبلغ 8 تريليونات دولار. ولكن بما أن حيازات أوروبا من الأصول الأميركية تتركز في القطاع الخاص في الأغلب الأعم، فإن إجبار الحكومات على بيعها سيكون مكلفا على المستويين السياسي والاقتصادي.
وحتى لو أمكن القيام بذلك، فلا يزال من غير الواضح من سيكون المشترون. ربما يكون المستثمرون المحليون في الولايات المتحدة على استعداد لاستيعاب جزء من سوق الديون والأصول الأميركية غير المرغوبة، لكن الولايات المتحدة تُـعَد مدينا صافيا؛ والقدرة التي قد تتوفر لها ليست بلا حدود، حتى مع انخفاض قيمة الدولار بدرجة كبيرة.
كما أنه ليس من الواضح ما إذا كان بيع الأصول الأميركية من قبل أوروبا ليكفي لإضعاف قوة الدولار البنيوية. فمن ناحية، يعتمد الطلب على الدولار بشكل أساسي على اعتقاد مشترك في استقرار وسيولة الأصول الأميركية نسبيا. وإذا بدأ المستثمرون يندفعون إلى المخارج، فقد يتعرض مصدر المصداقية هذا للخطر.
ولكن من ناحية أخرى، لا تمتلك أوروبا سوى حوالي 10% من إجمالي ديون الحكومة الأميركية، وهذا يثير الشكوك حول ما إذا كانت الضربة الناتجة عن البيع الاستراتيجي بأسعار متدنية لتتغلب على الحوافز القوية التي تدفع بقية العالم إلى الاستمرار في التعامل بالدولار. لن تدوم قوة الدولار البنيوية إلى الأبد، لكن وضعها في الحسبان واجب عند التفكير في عصر جديد من السياسات النقدية.
السؤال الثالث هو ما إذا كان حاملو الديون الأميركية الحاليون على استعداد، أو حتى قادرين على تحمل تكاليف بيعها، نظرا لمنطق التدمير المؤكد المتبادل. فإذا قامت الحكومات التي تتخلى عن الدولار بتنسيق بيع جماعي لسندات الخزانة الأميركية وغيرها من الأصول، فإن الضرر الذي سيلحق بميزانيات البنوك المركزية والمؤسسات المالية الخاصة سيكون مضاعفا. ذلك أن بيع الأصول الدولارية جماعيا لابد وأن يؤدي إلى انخفاض أسعارها، بما يجبر البنوك على تحمل الخسائر؛ كما ستنخفض قيمة الأصول الدولارية المتبقية لديها بشكل حاد.
علاوة على ذلك، فإن قيم العملات دائما ما تكون نسبية، ومن شأن حملة أوروبية منسقة لبيع الأصول المقومة بالدولار مقابل أصول باليورو أن يُـفضي إلى ارتفاع حاد في قيمة اليورو، بما يضر بقطاعات التصدير الضخمة في بلدان منطقة اليورو. ومع ذلك، إذا بدأت الأسواق تفقد ثقتها في استقرار الدولار، فقد نشهد تقبلا متزايدا للضغوط التي تمارسها الدول من أجل التخلص من الدولار.
في النهاية، تعتمد الإجابة على هذه التساؤلات الثلاثة على سؤال رابع: إلى أي مدى تعتبر هذه قضية سياسية أكثر منها اقتصادية؟
الحجة الاقتصادية لصالح إزاحة هيمنة الدولار ضعيفة، نظرا لمكانة الدولار البنيوية واعتماد الاقتصادات الأجنبية الشديد على القطاع المالي الأميركي واحتياطيات الدولار الأميركي. لكن الأسواق هي أيضا بُنى اجتماعية وسياسية، وكما يزعم دانيال ماكدويل من جامعة سيراكيوز، فإن "السياسة ــ وليس فقط الأساسيات الاقتصادية ــ تشكل عاملا أساسيا في جاذبية الدولار كعملة دولية".
المغزى الضمني هو أن تراجع مصداقية الولايات المتحدة النقدية، إلى جانب الضغوط التي تمارسها الدول لأسباب جيوسياسية لنبذ الأصول الأميركية، قد يتغلبان على الحجج المألوفة مثل "لا يوجد بديل"، و"الدمار المؤكد المتبادل". كانت التحليلات السابقة لهيمنة الدولار الأميركي تركز في المقام الأول على مرونة المكانة البنيوية التي يتمتع بها الدولار في مواجهة تنويع البنوك المركزية لاحتياطياتها من العملات، وإمكانية إقدام الصين، على وجه الخصوص، على استخدام احتياطياتها من سندات الخزانة الأميركية كسلاح. لكن عالم اليوم مختلف، لأن أولئك الذين تستهدفهم العقوبات الأميركية ليسوا الوحيدين الذين ينظرون الآن إلى الدولار بعين الشك.
قد يؤدي التنويع التدريجي من جانب البنوك المركزية العالمية لاحتياطياتها إلى تآكل هيمنة الدولار ولكن في الأمد البعيد فقط. ولكن مع تزايد شكوك السوق بشأن الدولار، قد نجد أنفسنا في منطقة مجهولة، حيث تعزز الضغوط التي تمارسها الدول والأسواق للتخلص من الدولار بعضها بعضا، لتتسارع هذه العملية.



اضف تعليق