تتخطى المؤسسات الدولية القائمة حيثما تسنى لها ذلك. والهدف هو الاستيلاء على الموارد ومنع المنافسين المتصوَّرين مثل الصين من الوصول إليها. لكن لا ينبغي لأي دولة أن تتنازل عن حقها السيادي في فرض الضرائب على الشركات المتعددة الجنسيات وأصحاب الثراء الفاحش. التنازل عن هذا الحق ليس فقط إفلاسا أخلاقيا...
بقلم: جوزيف ستيغليتز، جاياتي غوش
نيويورك ــ تكمن الجهود الجارية لتعطيل التعاون الضريبي المتعدد الأطراف في صميم برنامج عالمي يسعى إلى الاستعاضة عن الحكم الديمقراطي بحكم قهري من قِـبَل أصحاب الثراء الفاحش ــ أو ما نسميه الحكم القيصري في القرن الحادي والعشرين. وعلى هذا فإن أي استراتيجية في التصدي لهذا البرنامج يجب أن تدرك أن فرض الضريبة على الثروات الشديدة الضخامة ضرورة أساسية لإنقاذ الديمقراطية.
ما يدعو إلى التفاؤل أن بعض التقدم تحقق بالفعل في هذا الصدد. إذ يواصل الاتحاد الأفريقي دعم اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية للتعاون الضريبي الدولي؛ وقد نفذت كولومبيا، والبرازيل، وإسبانيا، وتونس إصلاحات ضريبية تدرجية؛ وأبدى الرأي العام الفرنسي تأييده القوي لفرض ضريبة بنسبة 2% على أصحاب الثراء الفاحش؛ وبموجب مبادرة اقتراع في كاليفورنيا سَتُفرَض ضريبة لمرة واحدة بنسبة 5% على صافي ثروة أصحاب المليارات.
لكن العدالة الضريبية لا تزال موضع خلاف حاد. في مفاوضات الإطار الشامل لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ومجموعة العشرين في أوائل يناير/كانون الثاني، وافقت أكثر من 145 دولة على منح الشركات الأميركية المتعددة الجنسيات الكبرى تصريح دخول مجاني. بعد تضررها بفعل اختلالات توازن القوى منذ البداية، كان من السهل على الرئيس الأميركي دونالد ترمب اختطاف عملية منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ومجموعة العشرين. فبعد ضغوط مكثفة من جانب الولايات المتحدة، حصلت شركات الطاقة، والتكنولوجيا، والأدوية الأميركية الكبرى على إعفاءات شاملة من ضريبة الحد الأدنى العالمية التي تبلغ 15% والتي جرى الاتفاق عليها في عام 2021 بعد عقد من الزمن من المفاوضات المضنية.
بالطبع، لم يكن من الممكن أن يعلن الإطار الشامل لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ومجموعة العشرين استسلامه صراحة. بدلا من ذلك، "اكتشف" فجأة أن النظام الضريبي الأميركي الحالي يعادل الركيزة الثانية من الاتفاقية الأصلية، بما يعني أن الدول الأخرى ممنوعة من فرض ضرائب إضافية على الشركات المتعددة الجنسيات التي يقع مقرها الرئيسي في الولايات المتحدة. لكن الحالتين غير متماثلين: فضريبة الحد الأدنى العالمية تطبق حسابا لكل بلد على حدة لتحديد المبلغ، في حين تُطـبَّق القواعد الأميركية على إجمالي الأرباح الأجنبية التي تحققها الشركات المتعددة الجنسيات التي تتخذ من الولايات المتحدة مقرا لها. وتسمح الحالة الأخيرة للشركات بالتعويض عن الضرائب المرتفعة المدفوعة في بعض البلدان مقابل الضرائب الصفرية المدفوعة في بلدان أخرى، وبالتالي استعادة مزايا مناطق الاختصاص حيث تكون الضرائب صِفرا.
لا يكتفي هذا الاتفاق الجديد بتقويض مبدأ إلزام الشركات المتعددة الجنسيات بدفع معدل ضريبة أدنى منسق أينما تعمل. بل إنه يمنح الشركات المتعددة الجنسيات التي تتخذ من الولايات المتحدة مقرا لها ميزة تنافسية على غيرها من الشركات المتعددة الجنسيات، التي لا تزال تخضع جميعها لضريبة الحد الأدنى 15%. كانت آلية هذا الاستسلام كاشفة. فتحت التهديد بالانتقام من جانب الولايات المتحدة، لجأ قادة مجموعة السبع إلى التفاوض مسبقا على الشروط الجديدة في يونيو/حزيران، ووافق أعضاء الإطار الشامل عليها الشهر الماضي دون اعتراض لتجنب خوض معركة أخرى مع ترمب.
كما حذر أوزوالد سبينجلر قبل قرن من الزمن من انهيار الديمقراطية وصعود الحكم القيصري، فإن "قوى الاقتصاد النقدي الديكتاتوري" تعمل على تفكيك الدولة التنظيمية والتعددية. الواقع أن استراتيجية النيو-مركانتيلية العدوانية التي ينتهجها ترمب ــ التي تتمثل في فرض تعريفات جمركية عقابية من جانب واحد، والتهديد بفرض الحصار وفرضه فعليا، واختطاف قادة دوليين، واستخدام حاملات الطائرات كسفن قرصنة، واقتراح "مجالس سلام" مصممة لإعادة إرساء السيطرة الاستعمارية ــ تتخطى المؤسسات الدولية القائمة حيثما تسنى لها ذلك. والهدف هو الاستيلاء على الموارد ومنع المنافسين المتصوَّرين مثل الصين من الوصول إليها.
لكن لا ينبغي لأي دولة أن تتنازل عن حقها السيادي في فرض الضرائب على الشركات المتعددة الجنسيات وأصحاب الثراء الفاحش. التنازل عن هذا الحق ليس فقط إفلاسا أخلاقيا وتضليلا استراتيجيا؛ بل هو أيضا حماقة اقتصادية.
لتوضيح هذه الحقيقة، لنتأمل هنا الانتعاش الاقتصادي في البرازيل في عهد الرئيس لويز إجناسيو لولا دا سيلفا، والنمو القوي في إسبانيا في عهد رئيس الوزراء بيدرو سانشيز، أو النمو في كولومبيا منذ إدخال إصلاحات ضريبية تدرجية من قِبَل وزير المالية السابق خوسيه أنطونيو أوكامبو. لقد وقفت هذه الحكومات في وجه ترمب، وهي تقود تحالفا ديمقراطيا عالميا مضادا للرجعية. ويوفر نجاحها دليلا تجريبيا قويا على ارتباط السياسات المالية التقدمية وتَـعَـزُّز قدرات الدولة بمؤشرات اقتصادية إيجابية وتماسك اجتماعي أعظم.
كثيرون في أوروبا أيضا بدأوا يدركون هذه الحقيقة. في فرنسا، تحظى "ضريبة زوكمان ــ وهي الضريبة التي اقترح جابرييل زوكمان فرضها بنسبة 2% كحد أدنى على ثروات أصحاب الثراء الفاحش ــ بتأييد شعبي يقرب من 90%، وهي وتهيمن على الحوار الوطني. على الرغم من رفضها في البداية من جانب الجمعية الوطنية، فإنها ستخضع لمناقشة جديدة هذا العام.
على نحو مماثل، وافقت تونس في ديسمبر/كانون الأول على فرض ضريبة جديدة بنسبة 0.5-1% على الأصول العالمية (بما في ذلك العقارات، والأسهم، والسندات، والعملات المشفرة) التي تنتمي لمقيمين يمتلكون أصولا تزيد قيمتها عن مليون دولار. وفي كاليفورنيا، سيقرر الناخبون هذا العام ما إذا كانوا ليفرضوا ضريبة لمرة واحدة بنسبة 5% على ثروات أصحاب المليارات لتمويل الرعاية الصحية، والمساعدات الغذائية، والتعليم. (الجدير بالذكر أن هذه المبادرة تحظى بالدعم حتى من جانب بعض أصحاب المليارات). وفي نيويورك، ستُستأنف المفاوضات نحو إقرار الاتفاقية الإطارية بشأن التعاون الضريبي الدولي في الأمم المتحدة، المنتدى الأقل عُرضة لنفوذ الشركات.
صحيح أن أحد أول تصرفات إدارة ترمب كان الانسحاب من هذه المحادثات. لكن بقية دول العالم قررت الاستمرار. ويتمثل الهدف في التوصل إلى اتفاقية إطارية وبروتوكولين مبكرين ــ أحدهما بشأن فرض الضرائب على الخدمات عبر الحدود، والآخر بشأن النزاعات ــ في انتظار الموافقة عليها من قِـبَـل الجمعية العامة في عام 2027. السؤال الحاسم هو كيف يمكن توزيع حقوق فرض الضرائب على أرباح الشركات المتعددة الجنسيات؛ من موضوعات المفاوضات أيضا الضرائب الجديدة على الخدمات عبر الحدود (بما في ذلك الخدمات الرقمية)، والالتزامات الجديدة من جانب الدول بفرض الضريبة على أصحاب الثراء الفاحش، وتحسين تبادل المعلومات بين الدول بشأن ملكية الأصول المفيدة.
لم تعد القواعد الضريبية الحالية المفروضة على الشركات المتعددة الجنسيات، التي وُضعت في عشرينيات القرن العشرين، مناسبة للاقتصاد الرقمي الحالي. ويجب على المفاوضين في نيويورك اغتنام هذه الفرصة الفريدة. ينبغي لهم أن يتخلوا عن فكرة خيالية مفادها أن الشركة المتعددة الجنسيات هي مجرد مجموعة من الكيانات المستقلة ــ إنه ادّعاء متغطرس تستخدمه الشركات الكبرى لتحويل أرباحها إلى مناطق اختصاص منخفضة الضرائب، وبالتالي إساءة استخدام المبادئ التوجيهية التي أقرتها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.
لقد طال انتظار نهج الضرائب الموحد. الواقع أن البنية الحالية تحرم الحكومات من 240 مليار دولار سنويا على الأقل، وتجبر الشركات المحلية على التنافس في ساحة غير متكافئة، وتؤدي إلى فرض ضرائب أعلى على العمال (الذين يتسم دخلهم بقدر أقل من حرية الحركة) في حين تحاول الدول تعويض الإيرادات المفقودة.
يجب أن يُوَزَّع دخل الشركات المتعددة الجنسيات العالمي على مختلف مناطق الاختصاص على أساس عوامل يمكن التحقق منها مثل المبيعات والموظفين، وليس المبدأ القديم المتمثل في المعاملات التجارية غير التفضيلية "بشروط السوق". ويجب أن يعكس نص الاتفاقية الضريبية هذا. وإلا، فإن القواعد الحالية المعيبة بشدة ستصبح راسخة، وسوف يتسبب السعي إلى "التوافق" مع الأطر الحالية التي طورتها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) في تقويض طموحات وأهداف اتفاقية الأمم المتحدة الضريبية.
ستكون النتيجة فرض تعديل آخر عديم الجدوى على نظام فاشل. إذا كان للديمقراطية أن تتغلب على الحكم القيصري، فيتعين علينا أن نفرض الضريبة على الثروات الضخمة ــ ويجب أن نسارع إلى القيام بذلك.



اضف تعليق