اقتصاد - مقالات اقتصادية

دور الاحتكار، الدخل الكلي والمعروض النقدي، في تحديد القيمة التبادلية

المبحث الأول من الفصل الأول من الجزء الثاني من كتاب بحوث في الاقتصاد الإسلامي المقارن (10)

عند دراسة مستفيضة وتحليل دقيق لواقع القيمة التبادلية سنجد؛ فيما نرى، أنها تتولّد من الجهات الحقيقية والاعتبارية التالية: اولا المنفعة والقيمة الاستعمالية، ثانياً الرغبة، ثالثاً الحاجة والإشباع، رابعاً المنفعة الحدية، خامساً العرض والطلب، سادسا البدائل والمكملات، سابعا الندرة والوفرة، ثامناً: تكلفة الإنتاج، تاسعاً: (رأس المال) ومدى تكثيفه، عاشراً، العمل، حادي عشر: الوقت والزمان، ثاني عشر: المخاطرة، ثالث عشر: الابتكار والتجديد، رابع عشر: ثمن الفرصة الضائعة.

س. الدخل الكلي والمعروض النقدي

خامس عشر: وللدخل الكلي، دون الجزئي أو الشخصي، مدخلية أيضاً في ارتفاع أو انخفاض القيمة التبادلية والسوقية للسلع والخدمات، فإن مداخيل عموم الناس لو ازدادت ترتفع الأسعار، نظراً لكثرة عرض النقد وثبات عرض السلع والخدمات، والقاعدة أنه كلما ازداد عرض النقد زاد الغلاء، إذ تنخفض قيمته حينئذٍ، ويستثنى من ذلك ما لو انخفضت في الوقت نفسه سرعة دورانه، لأن لذلك أثراً معكوساً(1) فتدبر، وذلك لأنه وحسب معادلة فيشر فإن mv=pt، أي أن مجموع العرض النقدي مع سرعة دوران النقد يساوي مجموع قيم عمليات التبادل، أي أن مستوى الأسعار الكلي يكافئها كمية النقود مضروبةً في سرعة دورانها مع ثبات حجم المعاملات.

وبالعكس كلما قلّ عرض النقد انخفضت الأسعار، إذ ترتفع قيمته حينئذٍ، ويستثنى من ذلك ما لو ازدادت سرعة تحركاته، وذلك لأن قانون العرض والطلب يجري على النقود أيضاً. وذلك هو ما تنتجه السياسة المالية التوسعية، بل وحتى السياسة النقدية السهلة (التوسعية) إذا عممنا المداخيل لأنواع الاقتراض بفوائد منخفضة، وإلا لوجب أن نعبّر عن هذا العامل بـ(الدخل الكلي أو المعروض النقدي).

وبعبارة سيكولوجية: إذا زاد دخل الناس هان عليهم دفع مبالغ أكثر لقاء ما يحصلون عليه من سلع، وإذا قلّ دخلهم صعب عليهم الإنفاق بنفس النسبة، وتُنتِج هذه الجهة السيكولوجية اقتصادياً بانعكاسها على الطلب، إذ كلما هان عليهم الإنفاق زاد طلبهم فارتفعت الأسعار السوقية والقيمة التبادلية، وكلما صعب عليهم الإنفاق قلّ طلبهم فانخفضت الأسعار.

لكن ذلك خاص بالدخل الكلي، فإن ارتفاع أو انخفاض الدخل الجزئي لا يؤثر عادةً في أسعار السوق والقيم التبادلية، نعم قد يؤثر في حالات معينة (وكان من أثر تدفق المعادن إلى الداخل بهذا الحجم الكبير حدوث ارتفاع عام في الأسعار، وظهور مبكر لـ"نظرية كمية النقود". وتلك هي النظرية التاريخية التي تقول: إن الأسعار إذا كان حجم التجارة ثابتاً، تتغير في تناسب مباشر مع عرض النقود. وقد حدثت زيادة الأسعار أولاً في إسبانيا، ثم انتقلت إلى بقية أوروبا، في أعقاب مسار الفضة والذهب. ففي ما بين العامين 1500 و1600 ارتفعت الأسعار في الأندلس ربما إلى خمسة أمثالها. وفي بريطانيا، إذا أخذت الأسعار خلال النصف الأخير من القرن الخامس عشر، أي قبل كولمبس مباشرة، على أنها 100، فقد كانت 250 عند نهاية القرن السادس عشر، وحوالي 350 في ما بين العامين 1673 و1682. وفي المكسيك الحديثة أو البرازيل تعتبر مثل هذه التغيرات في الأسعار أمرا مساوياً لاستقرار العملة. وقد بينت في ذلك الوقت أن وجود عملة معدنية مستقرة ـ قاعدة الذهب والفضة ـ يتفق مع تضخم الأسعار. ودخلت العلاقة بين عرض النقود والأسعار، وهي مسألة لقيت في وقت لاحق اهتماماً اقتصادياً واسعاً (حجب الاهتمام بغيره في بعض الأحيان) مجال التعليق الاقتصادي في تلك الأيام. من ذلك "جان بودان" (1530 ـ 1596م)، المفكر والباحث السياسي الكبير، الذي قال في العام 1576م، عندما كان المعدنان في ذروة تدفقهما: "في رأيي أن الأسعار المرتفعة التي نشهدها اليوم مرجعها أربعة أو خمسة أسباب، السبب الأساسي بينها، والذي يكاد يكون السبب الوحيد (الذي لم يشر إليه أحد حتى الآن)، هو وفرة الذهب والفضة" ومضى، فذكر أن الاحتكار هو السبب الثاني)(2).

ومن اللطيف أن ننقل هنا الاعتراض الذي وجهه "جون مينارد كينز" على علماء الاقتصاد، حيث تناولوا كلّاً من (نظرية القيمة) و(نظرية النقود والأسعار) بشكل منفصل، مع أن المبحثين مترابطان تماماً، قال(3): (اعتاد الاقتصاديون على أن يعلموا طلابهم أن الأسعار محكومة بشروط العرض والطلب، وأن التغيرات في التكلفة الحدية ومرونة العرض في الأجل القصير على وجه الخصوص يلعبان دوراً مهماً، طالما كان هؤلاء الاقتصاديون مهتمين بما يسمى بنظرية القيمة. لكنهم عندما ينتقلون إلى الجزء الثاني الذي يتناول نظرية النقود والأسعار ـ وغالباً ما يفعلون ذلك في بحث منفصل ـ لا نعود نسمع أياً من تلك المفاهيم المألوفة والمفهومة أيضاً، وننتقل إلى عالم تُحكَم فيه الأسعار بكمية النقود وبسرعة دورانها الدخلية وبسرعة التداول نسبةً إلى حجم العمليات وبالاكتناز وبالادخار الإجباري وبالتضخم والانكماش وما إلى ذلك. وقلما تجري أي محاولة ـ إن حدثت أصلاً ـ لربط هذه العبارات الأكثر غموضاً بأفكارنا السابقة عن مرونات العرض والطلب. لو فكرنا فيما يُعلَّم لنا وحاولنا إخضاعه لتفسيرات عقلانية، سيبدو في المناقشات البسيطة وكأن مرونة العرض أصبحت صفراً والطلب أصبح متناسباً مع كمية النقود، بينما في المناقشات الأعقد نضيع وسط الضباب حيث لا شيء واضح وكل شيء ممكن. لقد تعودنا جميعاً على أن نرى وجهاً من القمر أحياناً، والوجه الآخر في الأحيان الأخرى، وأن نربطهم بطريقة صحونا ونومنا دون أن نعرف ما هي الرحلة أو الطريق الرابط بينهما بالفعل.

من أهداف الفصول السابقة الهرب من هذه الحياة المزدوجة وتقريب نظرية الأسعار الكلية من نظرية القيمة مرة أخرى. أعتقد أن تقسيم علم الاقتصاد بين نظرية القيمة والتوزيع من ناحية، ونظرية النقود من ناحية أخرى تقسيم زائف)(4).

نعم لعل علماء الاقتصاد إذ بحثوا نظرية النقود والأسعار ونظرية "فيشر" تحديداً، بنوا بحثهم على حيادية سائر العوامل وأن مرونة العرض والطلب افترضوها صفراً، واعتبروا الطلب متناسباً مع كمية النقود، لكنه إذا كان ذلك حقاً هو السبب وليس الغفلة، فإنه يعاني من مشكلة إدخال الاقتصاد في عالم التجريد المطلق، مع أن الاقتصاد علم تطبيقي ـ إنساني، وليس علماً فلسفياً نظرياً يحاول الإنسان أن يتمتع به ويتلذذ كأي بحث نظري فلسفي بحت.

ع. الاحتكار

سادس عشر: وللاحتكار، مدخلية في تحديد/ إيجاد القيمة التبادلية، وليس الكلام الآن عن الجهة المعيارية والأخلاقية، إذ لا شك في أنه رذيلة تشكّل سقوطاً أخلاقياً ويجب منعه قانونياً، بل الكلام عن العوامل التي تؤثر موضوعياً في الواقع الخارجي، على القيمة التبادلية أي القيمة السوقية للأشياء.

بعبارة أخرى: الكلام عن ما هو كائن، وليس الكلام عن الحق والباطل، والصحيح والخطأ، وما ينبغي أو لا ينبغي أن يكون، ولا ريب أن الاحتكار يزيد من القيمة التبادلية للسلع والخدمات، نتيجة تقييده للعرض.

ومن الواضح أن الاحتكار يندرج في دائرة عامل العرض والطلب السابق، إذ أن المحتكر يخفض من نسبة العرض، رغم بقاء الطلب على قوّته، ولكننا نفرق بينهما بحسب المصطلح فقط، بأن نقصد بالعرض والطلب العرض والطلب في سوق حرّة على حسب ما تؤدي إليه المنافسة الكاملة، فتنتج أسعاراً متكافئة عند نقطة تقاطع خط العرض مع خط الطلب، وهو أمر عقلائي مشروع، عكس الاحتكار الذي يعتمد على إلغاء المنافسة ويسلب الأسواق حريتها، مكوّناً نوعاً من الإكراه الأجوائي غير المحمود، وقد رفض الإسلام الاحتكار كعامل من عوامل تحديد القيمة التبادلية، وهناك روايات كثيرة تنص على ذلك.

ومن طرائف الروايات: رفض الإمام الصادق (عليه السلام) أن يستلم ربح رأسماله الذي تاجر به أحد التجار فربح بالألف ألفين، فرفضه الإمام (عليه السلام) بعد أن سأله عن سرّ الربح الكبير فأجابه أنهم جمّدوا البضاعة واحتكروها حتى ازدادت أسعارها.

فقد ورد في كتاب التهذيب وغيره: (دَعَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) مَوْلًى لَهُ يُقَالُ لَهُ مُصَادِفٌ، فَأَعْطَاهُ أَلْفَ دِينَارٍ وَقَالَ لَهُ: تَجَهَّزْ حَتَّى تَخْرُجَ إِلَى مِصْرَ فإن عِيَالِي قَدْ كَثُرُوا، قَالَ: فَجَهَّزَهُ بِمَتَاعٍ وَخَرَجَ مَعَ التُّجَّارِ، فَلَمَّا دَنَوْا مِنْ مِصْرَ اسْتَقْبَلَهُمْ قَافِلَةٌ خَارِجَةٌ مِنْ مِصْرَ فَسَأَلُوا عَنِ الْمَتَاعِ الَّذِي مَعَهُمْ مَا حَالُهُ فِي الْمَدِينَةِ، وَكَانَ مَتَاعَ الْعَامَّةِ، فَأَخْبَرُوهُمْ أَنَّهُ لَيْسَ بِمِصْرَ مِنْهُ شَيْ‏ءٌ، فَتَحَالَفُوا وَتَعَاقَدُوا عَلَى أن لَا يَنْقُصُوا مَتَاعَهُمْ مِنْ رِبْحِ الدِّينَارِ دِينَاراً، فَلَمَّا قَبَضُوا أَمْوَالَهُمْ انْصَرَفُوا إِلَى الْمَدِينَةِ، فَدَخَلَ مُصَادِفٌ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) وَمَعَهُ كِيسَانِ، فِي كُلِّ وَاحِدٍ أَلْفُ دِينَارٍ، فَقَالَ: جُعِلْتُ فِدَاكَ هَذَا رَأْسُ الْمَالِ وَهَذَا الْآخَرُ رِبْحٌ، فَقَالَ (عليه السلام): إنَّ هَذَا الرِّبْحَ كَثِيرٌ، وَلَكِنْ مَا صَنَعْتُمْ بِالْمَتَاعِ؟ فَحَدَّثَهُ كَيْفَ صَنَعُوا وَكَيْفَ تَحَالَفُوا، فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ! تَحْلِفُونَ عَلَى قَوْمٍ مُسْلِمِينَ لا تَبِيعُونَهُمْ إِلَّا بِرِبْحِ الدِّينَارِ دِينَاراً؟! ثُمَّ أَخَذَ الْكِيسَ ثُمَّ قَالَ: هَذَا رَأْسُ مَالِي، وَلَا حَاجَةَ لَنَا فِي هَذَا الرِّبْحِ. ثُمَّ قَالَ: يَا مُصَادِفُ مُجَالَدَةُ السُّيُوفِ أَهْوَنُ مِنْ طَلَبِ الْحَلَالِ)(5).

وجاء في (الاقتصاد): (3ـ الأرباح كعوائد احتكار. أرباح التجديدات تقبع في ظل فئتنا الأخيرة هذه. فالكثيرون يشكّون صراحة في الأرباح. ومنتقدو الأرباح لا يرون فيها بدلات إيجار ضمنية، أو عوائد مقابل تحمل المخاطرة في الأسواق التنافسية، والفكرة التي يحملونها عمن يجنون تلك الأرباح أنهم أشخاص مولعون بالحسابات الماكرة ويقومون بطريقة ما باستغلال باقي أفراد المجتمع. وما يجول في ذهن الناقدين هو معنى ثالثاً مختلف تماماً للأرباح، وهو: الأرباح كمكاسب احتكارية.

فكيف تتولد أرباح الاحتكارات؟ حين تبتعد الأسواق بقدر معين عن المنافسة الكاملة، يكون في مقدور الشركات في صناعة ما تحقيق ربح أعلى من المعتاد عن طريق رفع الأسعار. فإذا كنت المالك الوحيد لبراءة اختراع دواء قيّم، أو حصلت على الامتياز الوحيد لتأجير قنوات تلفزيونية بالكوابل في مدينة ما، فإنك تستطيع رفع الأسعار لمستوى أعلى من التكلفة الحدّية، وأن تقيّد العرض وتحصل على مكاسب احتكارية على استثمارك.

إلى ماذا يقودنا كل ذلك؟ إنه يعني أن جزءاً مما نسميه أرباحاً هو عائد لقوى السوق أو قوى الاحتكار)(6).

ريكاردو: قيمة الأرض المرتفعة نتاج الاحتكار

وقد توهم "ريكاردو"، ومن ثم "ماركس"، حين ارتأى أن القيم التبادلية المرتفعة للأرض وللبضائع، هو نتيجة (الاحتكار) فقط، وقد سبق نقل رأيه في أن (العمل) هو الأساس الأول والأخير لتكوّن القيمة التبادلية في ظروف المنافسة الكاملة.

وبعبارة أخرى: إن قيمة البضاعة وقيمة الأرض هي نفس قيمة العمل المبذول لإنتاجها أو لزراعتها واستثمارها، لا أكثر، فإن العمل هو المحدد الأول والأخير للقيمة.

وحيث شاهد "ريكاردو" ثم "ماركس"، أن القيم التبادلية في أسواق العقلاء تزيد على قيمة العمل، أرجعا هذه الزيادة إلى (الاحتكار) وأن المحتكرين من الإقطاع وغيرهم حيث سيطروا على الأجزاء الأكثر خصوبة من الأرض، فإن الأسواق تمنحهم لذلك ريعاً أكبر من الريع الذي تمنحه للآخرين الذين اضطروا لاستثمار أراض أقل خصوبة.

المناقشة:

ولا شك أن الاحتكار يرفع بشكل غير أخلاقي، من قيمة الأرض والسلع، ولكنه ليس التفسير الوحيد لارتفاع القيم التبادلية للأراضي وغيرها، ولا يصلح لتحليل كامل حقيقة القيمة وعواملها؛ إذ وكما سبق وسيأتي فإن العوامل التي توجِد القيمة هي عشرون عاملاً وأكثر، والاحتكار لا يعدو كونه أحدها، بينما يشكل العمل ثانيها ولا غير، فلا يصح حصر القيمة التبادلية بهما.

والدليل على ذلك، إضافة إلى ما ذكرناه في ضمن استعراضنا السابق الآتي للعوامل:

أولاً: أننا لو فرضنا أخوين أو صديقين أو مزارعين من عامة الناس، حاز كل منهما أرضاً بمساحة ألف متر أو أكثر أو أقل، أي بمقدار حاجتهما فقط، ثم ظهر أن إحدى القطعتين أكثر خصباً من الأخرى، فلا شك أن منتجات الأرض الأكثر خصوبة، ولنفرضها برتقالاً أجود وأحلى وأكثر رواءً وبريقاً، تحظى بقيمة تبادلية أكثر من منتجات الأرض الأخرى، مع أن أياً منهما لم يكن محتكراً أبداً، ومع فرض أنهما بذلا جهداً وعملاً متساوياً، وذلك يعني أن القيمة التبادلية الأكثر هي حصيلة إسهام الأرض في المنتَج وليس نتيجة الاحتكار.

ثانياً: لو قام أحدهما بإدارة العملية الإنتاجية بشكل أكثر كفاءة، من دون أن يبذل جهداً عضلياً أو عملياً أكثر، بل إنما أحسن التخطيط والإدارة، بل إنه قد يبذل جهداً عضلياً وعملياً أقل حينئذٍ، فزادت إنتاجية الأرض "productivity" وزاد إنتاجها، فإنه (يُمنح) كما (يستحق) من دون شك، مبلغاً وربحاً وريعاً أكبر من صاحبه، مما يظهر منه أن العمل ليس هو ولا الاحتكار المحدد الوحيد للقيمة التبادلية. والحاصل أنه يربح أكثر في صورتين ما عدا الربح الاحتكاري والربح الناتج من كثرة العمل أو شدته: لو ازداد إنتاج الأرض بحسن تخطيطه، فإنه سوف يربح من بيع محاصيلها أكثر، أو لو ازدادت خصوبتها بحسن إدارته فازدادت إنتاجيتها، إذ ترتفع أسعار تأجيرها حينئذٍ.

ثالثاً: لو باع أحدهما محصوله اليوم بسعر السوق، ثم التهمت النيران مثلاً أكثر المحاصيل في المنطقة، سواء أكان ذلك بفعل فاعل آخر، أم بأسباب طبيعية كالصاعقة، فارتفعت أسعار المحاصيل عن أسعار ذلك اليوم إلى عدة أضعاف، فباع الآخر محصوله بأضعاف ما باع أخوه محاصيله، وكذلك لو ازداد الطلب فجأة، برفع الحظر على التصدير مثلاً، فلا شك في أن القيمة التبادلية للمحصول قد ارتفعت ههنا نتيجة الندرة وقلة العرض، أو نتيجة كثرة الطلب، وليس نتيجة الاحتكار ولا نتيجة جهد أكبر بذله الأخ الثاني، نعم قد يستحق شيئاً لقاء ادخاره المحصول يوماً إضافياً لكنه ليس جهداً يستحق عليه أرباحاً مضاعفة، إذ لا تتضاعف الأرباح بمرور يوم فقط، نعم قد تختلف لكنها لو اختلفت فالاختلاف قليل جداً لا يرقى إلى مستوى الأضعاف التي لا يمكن أن تكون ناتجة في هذه الصورة إلا عن الندرة وقلة العرض أو كثرة الطلب حينئذٍ، على أن مضي الزمن لو كان هو المؤثر، لكان دليلاً آخر على وجود محددات أخرى للقيمة كالزمن، وبذلك ظهر أنه حتى مع تحقق شروط المنافسة الكاملة فإن (الاحتكار) كـ(العمل) لا يعدو كونه أحد محددات القيمة التبادلية.

* القسم العاشر من نظرية القيمة، من الفصل الأول من الجزء الثاني، من كتاب بحوث في الاقتصاد الإسلامي المقارن، وهو موسوعة في الاقتصاد الاسلامي من ثلاثة أجزاء لسماحة السيد مرتضى الشيرازي

...............................................
(1) إلى حدّ ما.
(2) راجع: جون كينيث جالبريت، ترجمة: أحمد فوائد بلبع، تاريخ الفكر الاقتصادي، من سلسلة عالم المعرفة: ص48.
(3) وقد نقلنا كلامه في مجلد آخر في بحث آخر، ونعيده هنا لأهميته.
(4) جون ماينارد كينز، ترجمة: إلهام عيداروس، النظرية العامة للتشغيل والفائدة والنقود، هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث، 2010م: ص329-330.
(5) الشيخ الطوسي، تهذيب الأحكام: ج7 ص13، والكافي: ج5 ص161، وبحار الأنوار: ج47 ص59.
(6) بول سامويلسون، الاقتصاد، ترجمة هشام عبد الله: ص291.

اضف تعليق