لكن فقاعة جيم ستوب غير عادية، لأنها تتحدى التفسيرين الأكثر شيوعا للأسواق المالية. الأول مفاده أن الأسواق المالية تخصص رأس المال بكفاءة للمؤسسات التي تتمتع بأسس اقتصادية قوية وتبعده عن تلك التي تفتقر إلى هذه الأسس. أما التفسير الثاني فيزعم أن كبار تجار وال ستريت يضاربون...
بقلم: جيفري فرانكل

كمبريدج ــ في الأسبوع الأخير من شهر يناير/كانون الثاني، سجل سعر السهم في جيم ستوب (GameStop) ــ شركة تجزئة تقليدية تعمل في مجال ألعاب الفيديو ــ ارتفاعا هائلا بنسبة 323% خلال الأسبوع، وبنسبة 1700% على مدار الشهر. لم يحدث داخل الشركة أي شيء يبرر هذه الزيادة؛ إذ تظل أساسياتها بلا تغيير. كانت فقاعة مضاربة ــ لكنها لم تخل من انحراف عجيب.

مع أي فقاعة، يجني المستثمرون الذين يدخلون ويخرجون في الوقت المناسب الكثير من المال، في حين يتكبد أولئك الذين يدخلون في وقت متأخر أكثر مما ينبغي، أو يبقون لفترة أطول مما ينبغي، خسائر ضخمة. وعلى هذا فإن المشاركة في فقاعة مضاربة أشبه بممارسة لعبة الروليت في كازينو، حيث تمثل شركات الخدمات المالية (مثل تشارلز شواب) ومنصات الاستثمار بالتجزئة (مثل روبن هود) "الدار".

لكن فقاعة "جيم ستوب" غير عادية، لأنها تتحدى التفسيرين الأكثر شيوعا للأسواق المالية. الأول مفاده أن الأسواق المالية تخصص رأس المال بكفاءة للمؤسسات التي تتمتع بأسس اقتصادية قوية وتبعده عن تلك التي تفتقر إلى هذه الأسس. أما التفسير الثاني فيزعم أن كبار تجار وال ستريت يضاربون بطرق تتسبب في زعزعة استقرار الأسواق، ويحققون أرباحا غير لائقة على حساب الشخص العادي.

ويبدو أن المستثمرين الذين اشتروا جميع أسهم "جيم ستوب" ــ التجار الشباب غالبا ومعظمهم من الهواة الذين ينسقون تحركاتهم على لوحات الرسائل مثل WallStreetBets على موقع Redditــ يؤيدون التفسير الثاني. فهم يرون أن الشخص العادي، من خلال التآمر لدفع أسعار أسهم الشركات المتعثرة إلى الارتفاع، يهزم مؤسسات وال ستريت في اللعبة التي تبرع في ممارستها. والواقع أن صناديق التحوط التي كانت تبيع أسهم "جيم ستوب" على المكشوف تكبدت خسائر جسيمة.

لكن رواية "الطيب ضد الشرير" هذه لا تخلو من عيوب خطيرة. في الواقع، لن نجد أبطالا أو أوغادا واضحين في قصة "جيم ستوب". فبادئ ذي بدء، استخدم كلا الجانبين ذات الأداة: تداول خيارات الأسهم. فقد اشترت صناديق التحوط حق البيع الآجل ("البيع على المكشوف")، في رهان على انخفاض سعر السهم. ثم اشترى صغار التجار خيارات الشراء ("انتظار ارتفاع السعر")، في رهان على ارتفاع سعر السهم. وقد فعلوا ذات الشيء مع شركات أخرى متعثرة، مثل سلسلة دور السينما AMC Entertainment وشركة BlackBerry التي تصنع أجهزة محمولة.

يميل البائعون على المكشوف إلى توليد قدر من العداء أكبر من ذلك الذي يولده من ينتظرون ارتفاع السعر، ولكن لا يوجد ما يشين بطبيعته في نهجهم. بل إنهم، على العكس من ذلك، يؤدون غالبا وظيفة اقتصادية مفيدة. فمن خلال المراهنة على ما يعتبرونه سهما مبالغا في تقدير قيمته، تدفع صناديق التحوط السعر إلى منطقة أقرب إلى ما تبرره أساسيات الشركة. ومن الممكن أن تساعد هذه الممارسة في إبطاء نمو فقاعات الأسعار، التي قد يكون انفجارها مدمرا ــ كما أظهرت الأزمة المالية العالمية عام 2008. كما لَـفَـتَ البائعون على المكشوف الانتباه إلى مخططات المبيعات المشبوهة في صناعة المكملات الغذائية في عام 2015 والممارسات المحاسبية غير النزيهة في شركة وايركارد الألمانية العام الماضي.

المستثمرون الصغار في "جيم ستوب" ليسوا أوغادا أيضا. الحق أن لا أحد يدعي أنه يصدق أن قيمة سعر السهم في "جيم ستوب" تساوي 325 دولارا حقا. ويبدو أن دافعهم إلى مواصلة الشراء إما ركوب موجة المضاربة ــ مثلما يقامر مرتادو نوادي القمار على سبيل التسلية ــ أو إلحاق الأذى بصناديق التحوط كرسالة سياسية شعبوية. ومن حقهم أن يقوموا بكلا الأمرين.

من المؤكد أنه لو تواطأت مجموعة من صناديق التحوط الكبيرة على النحو الذي مارسه المتداولون على Reddit، فإنها كانت لتواجه الملاحقة القضائية بتهمة التلاعب غير المشروع بالسوق. لكن هذا لا ينطبق على مستثمري "جيم ستوب"، الذين كانوا صغارا، ومتعددين، ومنفتحين بشأن ما كانوا يحاولون القيام به.

علاوة على ذلك، في وقت يتسم بالتفاوت المتطرف في الثروة، يُـعَـد المستثمرون في "جيم ستوب" شخصيات أكثر اجتذابا للتعاطف، حيث أخذ الجميع جانبهم، من النائبة الأميركية ألكسندريا أوكاسيو كورتيز من نيويورك (من اليسار) إلى السناتور الأميركي تِـد كروز من تكساس (من اليمين). وعلى الرغم من تكبدها خسائر فادحة، فإن صناديق التحوط تظل على قدر كبير من الثراء.

لكن بعض المستثمرين سيعانون بشدة. فمن المحتمل أن تنتهي الحال بالمبتدئين الذين قفزوا إلى عربة "جيم ستوب" بعد أن بدأ السعر يرتفع بالفعل، وقرروا الاحتفاظ بأسهمهم إلى النهاية، إلى خسارة معظم الأموال التي استثمروها. ولعل العديد من هؤلاء المستثمرين ما كانوا ليفكروا في الاستثمار لولا إلحاح حملة وسائط التواصل الاجتماعي، وفي بعض الحالات لا يمكنهم تحمل الخسائر.

ما زاد القصة تعقيدا أن منصة روبن هود فرضت في التاسع والعشرين من يناير/كانون الثاني قيودا على التداول في خمسين شركة، بما في ذلك تلك التي كان مرتادو Reddit يراهنون عليها ــ وهي الخطوة التي تسببت في انخفاض "جيم ستوب" وأسهم أخرى بشكل حاد واستفزت غضب أوكاسيو كورتيز وكروز. (منذ ذلك الحين، قلصت القيود إلى ثمانية فقط مفضلة على Reddit).

يتمثل أحد واجبات التنظيم المالي في حماية الأشخاص الذين ربما لا يعرفون في أي شيء يورطون أنفسهم من خسارة كل شيء. وعلى هذا فقد أصدرت لجنة الأوراق المالية والبورصات بيانا أعلنت فيه عن إجراء تحقيق في "الكيانات غير الخاضعة للتنظيم" ــ ليس اللاعبين على طاولات الروليت، بل الدور التي تديرها ــ للتأكد من "حفاظ هذه الكيانات على التزاماتها لحماية المستثمرين وتحديد وملاحقة المخالفات المحتملة".

هذه ليست أول مرة تخضع فيها منصة روبن هود للتدقيق من جانب لجنة الأوراق المالية والبورصات. ففي ديسمبر/كانون الأول، تم تغريم الشركة 65 مليون دولار بسبب تضليل العملاء حول الكيفية التي تجني بها أموالها. (قادت منصة روبن هود عملاءها إلى الاعتقاد بأنهم كانوا يحصلون على أفضل سعر لطلباتهم، لكنها في حقيقة الأمر أعطت الطلبات لشركات حققت إيرادات أعلى للشركة).

خلال نوبة "جيم ستوب"، كانت مشكلة منصة روبن هود هي أنها كانت تعمل بهامش ضئيل للغاية. وعندما واجهت قيودا تنظيمية (في هيئة متطلبات رأس المال) ومطالبتها من قِـبَـل غرفة مقاصة السوق التي تتعامل معها بوضع المزيد من الودائع لدعم تداولها، واجهت أيضا احتمال عدم قدرتها على السداد لعملائها الذين ربحوا رهاناتهم.

تمكنت منصة روبن هود من جمع المزيد من رأس المال، وسوف تنجو، وإن كان من المحتمل أن يتضاءل حجمها. لكن المسؤول التنظيمي المقتدر جاري جينسلر، إذا تأكد تعيينه رئيسا جديدا للجنة الأوراق المالية والبورصات، ربما يقرر تشديد الضوابط التنظيمية التي سمحت لمنصة روبن هود بتقييد التداول ــ ولنقل من خلال زيادة متطلبات رأس المال.

لقد توصل عملاء روبن هود بالفعل إلى أن هذه المنصة ــ التي كان الهدف المفترض من إنشائها إضفاء الطابع الديمقراطي على التمويل ــ أصبحت مكشوفة باعتبارها أحد مكونات المؤسسة المالية. ولكن من الواضح أنهم ما زالوا يؤمنون بلوحة رسائل WallStreetBets على موقع Reddit. إنهم يذكروننا بضحايا مخططات الاحتيال من زمن ماض، الذين كانوا يلقون باللائمة عن خسائرهم في بعض الأحيان ليس على المحتال الذي دبر المخطط، بل على السلطات التي أوقفت مخططه.

* جيفري فرانكل، أستاذ تكوين رأس المال والنمو بجامعة هارفارد، شغل سابقا منصب عضوا في مجلس الرئيس بيل كلينتون للمستشارين الاقتصاديين وهو باحث مشارك في المكتب الوطني الأمريكي للبحوث الاقتصادية.
https://www.project-syndicate.org

اضف تعليق