يقدم هذا البحث حلولاً تطبيقية تجمع كفاءة تقنيات النانو مع قدرة المواد الحيوية المعاد تدويرها، ويرسم مساراً جديداً يعيد الأمل للأراضي المتدهورة ويدعم جهود مزارعينا في مواجهة التغيرات المناخية، ونستعرض كشفاً علمياً واعداً يعيد هندسة العلاقة بين التكنولوجيا الحديثة والتربة الملحية، بهدف حماية محصول الحنطة الاستراتيجي...
نهبط اليوم وإياكم في جغرافية التحدي الأكبر، حيث تلتقي الأرض والماء في صراع مستمر مع الطبيعة جنوب العراق، وتحديداً في أراضي كرمة علي بمحافظة البصرة. نطرح معكم اليوم ملف الأمن الغذائي الأبرز، ونستعرض كشفاً علمياً واعداً يعيد هندسة العلاقة بين التكنولوجيا الحديثة والتربة الملحية، بهدف حماية محصول الحنطة الاستراتيجي وزيادة إنتاجيته في الظروف القاسية.
يسعدنا في هذا الحوار استضافة الباحثة نور الهدى حسن لعيبي الأسدي، لمناقشة تفاصيل رسالتها الأكاديمية لنيل درجة الماجستير في العلوم الزراعية من جامعة البصرة، والموسومة بـ "تأثير إضافة السيليكون النانوي والفحم الحيوي والتداخل بينهما في خواص التربة ونمو وحاصل الحنطة في تربة ملحية"، والتي أنجزتها بإشراف متميز من الأستاذ المساعد الدكتورة سلوى جمعة فاخر.
يقدم هذا البحث حلولاً تطبيقية تجمع كفاءة تقنيات النانو مع قدرة المواد الحيوية المعاد تدويرها، ويرسم مساراً جديداً يعيد الأمل للأراضي المتدهورة ويدعم جهود مزارعينا في مواجهة التغيرات المناخية.
نبدأ الآن هذا الحوار الخاص للوقوف على تفاصيل هذا الإنجاز العلمي التطبيقي.
نبتدئ من جغرافيا البحث؛ تقع محطة البحوث في كرمة علي بمحافظة البصرة، وهي منطقة تعاني تاريخياً من تفاقم الملوحة الصاعدة وتراجع جودة مياه الري. كيف تصفين حجم التحدي الفعلي الذي واجه صنف الحنطة بحوث 22 في هذه البيئة بالذات قبل تدخل المحسنات؟
تمثل كرمة علي واحدة من البيئات الزراعية المتأثرة بالملوحة في جنوب العراق تتداخل فيها عدة عوامل بيئية سلبية، أهمها ارتفاع ملوحة التربة، وتدني نوعية مياه الري، وارتفاع درجات الحرارة، مع محدودية الأمطار وازدياد معدلات التبخر، لذلك كانت موقعًا مناسبًا لاختبار كفاءة الفحم الحيوي والسيليكون النانوي. معاملة المقارنة التي لم اضاف لها المحسنات واجه صنف بحوث 22 إجهادًا أزموزيًا أعاق امتصاص الماء، وإجهادًا أيونيًا بسبب تراكم الصوديوم والكلوريد حول الجذور، مما أثر في النمو وامتصاص العناصر الغذائية. وقد أظهرت نتائج الدراسة انخفاض الإيصالية الكهربائية من 11.41 ديسيسيمنز م-1 إلى3.96 ديسيسيمنز م-1 في منتصف الموسم و4.52 ديسيسيمنز م-1 في نهاية الموسم عند معاملة التداخل(30 طن بالهكتار-1 +400 كغم بالهكتار-1)، وهو ما وفر بيئة جذرية أفضل وانعكس على الإنتاجية. بالنسبة للمزارع، فإن زراعة صنف جيد مثل (بحوث 22) لا تكفي وحدها لتحقيق إنتاج مرتفع إذا كانت التربة تعاني من الملوحة الشديدة. فحتى أفضل الأصناف لن تعطي إنتاجيتها الحقيقية عندما تكون الجذور محاطة بتركيزات عالية من الأملاح. لذلك فإن تحسين التربة باستخدام المحسنات المناسبة، وإدارة الري بصورة صحيحة، يمثلان الخطوة الأولى قبل التفكير بزيادة التسميد أو تغيير الصنف. ويمكن القول إن نجاح الزراعة في الأراضي الملحية يبدأ من إصلاح بيئة الجذور، لأن الجذر السليم هو الأساس الذي يبنى عليه نمو النبات وإنتاجيته.
وضعتِ الأمن الغذائي وديمومة الموارد الأرضية كدافع أساسي خلف هذا البحث. ما الحدود الفاصلة التي تجعل من تدهور نفاذية التربة والضغط الأزموزي مسبباً رئيساً لما أسميتِه الجفاف الفسيولوجي لنبات الحنطة؟
يعد الجفاف الفسيولوجي من أخطر آثار الملوحة، لأنه يحدث رغم وجود الماء في التربة، إلا أن ارتفاع تركيز الأملاح يخفض الجهد المائي ويمنع الجذور من امتصاصه بكفاءة. ومع تدهور نفاذية التربة وارتفاع الصوديوم المتبادل، تقل التهوية وتضعف حركة الماء حول الجذور، فتتراجع قدرة النبات على الامتصاص والبناء الضوئي، ويزداد الإجهاد التأكسدي، مما ينعكس سلبًا على النمو والإنتاجية. وقد أظهرت نتائج الدراسة أن إضافة الفحم الحيوي والسيليكون النانوي حسّنت بناء التربة، وخفضت الكثافة الظاهرية، ورفعت المسامية، الأمر الذي وفر بيئة جذرية أكثر كفاءة لحركة الماء والعناصر الغذائية. وبلغة يفهمها المزارع، قد تبدو التربة رطبة بعد الري، لكن الملوحة تجعل الماء كأنه "مقيد" فلا يستطيع النبات الاستفادة منه، لذلك فإن تحسين التربة لا يقل أهمية عن توفير مياه الري. يعتقد كثير من المزارعين أن اصفرار الحنطة أو ذبولها يعني دائماً حاجتها إلى المزيد من مياه الري، بينما قد تكون المشكلة الحقيقية هي ارتفاع ملوحة التربة وليس نقص الماء. فإذا كانت الأملاح مرتفعة، فإن زيادة الري دون تحسين التربة قد لا تحقق الفائدة المطلوبة، بل قد تزيد من صعود الأملاح في بعض الظروف. لذلك فإن الإدارة الصحيحة تبدأ بتحسين خواص التربة باستخدام المحسنات المناسبة، وتحسين الصرف، وتنظيم الري، لأن الهدف ليس توفير الماء فقط، وإنما جعل الماء متاحاً للنبات.
يعتمد وسط وجنوب العراق على الحنطة كمحصول استراتيجي. ما القيمة المضافة التي يقدمها اختيار هذا الصنف تحديداً (بحوث 22) لمعايرة كفاءة التقنيات المبتكرة في مواجهة التغير المناخي؟
اخترنا صنف بحوث 22 لأنه من الأصناف المعتمدة والواسعة الزراعة في العراق، مما يمنح نتائج الدراسة قيمة تطبيقية يمكن نقلها مباشرة إلى الحقول الزراعية. ولم يكن الهدف اختبار قدرة الصنف على تحمل الملوحة بحد ذاته، بل تقييم مدى قدرة الفحم الحيوي والسيليكون النانوي على تحسين البيئة الجذرية وتمكين النبات من استثمار إمكاناته الوراثية. وقد حققت معاملة التداخل أفضل النتائج في تحسين خصائص التربة وزيادة النمو والإنتاجية، مما يؤكد أن مواجهة التغيرات المناخية لا تعتمد على استنباط أصناف جديدة فقط، بل أيضًا على تطوير بيئة التربة التي تنمو فيها. أما الرسالة للمزارع، فهي أن الصنف الجيد قد لا يحقق إنتاجًا مرتفعًا في تربة متدهورة، بينما يمكن للصنف نفسه أن يعطي نتائج أفضل عندما تُدار الملوحة وتُحسن خصائص التربة بصورة صحيحة. فعندما تصبح التربة أكثر قدرة على الاحتفاظ بالماء والعناصر الغذائية، يستطيع الصنف نفسه أن يقدم إنتاجية أعلى واستقراراً أكبر في الظروف البيئية القاسية، وهو ما يقلل من المخاطرة الاقتصادية ويزيد من استدامة الإنتاج.
لنتحدث عن كيمياء الفحم الحيوي؛ أظهرت النتائج قدرة عالية على امتزاز أيونات الصوديوم والكلوريد في بنيته المسامية. ما التفسير الفيزيائي الدقيق لآلية حبس هذه الأيونات الضارة داخل المسامات، وكيف تمنع هذه الآلية وصول السمية الخلوية إلى جذور النبات؟
يتميز الفحم الحيوي ببنية عالية المسامية ومساحة سطحية كبيرة، إضافة إلى احتوائه على مجاميع وظيفية تمنحه قدرة على امتزاز أيونات الصوديوم وتقليل نشاطها في محلول التربة، كما يسهم بصورة غير مباشرة في خفض تركيز الكلوريد عبر تحسين حركة الماء وزيادة كفاءة غسل الأملاح خارج منطقة الجذور. ونتيجة لذلك تنخفض ملوحة الوسط المحيط بالجذور، فيتحسن التوازن الأيوني وتزداد قدرة النبات على امتصاص الماء والعناصر الغذائية، مع تقليل الأضرار التي تسببها الأملاح للأغشية الخلوية والعمليات الحيوية. وبلغة بسيطة، يعمل الفحم الحيوي كأنه مرشح طبيعي داخل التربة؛ فهو لا يزيل الأملاح تمامًا، لكنه يخفف تأثيرها حول الجذور، فيمنح النبات فرصة أفضل للنمو والإنتاج.
سجلت الدراسة انخفاضاً معنوياً في الكثافة الظاهرية للتربة وصعوداً في المسامية الكلية إلى 63.69% نهاية الموسم. كيف يترجم هذا التغير الهيكلي في بنية التربة إلى زيادة كفاءة غسل الأملاح الذائبة خارج منطقة الجذور؟
ان انخفاض الكثافة الظاهرية وارتفاع المسامية يعنيان تحسن البناء البنيوي للتربة، إلى طبيعة الفحم الحيوي المسامية وقدرته على تعزيز تكوين تجمعات ترابية أكثر استقراراً، فضلاً عن زيادة المادة العضوية المستقرة التي تربط دقائق التربة وتمنع تشتتها. ويترتب على هذا التحسن زيادة المسامات الكبيرة (Macropores)، التي تعمل كقنوات طبيعية تسمح بحركة مياه الري داخل قطاع التربة بسهولة، فتزداد كفاءة غسل الأملاح الذائبة ونقلها إلى ما دون منطقة انتشار الجذور، مما يؤدي إلى خفض تركيز الأملاح حول النبات. وفي الوقت نفسه، تحتفظ المسامات الدقيقة (Micropores) بجزء من الماء الصالح للامتصاص، مما يحسن التوازن بين الصرف والاحتفاظ بالرطوبة، وهو عامل مهم لاستمرار النشاط الفسيولوجي للنبات. كما يؤدي هذا التحسن إلى زيادة تهوية التربة وتنشيط الجذور والأحياء المجهرية، فتتحسن كفاءة امتصاص العناصر الغذائية ويقل تأثير الإجهاد الملحي. أما بالنسبة للمزارع، فإن التربة الملحية غالباً ما تكون متماسكة وصلبة، فيبقى الماء على سطحها أو يتحرك ببطء، فتتراكم الأملاح حول الجذور بعد كل رية فنجاح غسل الأملاح لا يعتمد على زيادة كمية مياه الري فقط، بل على وجود تربة تسمح للماء بالحركة والتصريف بصورة صحيحة، لأن التربة الجيدة تجعل كل رية أكثر فائدة للمحصول.
ننتقل إلى السيليكون النانوي (SiNPs)؛ تذكر الأدبيات العلمية دوره في تنشيط أنظمة مضادات الأكسدة والحفاظ على توازن أيوني مثالي يرفع نسبة البوتاسيوم إلى الصوديوم (K:Na). ما الرابط المباشر بين هذا التوازن الأيوني واستمرار التنظيم الأزموزي للنبات في الظروف القاسية؟
يساعد السيليكون النانوي النبات على الحفاظ على نسبة مرتفعة من البوتاسيوم مقارنة بالصوديوم، وهو توازن ضروري لاستمرار التنظيم الأزموزي وكفاءة عمل الإنزيمات وسلامة الأغشية الخلوية. كما يحد من انتقال الصوديوم إلى الأجزاء الهوائية، ويعزز نشاط مضادات الأكسدة التي تقلل من أضرار الإجهاد التأكسدي الناتج عن الملوحة ففي الظروف الطبيعية يؤدي البوتاسيوم دوراً محورياً في تنشيط العديد من الإنزيمات، وتنظيم الضغط الامتلائي للخلايا، والمحافظة على فتح وإغلاق الثغور، فضلاً عن مشاركته في عمليات البناء الضوئي ونقل السكريات داخل النبات.، مما يحافظ على كفاءة البناء الضوئي واستمرار امتصاص الماء حتى في الظروف القاسية. وبلغة مبسطة، يمكن القول إن السيليكون النانوي يساعد النبات على الاحتفاظ بالعناصر المفيدة وتقليل تأثير الأملاح الضارة، فيبقى أكثر قدرة على النمو والإنتاج رغم ملوحة التربة.
حققت توليفة التداخل الأعلى (30 طن هكتار⁻¹ فحم حيوي + 400 كغم هكتار⁻¹ سيليكون نانوي) قفزة نوعية في خفض الإيصالية الكهربائية (EC) إلى حدود تفوق بكثير تأثير كل عامل بمفرده. ما طبيعة التكامل الهيكلي والكيميائي الذي يحدث في محلول التربة عند امتزاج الكربون المسامي بجزيئات النانو سيليكا؟
لم يكن تأثير الفحم الحيوي والسيليكون النانوي مجرد جمعٍ لتأثير كل منهما، بل نتج عنه تأثير تآزري عزز كفاءة التربة والنبات معًا. فالفحم الحيوي حسّن البناء البنيوي للتربة، وزاد المسامية والسعة التبادلية الكاتيونية، وساعد على خفض تركيز الأملاح كما وفر مساحة سطحية كبيرة ومواقع امتزاز عديدة ساعدت على تقليل النشاط الحر لأيونات الصوديوم وتحسين السعة التبادلية الكاتيونية، بينما عزز السيليكون النانوي التوازن الأيوني داخل النبات ورفع كفاءة امتصاص العناصر الغذائية ومقاومة الإجهاد الملحي. وقد انعكس هذا التكامل على انخفاض الإيصالية الكهربائية وتحسن النمو والإنتاجية، إذ سجلت معاملة التداخل أعلى حاصل للحبوب بلغ 14.86 طن/هكتار. وبلغة بسيطة، فإن الفحم الحيوي أصلح التربة، والسيليكون النانوي قوّى النبات، وعندما عملا معًا كانت النتيجة أفضل بكثير من استخدام كل منهما منفردًا. فالفحم الحيوي يصلح التربة ويجعلها أكثر قدرة على الاحتفاظ بالماء وتحسين حركة الهواء، بينما يساعد النانو سيليكا النبات على تحمل الملوحة والاستفادة بصورة أفضل من العناصر الغذائية.
بالنظر إلى الجدول رقم (4) والخاص ببداية الموسم، نجد أن معاملة المقارنة(B1Si0) سجلت أعلى ملوحة بمقدار 11.41 dS m⁻¹، بينما هبطت مع معاملة التداخل القصوى إلى 4.52 dS m⁻¹. ما التحديات الفسيولوجية التي يواجهها النبات في فترة الإنبات الأولى تحت سقف ملوحة يتجاوز 11 dS m⁻¹؟
تعد مرحلة الإنبات الأكثر حساسية لتأثير الملوحة، لأنها تمثل الأساس الذي يُبنى عليه نجاح الموسم الزراعي بأكمله وارتفاع تركيز الأملاح يعيق امتصاص البذرة للماء اللازم لبدء الإنبات، فيتأخر تنشيط الإنزيمات وانقسام الخلايا ونمو الجذير. تواجه البذور عدة تحديات فسيولوجية تبدأ منذ اللحظات الأولى لامتصاص الماء. ويتمثل التحدي الأول في الإجهاد الأزموزي، إذ يؤدي ارتفاع تركيز الأملاح في محلول التربة إلى انخفاض الجهد المائي، فتفقد البذور قدرتها على امتصاص كمية الماء اللازمة لبدء عملية الإنبات. وبذلك تتأخر عملية انتفاخ البذرة وتنشيط الإنزيمات المسؤولة عن تحليل المواد الغذائية المختزنة، مثل إنزيم الألفا-أميليز، فتتأخر أو تنخفض نسبة الإنبات. أما التحدي الثاني فهو الإجهاد الأيوني، حيث يؤدي دخول أيونات الصوديوم والكلوريد إلى الأنسجة الفتية إلى اضطراب العمليات الأيضية، وإعاقة انقسام الخلايا واستطالتها، فضلاً عن منافسة الصوديوم للبوتاسيوم والكالسيوم، مما يخل بالتوازن الغذائي الضروري لنمو الجنين والجذير. يضاف إلى ذلك أن ارتفاع الملوحة يؤدي إلى زيادة تكوين أنواع الأوكسجين التفاعلية (ROS)، التي تسبب إجهاداً تأكسدياً قد يضر بالأغشية الخلوية والبروتينات والمواد الوراثية، فتضعف حيوية البادرات وقدرتها على الاستمرار في النمو.
وقد بينت الدراسة أن تحسين التربة بالفحم الحيوي والسيليكون النانوي خفف هذه الضغوط، وهيأ بيئة أكثر ملاءمة لظهور بادرات قوية ومتجانسة. وبالنسبة للمزارع، فإن نجاح المحصول يبدأ قبل ظهور النبات، لذلك فإن تجهيز التربة ومعالجة الملوحة قبل الزراعة أهم من محاولة معالجة المشكلة بعد الإنبات.
تشير أرقام الوزن الجاف للمجموع الخضري في الجدول (51) إلى قفزة من 5.99 طن هكتار⁻¹ في معاملة المقارنة إلى 21.26 طن هكتار⁻¹ في معاملة التداخل. كيف أسهمت زيادة تراكم عنصر السيليكون في الأنسجة النباتية، والتي بلغت 41.02 g kg⁻¹، في دفع كفاءة التمثيل الضوئي الصافي وتنشيط حركة النقل من الأوراق إلى الحبوب؟
أسهم تراكم السيليكون في تحسين كفاءة البناء الضوئي من خلال المحافظة على سلامة الأوراق والكلوروفيل وتقليل الأضرار الناتجة عن الإجهاد الملحي، كما ساعد على بقاء الأوراق أكثر كفاءة في استقبال الضوء واستمرار نشاطها لفترة أطول. ونتيجة لتحسن امتصاص الماء والعناصر الغذائية، ازداد إنتاج الكربوهيدرات وانتقالها من الأوراق إلى الحبوب خلال مرحلة الامتلاء، وهو ما انعكس في ارتفاع الوزن الجاف للمجموع الخضري من 5.99 إلى 21.26 طن/هكتار وتحسن الإنتاجية. وبلغة يفهمها المزارع، فإن الأوراق هي مصنع الحبوب، وكلما بقيت سليمة وخضراء مدة أطول، استطاع النبات إنتاج غذاء أكثر وملء الحبوب بصورة أفضل، فيزداد الحاصل وجودته. ولذلك فإن الزيادة الكبيرة التي سجلتها الدراسة في الوزن الجاف لم تكن مجرد زيادة في حجم النبات، وإنما كانت دليلاً على تحسن العمليات الفسيولوجية التي تتحكم في النمو والإنتاج. يسهم السيليكون، بعد امتصاصه، في الترسب داخل جدران خلايا البشرة على هيئة مركبات السيليكا، مكوناً طبقة رقيقة من السيليكا–السليلوز تزيد من صلابة الأنسجة وتحسن الوضع الهندسي للأوراق، فتظل الأوراق أكثر انتصاباً وقدرة على استقبال الإشعاع الشمسي بصورة متجانسة. ويؤدي ذلك إلى تحسين توزيع الضوء داخل المجموع الخضري ورفع كفاءة التمثيل الضوئي، خاصة في الكثافات النباتية العالية. ولا يقتصر دور السيليكون على الدعم الميكانيكي، بل تشير الابحاث العلمية إلى أنه يسهم في المحافظة على الكلوروفيل وتقليل تحلله تحت ظروف الإجهاد الملحي، مما زاد من إنتاج الكربوهيدرات والمواد الجافة. وقد انتقل جزء كبير من هذه المواد المصنعة من الأوراق، بوصفها المصدر (Source)، إلى السنابل والحبوب التي تمثل المصب (Sink) خلال مرحلة امتلاء الحبوب، وهو ما انعكس على زيادة الوزن الجاف والحاصل النهائي.
هناك لفتة مثيرة للاهتمام في بيانات وزن ألف حبة (الجدول 52)؛ نلاحظ انخفاض القيم في بعض الخانات وظهور الرقم 45.10 غم كذروة للإنتاج. ما الضوابط الوراثية والبيئية التي تحكمت في زيادة معدل امتلاء الحبوب وطول السنبلة عند هذه المعاملة بالتحديد؟
تتحكم الوراثة في الصفات الأساسية مثل طول السنبلة ووزن الحبة، لكن التعبير عنها يعتمد بدرجة كبيرة على الظروف البيئية. ففي هذه الدراسة أدى التداخل بين الفحم الحيوي والسيليكون النانوي إلى خفض الملوحة وتحسين خصائص التربة وزيادة جاهزية العناصر الغذائية، مما وفر ظروفًا ملائمة خلال مرحلتي التزهير وامتلاء الحبوب. واستمر البناء الضوئي بكفاءة أعلى، وازداد انتقال الكربوهيدرات من الأوراق إلى الحبوب، فسجلت الدراسة أعلى وزن لألف حبة بلغ 45.10 غم مع أعلى إنتاجية. وهو ما يؤكد أن تحسين البيئة الزراعية أتاح لصنف (بحوث 22) التعبير بصورة أفضل عن قدرته الوراثية. ومن المهم الإشارة إلى أن الوراثة تحدد الحد الأقصى للإنتاجية، بينما تحدد البيئة مقدار الاقتراب من هذا الحد، ولذلك فإن تحسين التربة لا يغير الصفات الوراثية للصنف، وإنما يساعده على استثمارها بكفاءة أعلى.تؤكد هذه النتائج أن العلاقة بين الوراثة والبيئة علاقة تكاملية وليست تنافسية.
الرسالة التي نوجهها للمزارع هي أن الحصول على سنابل طويلة وحبوب ممتلئة لا يعتمد على نوع البذور فقط، بل يعتمد أيضاً على صحة التربة وإدارة الملوحة والتغذية النباتية. فاختيار صنف جيد مع توفير بيئة جذرية مناسبة يمنح النبات فرصة حقيقية للوصول إلى أعلى إنتاجية ممكنة، ويقلل من خسائر الإجهاد الملحي خلال مرحلة امتلاء الحبوب، وهي المرحلة التي تحدد في النهاية قيمة المحصول وجودته.
الحاصل الكلي للحبوب سجل 14.86 طن هكتار⁻¹ عند التداخل الأقصى مقارنة بـ 6.62 طن هكتار⁻¹ للمقارنة. كيف تدعم هذه البيانات الفرضية القائلة بأن الأسمدة النانوية تمتلك خاصية التحرر البطيء والممتد للعناصر الغذائية طيلة الموسم الزراعي؟
تشير هذه النتائج إلى أن زيادة الحاصل لم تكن نتيجة توفير العناصر الغذائية فقط، بل نتيجة تحسين كفاءة استفادة النبات منها طوال الموسم. فالفحم الحيوي حسّن بيئة الجذور وخفف تأثير الملوحة، بينما أسهم السيليكون النانوي في تعزيز التوازن الأيوني ورفع كفاءة العمليات الفسيولوجية. وتشير الأبحاث العلمية إلى أن المواد النانوية تمتلك خاصية الإطلاق التدريجي للعناصر الغذائية، نتيجة لمساحتها السطحية العالية وطبيعة تفاعلها مع التربة. وهذا أحد العوامل التي أسهمت في استمرار جاهزية العناصر الغذائية خلال موسم النمو. من المهم أن يدرك المزارع أن تحقيق إنتاج مرتفع لا يعتمد على إضافة كميات أكبر من الأسمدة التقليدية، بل على رفع كفاءة الاستفادة منها. فعندما تتحسن التربة ويصبح امتصاص العناصر الغذائية أكثر كفاءة، يستطيع النبات أن يستفيد من كل وحدة غذائية بصورة أفضل، مما يزيد الإنتاج ويقلل الفاقد ويخفض كلفة الإنتاج على المدى البعيد.
تضمنت التوصيات دعوة لاستغلال المخلفات الزراعية المحلية مثل قش الحنطة لإنتاج الفحم الحيوي. ما هي المتطلبات التقنية والمعايير الحرارية اللازمة لتحويل هذا القش محلياً إلى فحم حيوي يمتلك نفس الخصائص والمساحة السطحية العالية المستخدمة في تجربتكم؟
يمكن إنتاج الفحم الحيوي من قش الحنطة عبر عملية التحلل الحراري في بيئة محدودة الأوكسجين، وهي عملية تحول المخلفات الزراعية إلى مادة كربونية مستقرة وعالية المسامية. وتشير الأبحاث إلى أن درجات حرارة تتراوح بين 400–550°م في التحلل الحراري البطيء تعطي فحمًا حيويًا يتميز بمساحة سطحية جيدة وثبات كيميائي مناسب لتحسين خواص التربة لأن الخصائص الفيزيائية والكيميائية للفحم الحيوي تختلف باختلاف ظروف التحلل الحراري. كما ينبغي أن تكون المادة الأولية جافة نسبيًا. فإن قش الحنطة لا ينبغي أن يُحرق ويُهدر، بل يمكن تحويله إلى محسن تربة قيّم يزيد خصوبة الأرض ويقلل كلفة استصلاح الأراضي الملحية على المدى البعيد. تمثل هذه التقنية فرصة مهمة للمزارعين والجمعيات الزراعية في العراق، لأن قش الحنطة الذي يُحرق في كثير من الأحيان بعد الحصاد يمكن أن يتحول إلى مورد اقتصادي وبيئي ذي قيمة عالية. فبدلاً من التخلص منه بالحرق وما يسببه من تلوث للهواء وفقدان للمادة العضوية، يمكن تحويله إلى فحم حيوي يستخدم في تحسين التربة وزيادة إنتاجية المحاصيل لعدة مواسم. كما أن إنشاء وحدات إنتاج صغيرة أو متوسطة للفحم الحيوي (حاويات محكمة درجات الحرارة والغلق او طريقة التقليدية حفر للتفحيم) على مستوى الجمعيات الزراعية أو المشاريع الكبرى يمكن أن يسهم في خفض كلفة استصلاح الأراضي الملحية، وتعزيز مفهوم الاقتصاد الدائري والاستدامة الزراعية.
أوصت الدراسة بإدراج السيليكون النانوي ضمن برامج التسميد في جنوب العراق. ما هي الرؤية التطبيقية التي تقدمينها لأصحاب القرار والمزارعين بشأن كلفة المخصبات النانوية مقارنة بحجم العائد الاقتصادي الناتج عن مضاعفة إنتاجية الهكتار الواحد؟
عند تقييم أي تقنية زراعية حديثة ينبغي النظر إلى العائد الاقتصادي طويل الأمد، وليس إلى كلفة التطبيق الأولية فقط. فقد أظهرت نتائج الدراسة أن التداخل بين الفحم الحيوي والسيليكون النانوي رفع حاصل الحبوب من 6.62 إلى 14.86 طن/هكتار، بالتزامن مع تحسن واضح في خصائص التربة وتقليل آثار الملوحة. ورغم أن المخصبات النانوية قد تكون أعلى كلفة من بعض الأسمدة التقليدية، فإن رفع كفاءة امتصاص العناصر الغذائية وتحسين إنتاجية المحصول يعوض هذه الكلفة، خاصة إذا استُخدمت وفق توصيات علمية. أما رسالتي للمزارعين وصناع القرار، فهي أن الاستثمار في تحسين التربة وتقنيات التسميد الحديثة هو استثمار في استدامة الإنتاج والأمن الغذائي، مع أهمية إجراء دراسات اقتصادية ميدانية لتحديد أفضل آليات التطبيق على نطاق واسع. تشير نتائج الدراسة إلى أهمية دعم برامج إنتاج الفحم الحيوي محلياً من المخلفات الزراعية ومن المهم الإشارة إلى أن الفحم الحيوي يتميز بكونه محسناً طويل الأمد؛ فهو لا يقتصر تأثيره على موسم زراعي واحد، بل يمكن أن يستمر في تحسين خصائص التربة لعدة سنوات، مما يعني أن جزءاً كبيراً من كلفته يُوزع على أكثر من موسم، وهو ما يزيد من جدواه الاقتصادية مع مرور الوقت وتشجيع إدخال التقنيات الحديثة ضمن برامج الإرشاد الزراعي، مع تنفيذ مشاريع تجريبية في الأراضي الملحية بجنوب العراق، لأن تحسين التربة يمثل خطوة أساسية نحو تعزيز الأمن الغذائي، وتقليل الاعتماد على استيراد الحبوب، وتحقيق الاستخدام المستدام للموارد الطبيعية.
اقترحتِ في نهاية المطاف تطبيق هذه التجربة على محاصيل أخرى كالشعير والذرة الصفراء والبيضاء. ما التغيرات المتوقعة في استجابة هذه المحاصيل، نظراً لاختلاف أنظمتها الجذرية وقدرتها الطبيعية على تحمل الملوحة مقارنة بالحنطة؟
من المتوقع أن تحقق هذه التقنية نتائج إيجابية مع محاصيل أخرى، لكن درجة الاستجابة ستختلف تبعًا للخصائص الوراثية والفسيولوجية لكل محصول ومدى تحمله للملوحة. فالشعير يمتلك قدرة طبيعية أعلى على تحمل الإجهاد الملحي، لذلك قد تكون الزيادة في إنتاجيته أقل نسبيًا، بينما قد تستجيب الذرة بصورة أكبر لتحسن خصائص التربة وانخفاض الملوحة، خاصة في المراحل الأولى من النمو. ويظل الفحم الحيوي عاملًا مشتركًا في تحسين بنية التربة، في حين تختلف استفادة المحاصيل من السيليكون النانوي بحسب طبيعة جذورها وقدرتها على امتصاصه. وبلغة بسيطة، فإن تحسين التربة يفيد معظم المحاصيل، لكن لا يمكن تطبيق الجرعة نفسها أو توقع النتائج نفسها مع جميع النباتات، لذلك ينبغي تكييف التوصيات وفق كل محصول قبل تعميمها.
إذا كان المزارع يزرع أكثر من محصول في أرض ملحية، فإن تحسين التربة باستخدام الفحم الحيوي يمكن أن يعود بالفائدة على جميع المحاصيل، لأن التربة الجيدة هي أساس نجاح أي محصول. أما استخدام النانو سيليكا، فينبغي أن يتم وفق التوصيات الفنية الخاصة بكل محصول، وعدم افتراض أن الجرعة المناسبة للحنطة ستكون مناسبة لجميع المحاصيل.
توصي الدراسة بإجراء بحوث مستقبلية لتقييم هذه التقنية على محاصيل استراتيجية أخرى، مثل الشعير والذرة الصفراء والذرة البيضاء، وكذلك دراسة أثرها خلال عدة مواسم زراعية متتالية، مع إجراء تقييم اقتصادي شامل، تمهيداً لاعتمادها ضمن برامج استصلاح الأراضي الملحية في العراق.
في الختام
لا يسعنا إلا أن نثمن هذا الجهد العلمي الرصين الذي قدمته الباحثة نور الهدى حسن لعيبي الأسدي. لقد كانت هذه الجولة العلمية في رحاب كرمة علي دعوةً لإعادة التفكير في علاقتنا بالأرض؛ فبينما يواجه مزارعنا العراقي تحديات الملوحة المتفاقمة، يثبت هذا البحث أن الحلول لا تكمن دائماً في استيراد البدائل المكلفة، بل في "هندسة الطبيعة" بذكاء: عبر إعادة تدوير المخلفات إلى فحم حيوي يعيد للحياة مسام التربة، وتسخير تقنية النانو لتكون درعاً حيوياً يحمي النبات.
إن النتائج التي استعرضناها اليوم، والتي قفزت بإنتاجية الحنطة إلى مستويات واعدة، ليست مجرد أرقام في رسالة ماجستير، بل هي خارطة طريق للأمن الغذائي في بيئة صعبة. لقد وضع هذا البحث بين أيدينا حقيقة علمية دامغة: أن الجذر السليم في تربة مصلحة هو الضمانة الوحيدة لموسم وفير.
نأمل أن تجد هذه التوصيات طريقها إلى الحقول والمؤسسات الزراعية، لتتحول من تجربة بحثية في جامعة البصرة إلى ممارسة زراعية تسود أرجاء جنوبنا الحبيب، فتزدهر الأرض وتستقر الإنتاجية.
شكراً لكم على حسن المتابعة، وشكراً لضيفتنا الكريمة على هذا الطرح العلمي المتميز والعملي.







اضف تعليق