التاريخ يبيّن أن الدول التي نهضت لم تفعل ذلك عبر الهجرة الجماعية، بل عبر استثمار طاقات شبابها في أصعب المراحل. بعد الحرب العالمية الثانية، واجهت دول مثل اليابان وألمانيا دمارًا شبه كامل في البنية التحتية والاقتصاد، ومع ذلك اختار معظم الشباب البقاء والمشاركة في إعادة البناء...
ليس كل من هاجر كان يبحث عن مغامرة، ولا كل من ركب البحر كان عاشقًا للمخاطرة. بعضهم خرج لأن الوطن ضاق، وبعضهم لأن الأمل لم يجد مكانًا ليكبر. بين ضفتين، تقف الهجرة اليوم كحكاية إنسان قبل أن تكون ملفًا قانونيًا أو رقمًا في تقارير رسمية.
في هذا الحوار، تتحدث الدكتورة حنان محمود عبد الرحيم، التدريسية في قسم التاريخ/ كلية التربية للعلوم الإنسانية بجامعة سامراء، بلغة تجمع بين المعرفة والوجع، لتعيد الهجرة إلى أصلها الإنساني، وتكشف كيف تحوّل الحق في التنقل إلى تهمة، وكيف صُنعت صورة الحلم خارج الحدود بينما غُيّبت قصص الغرق والاحتجاز والضياع. حوار لا يبرّر الرحيل، لكنه يحاول فهم أسبابه، ولا يدين الشباب، بل يسائل الواقع الذي دفعهم إلى قوارب لا تعرف الرحمة.
بدايةً، متى تحولت الهجرة من حق إنساني إلى فعل غير قانوني؟ وكيف تطورت قوانين الحدود في التاريخ الحديث؟
الهجرة تاريخيًا كانت حقًا طبيعيًا للإنسان للتنقل والبحث عن فرص حياة أفضل، منذ العصور القديمة إذ كان تنقل الناس بسبب البحث عن الطعام اولا ومن ثم التجارة أو العمل أو الحروب. تحولها تدريجيًا إلى فعل "غير قانوني" جاء مع نشوء الدول القومية الحديثة في القرن التاسع عشر، حين بدأت الحدود الوطنية تُحكم بقوانين وإجراءات رسمية.
قوانين الحدود تطورت بشكل ملحوظ مع ظهور مفاهيم الدولة الحديثة، وظهور وثائق السفر، وإدخال ضوابط الهجرة، لا سيما بعد الحرب العالمية الأولى، ثم تصاعدت بعد الحرب العالمية الثانية مع إنشاء نظام دولي معقد لتنظيم دخول العمال واللاجئين، ما جعل الهجرة من حق إنساني مشروطًا بالتصاريح القانونية.
هل يمكننا مقارنة موجات الهجرة الحالية بالهجرات الكبرى التي شهدها العالم في القرنين التاسع عشر والعشرين؟ ما هي أوجه التشابه والاختلاف؟
تشترك الهجرات الحالية مع هجرات القرن التاسع عشر والعشرين في دوافعها الاقتصادية والسياسية، مثل الفقر، والحروب، واضطراب الحكم. لكنها تختلف في الشكل: الهجرات السابقة كانت غالبًا قانونية أو منظمة جزئيًا، مع اتفاقيات استيطانية أو تسهيلات للهجرة، بينما اليوم تنتشر الهجرة غير الشرعية بمخاطر كبيرة عبر البحر أو الصحراء، مع استغلال من شبكات تهريب البشر.
من منظور تاريخي، كيف أثرت الهجرات غير المنظمة على استقرار المجتمعات (الدول المصدرة والدول المستقبلة)؟
تاريخيًا، أثبتت الهجرات غير المنظمة أنها تشكل عاملًا مزدوج الأثر على استقرار المجتمعات. ففي الدول المصدرة، مثل بعض مناطق أوروبا الشرقية خلال أواخر القرن التاسع عشر، أدى خروج أعداد كبيرة من الشباب العامل إلى نقص القوى العاملة، ما أضعف النمو الاقتصادي وأجبر الدولة على إعادة هيكلة الزراعة والصناعة، مع ظهور فجوة بين المدن والقرى بسبب فقدان الشباب المنتج. كما أن نزوح العقول والكفاءات يزيد من اعتماد الدولة على التحويلات المالية من الخارج، ما يخلق نوعًا من الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية.
أما في الدول المستقبلة، فقد أظهرت التجارب التاريخية، مثل هجرة المزارعين والأيدي العاملة من إيطاليا وإيرلندا إلى الولايات المتحدة في أواخر القرن التاسع عشر، أن التدفق الكبير وغير المنظم للمهاجرين أدى أحيانًا إلى ضغوط على الموارد العامة، وصراعات اجتماعية وثقافية، وتصاعد حركة المقاومة السياسية المحلية ضد الهجرة، قبل أن تتبلور سياسات اندماجية تدريجية لتنظيم السوق وتوزيع السكان.
الدرس التاريخي هنا أن الهجرات غير المنظمة تعمل كقوة زلزالية للمجتمعات: تضعف الدول المصدرة عبر استنزاف شبابها المنتج، بينما تفرض على الدول المستقبلة تحديات تكاملية واقتصادية وثقافية. الحلول التاريخية الناجحة كانت تعتمد على التنظيم القانوني للهجرة، وإجراءات استيعاب تدريجية، وبرامج تنمية في الدول المصدرة تقلل من دافع الهجرة غير المنظمة.
كيف ساهم الإعلام الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي في تجميل صورة الهجرة غير الشرعية وتزييف واقعها؟
ساهم الإعلام الرقمي في تجميل الهجرة غير الشرعية من خلال عرض قصص نجاح محدودة جدًا، بينما تُغفل مآسي الغرق والاحتجاز، ما يخلق انطباعًا خاطئًا لدى الشباب بأن الهجرة دائمًا تؤدي إلى حياة أفضل، وهو واقع متباين جدًا مع الخطر الحقيقي. وهذا هو الخطر الحقيقي.
بصفتكِ عاملة في الإعلام ومتخصصة بالتاريخ، كيف يتم استغلال الذاكرة الجمعية للشباب عن قصص النجاح في الخارج للتغطية على مآسي الغرق والاحتجاز؟
الذاكرة الجمعية للشباب غالبًا تمتلئ بأمثلة نجاح محدودة لأفراد هاجروا إلى الخارج وحققوا مكانة اقتصادية أو اجتماعية، سواء كانت هذه الهجرة قانونية أو غير قانونية.
الإعلام، وأحيانًا وسائل التواصل الاجتماعي، تستغل هذه الصور المثالية لتشكيل توقعات غير واقعية لدى الشباب، متجاهلة مئات القصص الحقيقية للمآسي، مثل الغرق في البحر الأبيض المتوسط، أو الاحتجاز في مراكز الترحيل غير الإنسانية في ليبيا أو تركيا، أو فقدان الأوراق الثبوتية التي تؤدي إلى فقدان الحقوق الأساسية.
يمكن إعطاء مثال تاريخي حديث: بعد ثورات الربيع العربي وانا اسميها الخريف العربي ولم تكن ربيعاً ابدا، تداولت صفحات شبابية قصص شباب من تونس ومصر وليبيا الذين هاجروا وافتتحوا مشاريع ناجحة في أوروبا، بينما تجاهلت معظم هذه الصفحات مأساة آلاف الشباب الذين قضوا على قاربي الهجرة أو تعرضوا للاستغلال من قبل شبكات التهريب.
مثال آخر من الواقع العراقي: تُروّج بعض الصفحات على فيسبوك وتيك توك خصوصاً لقصص "نجاح مهاجرين شباب" في دول الخليج أو أوروبا، في حين يلتزم الواقع بأرقام المرصد الدولي للهجرة، التي تشير إلى أن نسبة ضحايا الغرق والاحتجاز تفوق القصص الناجحة بنحو 10 أضعاف.
طيب هذا الاستخدام الذكي للذاكرة الجمعية يجعل الشباب يركزون على الأمل الزائف ويتجاهلون المخاطر الحقيقية، ما يشجع على تقليد هذه الهجرات غير المنظمة.
ما هي الأدوات الإعلامية التي تفتقدها المؤسسات العربية لمواجهة إعلام المهربين الذي يبيع الأوهام للشباب؟
تفتقر المؤسسات العربية إلى محتوى قصصي موثّق، وبيانات دقيقة، وحملات إعلامية مستمرة، بالإضافة إلى استخدام أدوات الإعلام التفاعلي والشبكات الاجتماعية بنفس فعالية المهربين، لإظهار البدائل الآمنة والنجاحات الواقعية داخل الوطن.
في التاريخ الحديث، تبنى الدول بسواعد شبابها؛ كيف ترين خطورة إفراغ الأوطان من طاقاتها الشابة تحت مسمى الهجرة غير الشرعية؟
التاريخ يظهر أن الدول قامت على جهود الشباب، مثل التطورات الصناعية في بريطانيا وألمانيا بالقرنين التاسع عشر والعشرين. فقدان الطاقات الشابة يضعف التنمية، ويقلل الإنتاجية، ويخلق فجوة اقتصادية واجتماعية، بينما تستفيد الدول المستقبلة من هذه الطاقات، لكنها تواجه تحديات اندماجية.
هل تعتقدين أن الحلول الأمنية (غلق الحدود) وحدها تكفي، أم أننا بحاجة إلى "هجرة معاكسة للوعي" تُعيد للشباب ثقتهم في أوطانهم؟
إغلاق الحدود وحده لا يكفي.
التاريخ يعلمنا أن الحلول الأكثر فاعلية تجمع بين ضبط الهجرة وتوفير فرص عمل وتعليم للشباب في أوطانهم، ما يعيد الثقة ويحد من دفعهم للمخاطرة.
والإجراءات الأمنية وحدها لا تكفي، فهي تمنع المرور فقط لكنها لا تعالج الأسباب الاقتصادية والاجتماعية والنفسية. الحلول الفعّالة ارجع أكد عليها تشمل سياسات تشجع الشباب على البقاء، عبر توفير التعليم، فرص العمل، وضمان الحقوق الأساسية، أي "هجرة معاكسة للوعي" تبني الثقة في الوطن.
كيف يمكن توظيف دروس التاريخ لإقناع الجيل الحالي بأن بناء الأوطان، رغم صعوبته، هو الخيار الأضمن كرامةً وأماناً؟
التاريخ يبيّن أن الدول التي نهضت لم تفعل ذلك عبر الهجرة الجماعية، بل عبر استثمار طاقات شبابها في أصعب المراحل. بعد الحرب العالمية الثانية، واجهت دول مثل اليابان وألمانيا دمارًا شبه كامل في البنية التحتية والاقتصاد، ومع ذلك اختار معظم الشباب البقاء والمشاركة في إعادة البناء، فكانت النتيجة تحول هذه الدول خلال عقود قليلة إلى قوى اقتصادية عالمية. هذا التحول لم يكن نتيجة ظروف مريحة، بل ثمرة صبر طويل وسياسات اعتمدت على العمل الداخلي والاعتماد على الذات.
في المقابل، يقدّم التاريخ أمثلة معاكسة، مثل بعض دول أمريكا اللاتينية وأوروبا الشرقية خلال القرن العشرين، حيث أدى نزوح أعداد كبيرة من الشباب إلى إضعاف التنمية المحلية وتأجيل مشاريع البناء الوطني، ما جعل هذه الدول تعتمد لفترات طويلة على التحويلات الخارجية بدل بناء اقتصاد مستدام.
دروس التاريخ تشير إلى أن الكرامة والأمان لا يتحققان سريعًا، بل يتكونان تدريجيًا داخل الوطن عبر المشاركة في بنائه، حتى في ظل الأزمات. إقناع الجيل الحالي يتطلب إبراز هذه النماذج التاريخية الواقعية، التي تؤكد أن الهجرة قد تنقذ فردًا مؤقتًا، لكنها لا تنقذ وطنًا، وأن بناء الأوطان، رغم كلفته العالية، يبقى الخيار الأضمن للمستقبل الجماعي والاستقرار الطويل الأمد.
ما هي البدائل التي يجب أن يروج لها الإعلام الحديث كخيار بديل عن قوارب الموت؟ (مثل الاستثمار في التعليم التقني، المشاريع الصغيرة، والهجرة القانونية).
تشمل الاستثمار في التعليم الفني والتقني، دعم المشاريع الصغيرة، الهجرة القانونية المنظمة، عرض قصص نجاح حقيقية للشباب الذين اختاروا البقاء والمساهمة في وطنهم، وتوضيح المخاطر الحقيقية للهجرة غير الشرعية.
في ختام هذا الحوار، نتقدم بخالص الشكر والتقدير إلى الدكتورة حنان محمود عبد الرحيم على ما قدمته من قراءة علمية رصينة ورؤية إنسانية عميقة، أسهمت في تفكيك واحدة من أخطر قضايا العصر، وكشفت أبعادها التاريخية والإعلامية والاجتماعية بعيدًا عن التبسيط أو التهويل.
هذا الحوار لا يضيف مادة معرفية فحسب، بل يفتح بابًا للتفكير المسؤول، ويؤكد أن مواجهة الهجرة غير الشرعية لا تبدأ من غلق الحدود، بل من استعادة ثقة الشباب بأوطانهم وبناء وعيٍ يحمي الإنسان قبل أن يضيّعه الطريق.



اضف تعليق