يقدم المقال معالجة فكرية لإشكالية العلاقة بين الاصالة والمواكبة، مؤكداً أن الحضارة الإنسانية هي نتاج تراكمي مشترك لا يستقيم بالانغلاق ولا بالتبعية الأعمى. ويطرح الكاتب رؤية تقوم على التفاعل المتوازن مع تجارب الأمم، داعياً إلى تبني الانفتاح الواعي القائم على النقد والاختيار والثقة بالنفس، بوصفه شرطاً أساسياً لتطوير المؤسسات دون التفريط بالخصوصية الهوياتية...
في محاولتنا لفهم الحياة وما تنطوي عليه من متغيرات وتجارب متلاحقة، نجد أنفسنا أمام حقيقة يصعب تجاوزها، وهي أن الإنسان لا يستطيع أن يبني خبرته الحياتية اعتمادا على تجربته الفردية وحدها، لأن الحياة أوسع من أن تستوعبها تجربة شخص واحد أو مجتمع واحد، ولأن ما يمر به الإنسان خلال سنوات عمره مهما امتدت يظل جزءا صغيرا من التجربة الإنسانية المتراكمة التي صنعتها الشعوب والأمم عبر أزمنة طويلة، ولذلك فإن معرفة تجارب الآخرين والاطلاع على طرائقهم في التفكير والعمل وتنظيم شؤون حياتهم تمثل حاجة أساسية لكل إنسان يريد أن يطور حياته ويخرج بها من حدود المألوف إلى آفاق أكثر رحابة.
فالإنسان بطبيعته يبحث عن الأفضل، وهذه الرغبة هي التي دفعته منذ القدم إلى تغيير الكثير من أنماط حياته، فكلما اكتشف وسيلة جديدة أو تجربة أكثر فائدة حاول أن يستفيد منها ويجعلها جزءا من حياته، ولذلك لم تكن الحضارة الإنسانية نتيجة جهد منفرد أو تجربة مغلقة، فقد انتقلت الأفكار والعلوم والصناعات وطرائق التنظيم بين الشعوب، وأخذت كل أمة من غيرها ما وجدت فيه فائدة، ثم أعادت إنتاجه وفقا لظروفها واحتياجاتها، وبذلك أصبح التطور عملية إنسانية مشتركة تشارك فيها تجارب مختلفة ولا تتوقف عند حدود جغرافية أو ثقافية معينة.
ولعل المشكلة التي تواجه بعض الأفراد والمجتمعات اليوم تكمن في الطريقة التي ننظر بها إلى الآخر، فقد يتحول الاختلاف في اللغة أو الثقافة أو الدين أو طريقة الحياة إلى سبب للخوف والحذر، مع أن الاختلاف نفسه يمكن أن يكون مجالا واسعا للتعلم واكتشاف جوانب جديدة في الحياة، فالإنسان حين يرى تجربة مختلفة عنه يستطيع أن يكتشف فيها ما ينقص تجربته، كما يستطيع من خلالها أن يعيد النظر في بعض القناعات التي اعتاد عليها، وهذه المراجعة ضرورية لكل شخص أو مجتمع يريد أن يحافظ على حيويته الفكرية وقدرته على التطور.
وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا التنوع الإنساني بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾، والتعارف في هذا السياق يحمل معنى يتجاوز معرفة الأسماء والأنساب والحدود، فهو يفتح أمام الإنسان مجالا للتواصل مع غيره وفهم تجاربه ومعرفة ما عنده من خبرات وقيم وطرائق مختلفة في التعامل مع الحياة، وهذا النوع من التواصل هو الذي يجعل التنوع الإنساني مصدرا للمعرفة بدل أن يتحول إلى سبب للتباعد والانغلاق.
ومن هنا يمكن أن نفهم أهمية الانفتاح على التجارب الإنسانية الأخرى، فالانفتاح لا يعني أن يتخلى الإنسان عن هويته أو أن يترك خصوصيته الثقافية، وإنما يعني أن يكون واثقا من نفسه إلى درجة تسمح له بالنظر إلى تجارب الآخرين بعين هادئة، فيأخذ منها ما ينفعه ويترك ما لا ينسجم مع قيمه وحاجاته، لأن الإنسان الذي يعرف نفسه جيدا يستطيع أن يتعامل مع الآخر دون أن يشعر بأن كل فكرة جديدة تمثل تهديدا لوجوده أو هويته، في حين أن الخوف المستمر من الآخر قد يجعل الإنسان أسيرا لما اعتاد عليه حتى عندما تتغير الظروف من حوله.
إن المحافظة على الأصالة والهوية أمر مهم لكل مجتمع، لأن الإنسان يحتاج إلى جذور تمنحه الشعور بالانتماء والاستقرار، لكن الأصالة نفسها يمكن أن تكون أكثر قوة وحيوية حين تكون قادرة على التفاعل مع العصر والاستفادة من التجارب الجديدة، فالثقافة التي تتوقف عند مرحلة معينة من حياتها تفقد قدرتها على الإجابة عن الأسئلة المستجدة، والمجتمع الذي يعتقد أن كل ما يملكه من أفكار وتجارب يكفيه لمواجهة المستقبل قد يجد نفسه أمام عالم تغيرت شروطه بينما بقي هو أسير شروط الماضي.
ولهذا فإن التعلم من الآخرين يحتاج إلى عقل يملك القدرة على الاختيار والتمييز، فهناك تجارب تستحق الأخذ والاستفادة، وهناك تجارب أخرى لا تتناسب مع ظروفنا وقيمنا، والمسألة هنا لا تتعلق بقبول كل ما يأتي من الخارج أو رفضه، وإنما بامتلاك القدرة على دراسته وفهمه ووضعه في السياق المناسب، وهذا هو الفارق بين الانفتاح الواعي والتبعية، لأن التبعية تقوم على تقليد الآخر دون تفكير، أما التعلم فيقوم على النظر والفحص ثم اختيار ما يمكن أن يضيف شيئا إلى تجربتنا الخاصة.
وفي الحياة المعاصرة أصبحت هذه المسألة أكثر أهمية، لأن الإنسان يعيش في عالم مفتوح تتداخل فيه المجتمعات بصورة لم تكن معروفة في السابق، فالطالب يستطيع أن يتعلم من جامعة تقع في قارة أخرى، والباحث يستطيع أن يتابع أحدث الدراسات التي تصدر في مختلف دول العالم، والشركة تستطيع أن تستفيد من تجارب أسواق بعيدة عنها، والمجتمع يستطيع أن يطلع في دقائق على تجارب مجتمعات أخرى في التعليم والصحة والإدارة والاقتصاد والخدمات، ولهذا أصبحت القدرة على التعلم من الآخرين جزءا من القدرة على البقاء والتطور.
وفي المقابل، فإن الانغلاق قد يبدأ بفكرة صغيرة ثم يتحول مع مرور الوقت إلى طريقة كاملة في التفكير، فالإنسان الذي يعتقد أنه يعرف كل شيء ولا يحتاج إلى غيره يصبح أقل استعدادا للاستماع والمراجعة، والمجتمع الذي يبالغ في تقدير تجربته الخاصة قد يفقد القدرة على رؤية نقاط ضعفه، وعندما تتوقف المقارنة تتوقف معها فرصة اكتشاف الخلل، لأن الإنسان يحتاج أحيانا إلى أن يرى نفسه من خلال تجربة أخرى حتى يكتشف جوانب لم يكن قادرا على رؤيتها وهو يعيش داخل تجربته الخاصة.
وقد يكون الخوف من الآخر في بعض الحالات نتيجة ظروف اجتماعية أو سياسية صنعت حالة من العزلة، فهناك مجتمعات تعرضت طويلا للتخويف من الخارج حتى أصبحت تنظر إلى كل اختلاف بوصفه خطرا، وهناك أفراد تربوا على الاعتقاد بأن الاختلاط بالآخرين يمكن أن يؤدي إلى فقدان الهوية أو ضعف الانتماء، ومع استمرار هذه الأفكار يتحول الخوف إلى سلوك اجتماعي متوارث، فيصبح الإنسان حذرا من المعرفة نفسها لأنها جاءت من مصدر مختلف عنه، وهذه واحدة من أخطر صور الانغلاق لأنها تجعل الإنسان يحرس حدود أفكاره أكثر مما يبحث عن الحقيقة.
ولهذا يحتاج المجتمع إلى تربية أفراده على الحوار والتعارف والمقارنة، لأن المعرفة لا تنمو في بيئة تخشى السؤال، ولا تتطور الأفكار حين يعيش الإنسان بين من يوافقونه في كل شيء، فوجود الرأي المختلف قد يكون فرصة لاكتشاف قوة الفكرة أو ضعفها، كما أن التعرف إلى ثقافة أخرى قد يساعد الإنسان على فهم ثقافته الخاصة بصورة أعمق، لأن الإنسان كثيرا ما يكتشف قيمة ما لديه عندما يراه في سياق مختلف ويقارنه بما لدى الآخرين.
وفي هذا المجال تبرز مسؤولية المؤسسات التعليمية بصورة خاصة، فالجامعة التي تريد إعداد إنسان قادر على مواجهة المستقبل تحتاج إلى أن تعلمه كيف يقرأ تجارب العالم، وكيف يقارن بين النماذج المختلفة، وكيف يبحث عن المعرفة من مصادر متنوعة، لأن الطالب الذي يتعلم داخل حدود كتاب واحد أو رؤية واحدة قد يمتلك معلومات كثيرة، لكنه يحتاج إلى مساحة أوسع من التفكير حتى يعرف كيف يستخدم تلك المعلومات في فهم الحياة وحل مشكلاتها.
والأمر نفسه ينطبق على الإعلام، لأن الإعلام يستطيع أن يكون نافذة يطل منها المجتمع على العالم، كما يستطيع أن يتحول إلى مساحة تعيد إنتاج المخاوف والصور النمطية عن الآخرين، ولذلك فإن الإعلام المسؤول هو الذي يقدم التجارب الإنسانية كما هي، ويضعها في سياقاتها، ويتيح للناس فرصة الفهم والمقارنة، حتى يصبح الاختلاف مادة للمعرفة وليس سببا لإنتاج الأحكام المسبقة.
ويبقى الإنسان بحاجة إلى معيار أخلاقي ومعرفي في علاقته بالمعلومات القادمة من الآخرين، فالانفتاح يحتاج إلى وعي كما يحتاج إلى حرية، والقرآن الكريم يضع قاعدة واضحة في التعامل مع الأخبار بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾، وهذه القاعدة يمكن أن تمتد إلى عالم الأفكار والتجارب أيضا، فالمطلوب أن نسمع ونقرأ ونتعرف ثم نتبين ونفكر ونختار، لأن المعرفة الواعية لا تقوم على الرفض المسبق كما لا تقوم على القبول السريع.
وربما يكون السؤال الأهم في هذه القضية هو: ماذا نخسر عندما نخشى الآخرين؟ نخسر فرصا كثيرة للتعلم والتطوير، ونحرم أبناءنا من معرفة تجارب جديدة، ونترك مؤسساتنا تعمل بالطريقة نفسها حتى عندما تتغير حاجات الناس، ونبقى أسرى لبعض العادات التي ربما كانت مناسبة في زمن سابق ثم أصبحت تحتاج إلى مراجعة، وفي المقابل فإن المجتمع الذي يتعلم من غيره يكتشف أخطاءه بصورة أسرع ويستفيد من نجاحات الآخرين ويطور ما لديه دون أن يفقد جذوره.
إن العالم اليوم لا يمنح المجتمعات فرصة طويلة كي تبقى في مكانها، فالمعرفة تتحرك بسرعة، والتكنولوجيا تغير أساليب العمل، والتعليم يعيد تشكيل مهارات الإنسان، والاقتصاد يتجاوز الحدود التقليدية، ولهذا أصبحت قدرة المجتمع على التعلم المستمر واحدة من أهم عناصر قوته. والمجتمع الذي يعرف كيف يتعلم من تجارب الآخرين يستطيع أن يحافظ على هويته وهو يطور أدواته، ويستفيد من الجديد وهو يحتفظ بما يراه صالحا من موروثه، ويتعامل مع المستقبل بثقة أكبر لأنه لا يخشى المقارنة.
وفي النهاية، فإن التعلم من الآخرين لا ينتقص من الإنسان، كما أن الحفاظ على الهوية لا يحتاج إلى بناء جدار بين المجتمع والعالم. المسألة تتعلق بالقدرة على الجمع بين الأمرين، أن يعرف الإنسان من هو، وماذا يريد، وما القيم التي يريد الحفاظ عليها، ثم يفتح عينيه على تجارب الآخرين ويتعلم منها ما يساعده على تحسين حياته. فالحضارة لا تنشأ حين يعتقد الإنسان أنه يمتلك كل الإجابات، وإنما تنمو عندما يمتلك الشجاعة لطرح الأسئلة، والاستعداد للاستماع، والعقل الذي يميز، والإرادة التي تحول المعرفة إلى عمل.
ولعل المجتمع الذي يصل إلى هذه المرحلة يصبح أكثر ثقة بنفسه، لأن ثقته لا تقوم على الخوف من الآخر أو الابتعاد عنه، وإنما تقوم على معرفة الذات والقدرة على الحوار والتعلم والاختيار، وعندها يتحول الاختلاف من مصدر للقلق إلى فرصة جديدة، ويتحول الآخر من صورة مجهولة يخشاها الإنسان إلى تجربة يمكن أن يتعلم منها، وتصبح المعرفة الإنسانية الواسعة مجالا مشتركا تستطيع الشعوب من خلاله أن تطور حياتها وتحسن شروط وجودها وتصنع مستقبلا أكثر قدرة على استيعاب التنوع والتغير.



اضف تعليق