إن الشعور بالسيادة الوطنية لا يعني مجرد رفع الشعارات أو التعبير عن حب الوطن، وإنما يتضمن إحساس الفرد بأن وطنه يمتلك مؤسساته القادرة على حماية المجتمع، وأن القانون يحظى بالاحترام... فالطالب العراقي ليس مجرد متلقٍ للمعرفة، بل هو طاقة بشرية تمثل مستقبل الدولة والمجتمع، وكلما امتلك وعياً وطنياً متوازناً وشعر بالأمان، أصبح أكثر قدرة على مواجهة التحديات...
بقلم: علي فريد محمد السامرائي

تعد السيادة الوطنية من المفاهيم الأساسية التي تعبّر عن استقلال الدولة وقدرتها على إدارة شؤونها واتخاذ قراراتها بما ينسجم مع مصالح شعبها، بعيدًا عن أي تأثير أو إملاء خارجي. ولا تقتصر أهمية السيادة الوطنية على الجانب السياسي والقانوني للدولة، بل تمتد آثارها إلى الجوانب الاجتماعية والنفسية والثقافية، إذ إن شعور الفرد بأن وطنه يمتلك قراره ويحافظ على أمنه وكرامته يمكن أن ينعكس على شعوره بالانتماء والطمأنينة والاستقرار النفسي.

ويُعدّ الطلبة من أكثر الفئات تأثرًا بالتحولات التي يشهدها المجتمع؛ لأن المرحلة الجامعية تمثل مرحلة مهمة في بناء شخصية الإنسان وتكوين اتجاهاته الفكرية والاجتماعية. فالطالب لا يعيش بمعزل عن الأحداث المحيطة به، وإنما يتفاعل معها ويتأثر بما يحدث في وطنه من تغيرات سياسية واقتصادية واجتماعية وأمنية. ومن هنا تبرز أهمية دراسة العلاقة بين الشعور بالسيادة الوطنية والاستقرار النفسي لدى الطلبة العراقيين.

إن الشعور بالسيادة الوطنية لا يعني مجرد رفع الشعارات أو التعبير عن حب الوطن، وإنما يتضمن إحساس الفرد بأن وطنه يمتلك مؤسساته القادرة على حماية المجتمع، وأن القانون يحظى بالاحترام، وأن المواطن يمتلك حقوقًا وواجبات واضحة، وأن مستقبل البلاد يُبنى من خلال مشاركة أبنائها وتحملهم لمسؤولياتهم. وعندما يشعر الطالب بأن وطنه قادر على إدارة شؤونه وحماية مصالحه، فإن ذلك قد يعزز لديه الإحساس بالثقة والانتماء والمسؤولية.

أما الاستقرار النفسي، فيشير إلى حالة من التوازن النسبي التي يستطيع فيها الفرد التعامل مع متطلبات الحياة وضغوطها بصورة أكثر هدوءًا وواقعية، مع قدر من الشعور بالأمان والرضا والثقة بالنفس. ولا يعني الاستقرار النفسي غياب المشكلات أو الضغوط، وإنما قدرة الإنسان على التعامل معها دون أن تؤدي بصورة مستمرة إلى اضطراب حياته أو إضعاف قدرته على الدراسة والتفاعل الاجتماعي.

وتظهر العلاقة بين السيادة الوطنية والاستقرار النفسي بصورة واضحة عندما ننظر إلى البيئة التي يعيش فيها الطالب. فالبيئة المستقرة التي يشعر فيها الفرد بالأمان والانتماء وإمكانية المشاركة في بناء المجتمع يمكن أن توفر ظروفًا أكثر ملاءمة للنمو النفسي والاجتماعي. وفي المقابل، فإن استمرار مشاعر عدم اليقين أو فقدان الثقة بالمستقبل قد ينعكس على نظرة الطالب إلى ذاته ومجتمعه ومستقبله.

ويحتل الأمن والاستقرار الاجتماعيان مكانة مهمة في حياة الطلبة؛ فالطالب يحتاج إلى بيئة تساعده على التركيز في دراسته وبناء مستقبله. وعندما تكون البيئة المحيطة به مستقرة نسبيًا، يصبح أكثر قدرة على التخطيط للمستقبل، وتطوير مهاراته، وتكوين علاقات اجتماعية متوازنة. أما في البيئات التي تسود فيها حالة مستمرة من القلق أو التوتر المجتمعي، فقد يجد الطالب نفسه منشغلًا بقضايا تتجاوز متطلبات حياته الجامعية.

ومن جانب آخر، فإن الشعور بالانتماء الوطني يمكن أن يمنح الطالب معنى أوسع لدوره في المجتمع. فالطالب عندما يرى نفسه جزءًا من وطنه، لا ينظر إلى التعليم بوصفه وسيلة للحصول على شهادة فقط، وإنما بوصفه طريقًا للإسهام في بناء المجتمع. ومن هنا يمكن أن تتحول الجامعة إلى مساحة لتعزيز المسؤولية الوطنية، والحوار، واحترام الاختلاف، والعمل المشترك.

وفي السياق العراقي، تكتسب هذه المسألة أهمية خاصة؛ لأن المجتمع العراقي مرّ خلال العقود الماضية بتحولات وتحديات متعددة تركت آثارًا في مختلف جوانب الحياة. ولذلك فإن بناء جيل جامعي يمتلك وعيًا وطنيًا متوازنًا يمثل جزءًا مهمًا من بناء مستقبل أكثر استقرارًا. فالوعي بالسيادة الوطنية ينبغي أن يقوم على احترام الدولة والقانون والمؤسسات، وتعزيز المواطنة، ونبذ العنف والتطرف، واحترام التنوع الذي يتميز به المجتمع العراقي.

كما أن للجامعة دورًا مهمًا في هذا المجال، فهي ليست مؤسسة تعليمية لنقل المعرفة فحسب، وإنما بيئة لتكوين الشخصية وتنمية التفكير النقدي والمسؤولية الاجتماعية. ويمكن للجامعات أن تسهم في تعزيز الوعي الوطني من خلال الندوات والحوارات والأنشطة الثقافية التي تتيح للطلبة مناقشة مفهوم الوطن والسيادة والمواطنة بصورة علمية بعيدة عن التعصب والانفعال.

ومن المهم أيضًا التأكيد أن تعزيز الشعور بالسيادة الوطنية لا ينبغي أن يكون على حساب حرية التفكير أو الاختلاف في الرأي، بل إن المواطنة الواعية تقوم على الجمع بين الانتماء للوطن واحترام حقوق الآخرين. فالطالب الذي يشعر بأنه مواطن له حقوق وعليه واجبات، وأن صوته وأفكاره يمكن أن تكون جزءًا من عملية بناء المجتمع، يكون أكثر قدرة على تكوين علاقة إيجابية مع وطنه ومؤسساته.

وفي الختام، يمكن القول إن الشعور بالسيادة الوطنية يمثل أحد العوامل التي تستحق الدراسة في علاقتها بالاستقرار النفسي لدى الطلبة العراقيين، لما يرتبط به من مفاهيم الأمن والانتماء والثقة بالمستقبل والمسؤولية الاجتماعية. وإن بناء بيئة جامعية مستقرة لا يعتمد على الجانب الأكاديمي وحده، بل يحتاج أيضًا إلى تعزيز شعور الطالب بالانتماء والمواطنة والقدرة على المشاركة الإيجابية في مجتمعه.

إن الطالب العراقي ليس مجرد متلقٍ للمعرفة، بل هو طاقة بشرية تمثل مستقبل الدولة والمجتمع. وكلما امتلك وعيًا وطنيًا متوازنًا، وشعر بالأمان والانتماء والمسؤولية، أصبح أكثر قدرة على مواجهة التحديات وبناء مستقبله بصورة إيجابية. ولذلك فإن الاهتمام بالجانب النفسي للطلبة ينبغي أن يترافق مع الاهتمام بالبيئة الوطنية والاجتماعية التي يعيشون فيها، لأن استقرار الإنسان لا ينفصل بصورة كاملة عن استقرار المجتمع الذي ينتمي إليه.

اضف تعليق