المرة الأخيرة التي لا يخبرك بها أحد

سامحني... لم أكن أعلم أنها آخر مرة

يركز النص على فكرة اللحظات الأخيرة التي لا ندرك قيمتها إلا بعد الفقد، وما يتركه التأجيل من ندم طويل على كلمات لم تُقل، ولقاءات لم تُطل، وعناق لم يُمنح. ويحث على التعبير عن الحب والاعتذار والاهتمام قبل فوات الأوان، لأن الموت قد يحول التفاصيل اليومية البسيطة إلى ذكريات مؤلمة...

قبل أن تبدأ القراءة، تذكّر شخصًا تحبه. شخصًا تستطيع الآن أن تتصل به، أن تسمع صوته، أن تخبره أنك اشتقت إليه. تذكّره جيدًا، ثم تخيّل للحظة أن هذه الفرصة انتهت، إلى الأبد.

تخيّل أن هاتفه سيرنّ للمرة الأخيرة، وأن صورته ستبقى كما هي، بينما يمضي العالم كله من حولها. تخيّل أن هناك كلمة واحدة فقط كانت تفصل بينك وبين راحة قلبك، لكنك لم تقلها. عناقًا واحدًا أخّرته. رسالة واحدة ظننت أن إرسالها يمكن أن ينتظر حتى الغد. ثم جاء الموت أسرع من الغد.

بعض النصوص لا تُقرأ بالعينين، بل بالجروح القديمة. وهذا النص واحد منها؛ لأنه لا يتحدث عن الموت فقط، بل عن تلك الطعنة التي تأتي بعده. عن الكلمات التي ماتت في حناجرنا، وعن الأبواب التي كان يجب أن نطرقها فلم نفعل، وعن الأشخاص الذين رحلوا وهم يظنون أننا لا نشتاق إليهم كما كانوا يشتاقون إلينا.

وربما، بين هذه السطور، ستجد وجهًا غاب منذ سنوات وما زلت تبحث عنه في الزحام، وصوتًا ما زال يزورك في منتصف الليل، ودمعة أخفيتها طويلًا حتى أقنعت نفسك أنك تجاوزت الفقد، ثم اكتشفت أن بعض الأحزان لا تُشفى أبدًا، بل تتعلّم فقط كيف تسكن القلب دون أن تُحدث ضجيجًا.

فإن شعرت وأنت تقرأ أن صدرك يضيق، وأن عينيك تلمعان بالدموع، فلا تحاول المقاومة؛ لأن هذا النص ليس عن الذين رحلوا فقط، بل عن الجزء الذي أخذوه معهم من أرواحنا حين رحلوا، وعن ذلك الندم الثقيل الذي يبقى جالسًا إلى جوارنا طوال العمر، يهمس لنا كل ليلة: «لو كنت أعلم أنها آخر مرة».

الذين أخذوا معهم نصف أرواحنا

لا شيء يُحطم الإنسان مثل فكرة أن هناك أشخاصًا ماتوا وهم ينتظرون منا شيئًا صغيرًا جدًا: مكالمة، رسالة، حضنًا دافئًا. ربما كلمة: «سامحني»، أو كلمة: «أحبك»، أو حتى سؤالًا عابرًا: «كيف حالك؟». ثم ماتوا، ومات معهم كل شيء.

تخيّل رجلًا عجوزًا يجلس في مساء بارد، ينظر كل دقيقة إلى باب بيته معتقدًا أن ابنه سيأتي اليوم. يفكر: ربما تأخر في العمل. ربما ازدحم الطريق. ربما سينقر الجرس بعد قليل.

فيرتب كلماته في رأسه، ويجهز ابتسامة اشتاق إليها شهورًا، ويجلس منتظرًا، ثم يموت قبل أن يُفتح الباب، بينما الابن كان يظن أن هناك وقتًا كافيًا للزيارة.

دائمًا نعتقد أن هناك وقتًا، وهذه هي الكذبة الكبرى. نعتقد أن أمهاتنا سيبقين هنا عامًا آخر، وأن آباءنا سيعيشون حتى نحقق أحلامنا، وأن أصدقاءنا سيظلون يجيبون على هواتفهم، وأن الذين نحبهم يمكن تأجيل الحديث معهم إلى الغد. لكن الغد وحش مفترس، يأكل ملايين الأمنيات كل يوم.

كم هو مؤلم أن تفتح هاتف شخص مات فتجد آخر رسالة منه لم ترد عليها، رسالة عادية جدًا: «اتصل بي عندما تكون متفرغًا»، ثم لا تتصل، ثم يموت. وتبقى تلك الجملة في الهاتف سنوات، كأنها قبر صغير مضيء. وكلما رأيتها تشعر أن قلبك يُسحق مرة أخرى.

لأن الموت مؤلم، لكن الندم أشد. الموت يأخذ الأحباء، أما الندم فيبقى مع الأحياء.

هناك أشخاص يعيشون عشرين سنة بعد فقدان أحبائهم، لكنهم في الحقيقة لم ينجوا من آخر مرة رأوهم فيها. ما زالوا عالقين هناك: في ذلك الباب، في ذلك المستشفى، في ذلك الرصيف، في تلك الدقيقة، في تلك النظرة. ما زال جزء منهم راكعًا في الماضي يبكي.

أتعرف ما الشيء الأكثر فظاعة؟ أن الميت لا يعلم حجم الكارثة التي تركها خلفه.

الأم التي رحلت لا تعرف أن ابنتها ما زالت تبكي كلما رأت ثوبًا يشبه ثيابها.

والأب الذي مات لا يعرف أن ابنه ما زال يبحث عن صوته بين التسجيلات القديمة.

والصديق الذي غاب لا يعرف أن أحدهم ما زال يكتب له الرسائل في رأسه كل ليلة.

لا أحد يخبر الموتى أن هناك أناسًا مات نصفهم يوم رحلوا، وأن النصف الآخر يواصل التنفس فقط. فقط يتنفس، لا أكثر.

لا أحد يخبرك أنها المرة الأخيرة عندما تحدث. آخر مرة ضحكت فيها مع شخص أحببته، لم تكن تعلم أنها الأخيرة. آخر مرة سمعت صوته، آخر رسالة قرأتها منه، آخر عناق، آخر لقاء، آخر نظرة عابرة ظننت أنها ستتكرر ألف مرة.

نحن نعيش حياتنا وكأن كل شيء سيبقى كما هو، وكأن الأشخاص الذين نحبهم خالدون في أيامنا، وكأن الأبواب التي نغلقها اليوم سنفتحها غدًا بسهولة.

لكن الحياة لا تعطي إنذارًا أخيرًا. في يوم ما، ستتذكر حديثًا عاديًا جدًا، وستبكي. ستتذكر ضحكة لم تمنحها اهتمامًا، وكلمة وداع قلتها على عجل، ومكالمة أنهيتها لأنك كنت مشغولًا، وستكتشف بعد فوات الأوان أنها كانت آخر مرة.

أقسى ما في «آخر مرة» أنها لا تبدو مختلفة عن كل المرات السابقة.

لا موسيقى حزينة ترافقها، ولا إشارات تحذير، ولا صوت يخبرك أن تتمهل قليلًا، أن تنظر أكثر، أن تعانق أطول، أن تقول «أحبك» مرة إضافية.

فجأة يصبح كل شيء ذكرى، ويصبح الشخص الذي كان يملأ أيامك مجرد صورة، وصوت محفوظ في قلبك، وحنين لا يجد طريقًا للعودة. ثم تقضي العمر كله تتمنى دقيقة واحدة فقط، دقيقة واحدة لتعود إلى تلك «المرة الأخيرة» التي لم تعرف أنها الأخيرة.

لتطيل الحديث قليلًا، لتؤجل الرحيل قليلًا، لتقول ما سكتّ عنه، لتحتضن من فقدته بقوة أكبر. لكن الزمن لا يعود، ويبقى في القلب وجع صغير اسمه: «لو كنت أعلم أنها آخر مرة، لما غادرت بهذه السرعة».

بعض الناس لا يكسرهم الفراق، بل تكسرهم فكرة أنهم لم يعرفوا أن ذلك اللقاء كان الأخير.

إن فكرة «آخر مرة» مرعبة لأننا لا نلاحظها أبدًا. آخر مرة سمعت فيها صوت أمك، آخر مرة قبّلت فيها يد أبيك، آخر مرة ضحك فيها أخوك أمامك، آخر مرة سمعت صديقك يقول اسمك.

انتهت، وانقضت، وابتلعتها السنوات، ولم يخبرك أحد أنها الأخيرة.

ولهذا السبب، عندما يتذكر الناس موت أحبائهم، فهم لا يبكون لحظة الوفاة فقط، بل يبكون كل اللحظات التي سبقتها. يبكون المكالمة التي لم يردوا عليها، والزيارة التي أجلوها، والاعتذار الذي تأخروا فيه، والحضن الذي بخلوا به، والكلمات التي ظلت حبيسة صدورهم حتى أصبحت بلا فائدة.

ثم يأتي الليل، ذلك الليل اللعين، حين ينام العالم كله، ويستيقظ الغياب، فتجلس وحدك، تحدق في صورة لا تتحرك.

وتدرك فجأة أن الشخص الموجود فيها لن يشيخ أبدًا، لن يتصل أبدًا، لن يطرق الباب أبدًا، لن يضحك أبدًا، لن يعود أبدًا. وعندها، لا تبكي لأنك فقدته فقط، بل لأنك عرفت متأخرًا جدًا أن تلك المرة التي استعجلت فيها الوداع، وتلك اللحظة التي قلت فيها: «سأراه لاحقًا»، كانت هي «لاحقًا» الأخيرة في حياتك كلها.

الأبواب التي أغلقتها الحياة إلى الأبد

أوجع ما في الحياة أن كل شيء جميل ينتهي في لحظة عادية جدًا، دون أن يخبرك أنها اللحظة الأخيرة. فآخر مرة لا تطرق الباب قبل أن تأتي، ولا ترسل رسالة تحذير، ولا تترك لك فرصة للاستعداد. تمر بين أيامك بهدوء، متنكرة في ثوب يوم عادي، ثم تختفي إلى الأبد. وتمضي السنوات بعد ذلك وأنت تحاول عبثًا أن تعود إليها.

آخر مرة رأيت فيها أبي يبتسم، آخر مرة قبّلت فيها يد أمي، آخر مرة جلست فيها مع صديق ظننت أنه سيبقى العمر كله بقربك، آخر مرة سمعت صوت شخص كنت تظن أن الحياة لا يمكن أن تمضي يومًا واحدًا بدونه؛ كلها كانت مرات عادية جدًا.

لم يكن هناك ما يوحي بأنها النهاية. كنت تؤجل الكلام، وتؤجل الحب، وتؤجل الاعتذار، وتؤجل العناق. كنت تظن أن الغد موجود دائمًا، لكن الغد أحيانًا لا يأتي. وفجأة تصبح كل الطرق التي كانت تؤدي إلى شخص ما مغلقة.

كل الرسائل التي كنت تستطيع إرسالها، بلا عنوان. كل الكلمات التي احتفظت بها، بلا مستمع. كل الحب الذي أخفيته، بلا قلب يصل إليه.

ثم تبدأ رحلة الندم الطويلة، رحلة البحث داخل الذاكرة عن أدق التفاصيل.

عن نبرة الصوت، عن ملامح الوجه، عن الضحكة التي لم تنتبه إليها، عن النظرة التي مرت سريعًا، عن آخر كلمة قيلت، عن آخر وداع.

وتكتشف أن الإنسان لا يتذكر اللحظات الكبيرة كما يتذكر الأشياء الصغيرة. يتذكر كوب القهوة الذي شربه معه، والمقعد الذي جلسا عليه، والطريق الذي سارا فيه معًا. يتذكر ضحكة عابرة، ومزحة سخيفة، وجملة لم يكن لها أي معنى وقتها.

ثم تصبح هذه الأشياء البسيطة أثمن من كنوز الأرض كلها؛ لأنها كل ما تبقى، كل ما تبقى من شخص لن يعود. وما أقسى أن تدرك بعد سنوات أنك كنت تعيش أجمل أيام عمرك دون أن تعرف.

كنت تتذمر من الأيام وهي النعيم نفسه. كنت تشتكي من الزحام، بينما هناك من يتمنى دقيقة واحدة فقط من تلك الأيام. دقيقة واحدة، ستون ثانية فقط، ليجلس مجددًا مع من فقد، ليسمع صوته، ليقول له: «انتظر قليلًا... لا ترحل الآن».

لكن الحياة لا تسمع التوسلات المتأخرة؛ فالقطارات التي تغادر لا تعود، والأعمار التي تمضي لا تلتفت خلفها، والأشخاص الذين أخذتهم الأقدار لا يفتحون الأبواب مرة أخرى.

وفي ليالٍ كثيرة، بينما ينام الجميع، يبقى الإنسان مستيقظًا مع ذاكرته، يتأمل صورًا قديمة، ويقرأ رسائل قديمة، ويستمع إلى تسجيلات قديمة، ويبكي على أشياء لم يكن يظن يومًا أنها ستجعله يبكي.

يبكي لأنه لم يحتضنهم أكثر، لأنه لم يتحدث معهم أكثر، لأنه انشغل عنهم بأشياء نسيها هو نفسه، بينما هم رحلوا وبقي وجع رحيلهم.

ويبقى سؤال واحد يطارده حتى آخر العمر: ماذا لو كنت أعلم؟ ماذا لو كنت أعلم أن تلك الضحكة هي الأخيرة؟ وأن ذلك اللقاء هو الأخير؟ وأن ذلك الباب الذي أغلقته خلفي لن أفتحه مرة أخرى أبدًا؟ ماذا لو كنت أعلم أنني أنظر إلى وجهه للمرة الأخيرة؟

هل كنت سأرحل بهذه السرعة؟ هل كنت سأكتفي بهذا الكلام؟ هل كنت سأتركه يذهب دون عناق أطول؟ دون كلمة «أحبك»؟ دون اعتذار؟ دون أن أخبره كم كان يعني لي؟

لكن الحقيقة الموجعة أننا لا نعرف أبدًا أنها «آخر مرة» إلا بعد أن تصبح ذكرى، وبعد أن يصبح الوصول مستحيلًا، وبعد أن تمتلئ قلوبنا بتلك الأمنيات التي لا يمكن تحقيقها.

لهذا لا تبكِ فقط على من فقدتهم، ابكِ على كل الكلمات التي لم تقلها لهم، ابكِ على كل العناق الذي أجلته، ابكِ على كل مرة قلت فيها: «لاحقًا». فقد يكون «لاحقًا» هو الكلمة التي اخترعها الندم قبل أن يولد.

وفي نهاية العمر، لن يحطم قلبك ما فعلته، بل ما لم تفعله، وما لم تقله، ومن لم تعانقه، ومن لم تخبره أنك تحبه.

لأن أصعب حقيقة في هذه الحياة كلها هي أن الإنسان يستطيع أن يتحمل الفراق، لكنه لا يستطيع أن يتحمل فكرة أن آخر لقاء قد مرّ بالفعل، وأنه لم يكن يعلم أنه الأخير.

قبر صغير مضيء في شاشة هاتف

أحيانًا لا يكون القبر تحت التراب، بل في شاشة هاتف تضيء في منتصف الليل. رسالة قديمة من إنسان رحل، بضع كلمات عادية جدًا، لكنها تكفي اليوم لتمزيق قلبك ألف مرة؛ لأن صاحبها لم يعد موجودًا ليقرأ ردّك الذي تأخر كثيرًا.

تفتح المحادثة فتشعر وكأنك تزور ميتًا بصمت؛ تتأمل آخر ما كتبه، وتدرك أن بينك وبينه الآن مسافة لا تُقاس بالكيلومترات ولا بالسنوات، بل بشيء أكثر قسوة، اسمه: «فات الأوان».

هناك أشخاص لم نودعهم حقًا، خرجوا من يوم عادي، ثم تحولوا إلى حنين أبدي يسكن القلب حتى آخر نبضة.

حين قلت له: «إلى اللقاء» في آخر مرة، لم تعرف أن اللقاء لن يأتي أبدًا. لهذا أبكي. لا أبكي لأنك رحلت فقط، بل لأنني لم أعرف أنك راحل. أبكي لأنني لو عرفت لاحتضنتك أكثر، ولنظرت إلى وجهك أكثر، ولسمعت حديثك حتى آخر كلمة، ولأخبرتك كم أحببت وجودك في حياتي، وكم سيصبح العالم باردًا وموحشًا بعد غيابك.

لكنني لم أفعل. تركت اللحظة تمر، وتركت العمر يمر معها، وبقيت أنا هنا، أحمل عقوبة أبدية اسمها: «لو كنت أعلم أنها آخر مرة».

فبعض الأحزان لا تأتي من الفقد نفسه، بل من اللحظة التي ندرك فيها متأخرين أن أجمل لقاء في حياتنا انتهى، وأننا غادرناه بعجلة، بينما كان هو الوداع الأخير إلى الأبد.

وفي النهاية، لا يبقى من الإنسان إلا ما منحه للذين أحبهم. أما الكلمات التي أخفاها، والاعتذارات التي أجّلها، والعناق الذي بخل به، فتتحول إلى أشواك تسكن روحه ما بقي حيًا.

سيأتي يوم تفتح فيه صورة قديمة، فتتوقف أنفاسك للحظة؛ لأن الوجوه التي فيها لم تعد هنا، ولأنك ستتذكر فجأة أنك كنت تستطيع أن تقول أكثر، وأن تبقى أكثر، وأن تحب أكثر، لكنك لم تفعل. حينها لن يؤلمك أنهم رحلوا فقط، بل سيقتلك أنك لم تُدرك أنهم كانوا يودّعونك في كل مرة رأيتهم فيها. وما أقسى أن يحمل الإنسان في قلبه جنازة لا تنتهي، وأن يعيش بقية عمره وهو يطرق أبوابًا أغلقتها الأقدار، وينادي أسماءً لا يجيبه منها أحد.

فإن كان هناك شخص تحبه ما زال على قيد الحياة، فلا تؤجل شيئًا. اتصل به الآن، اكتب له الآن، احتضنه الآن؛ لأن بعض القبور لا تُدفن تحت التراب... بل تُدفن في كلمة لم تُقل، ورسالة لم تُرسل، ووداع مرّ مسرعًا، ثم ظلّ صاحبه يبكيه حتى آخر العمر.

سامحني، لم أكن أعلم أنها كانت آخر مرة.

* أكاديمي وكاتب فلسطيني

اضف تعليق