مستقبل الدولة القومية العراقية، لا يتوقف على حجم مواردها أو قدراتها العسكرية وحدها، بل على قدرتها في استعادة ثقة المواطن بالدولة والنظام السياسي، وتعزيز ثقته وارتباطه بمؤسسات الدولة من خلال انفاذ سيادة القانون بشكلٍ عادل، ومكافحة الفساد بصورة حقيقية، وإعادة تعريف مفهوم السلطة باعتبارها خدمة عامة لا امتيازًا سياسيًا...

لأكثر من ثلاثة قرون، وبالتحديد منذ عام 1648م، ظلت الدولة القومية الحديثة، تمَّثل الإطار السياسي والقانوني، الأكثر قدرة على تنظيم المجتمع، واحتكار استخدام القوة المشروعة وغير المشروعة، وضبط الأمن، وإدارة الاقتصاد الداخلي والخارجي، وصياغة العلاقات الخارجية والداخلية. فمنذ معاهدة صلح وستفاليا، تشَّكلت فكرة الدولة القومية ذات السيادة، بوصفها الجهة الوحيدة التي لها حق استخدام العنف المشروع، ولكونها الفاعل الرئيس في النظام السياسي الدولي، واللاعب الأساسي في الساحة الدولية؛ أصبحت الحدود الجغرافية والسلطة المركزية، عنوانًا للاستقرار والشرعية. 

إلا أنَّ السؤال الذي يطرح نفسه في الوقت الراهن، ولاسيّما في ظل التغَّيرات بطبيعة السلطة والتهديدات الأمنية والسيبرانية، ومع التطور التكنولوجي والتحوَّل الرقمي الذي يشهده عالم اليوم، وتغيرات السلطة في عصر ما بعد الحداثة: هل ما زالت الدولة القومية الحديثة قادرة على حماية نفسها، وأداء وظائفها التي أُنيطت بها؟

إنَّ الدول في الوقت الرهن، لم تعد تُقاس بمساحتها الجغرافية، أو في تعداد جيوشها، ولم يعد التحدي الذي يواجه الدول، يتمَّثل في الجيوش العابرة للحدود فقط، بل أصبح الأمر أكثر تعقيدًا. فالتحوَّل الرقمي، والشركات التكنولوجية العملاقة، التي تمتلك قدرة هائلة على التأثير في الرأي العام، ومنصات التواصل الاجتماعي، التي أصبحت تصنع اتجاهات سياسية واجتماعية مؤثرة في صناعة الرأي العام المحلي والعالمي، فضلًا عن ذلك، فقد أصبحت الجرائم المنظمة والهجمات السيبرانية والاقتصادات الرقمية، تتجاوز حدود الدول بسهولة. وفي ظل هذا الواقع، لم تعد السيادة مفهومًا جامدًا كما كانت في القرن السابع عشر، بل أصبحت قدرة الدولة على إدارة التداخلات العالمية دون أن تفقد قرارها الوطني.

ولعل العراق يمثل صورة واضحة على هذا التحوَّل، إذ لا تواجه الدولة العراقية في الوقت الراهن، تحديات أمنية تقليدية فحسب، وإنما تواجه منظومة متشابكة من الضغوط الداخلية والخارجية، تبدأ من حالة عدم الاستقرار السياسي، والانقسامات السياسية، واستشراء الفساد الإداري والمالي، وانتشار السلاح خارج سلطة الدولة، وضعف سلطة إنفاذ القانون، ولا تنتهي عند تأثيرات البيئة الإقليمية والدولية. 

وبينما تسعى الحكومة العراقية إلى ترسيخ سلطة المؤسسات، تجد نفسها أمام تحديات تتعلق بتعدد مراكز النفوذ، وتعقيد المشهد الأمني، والتأثير المتزايد للإعلام الرقمي في تشكيل الوعي الجمعي.

إنَّ أخطر ما يواجه الدولة العراقية في الوقت الراهن، ليس الفساد وانتشار السلاح خارج سلطة الدولة، والأزمات الاقتصادية فقط، وإنما الخطر يكمن في تراجع مفهوم الدولة، بوصفها المرجعية العليا للمجتمع، والكيان السياسي الوحيد القادر على فرض القوة المشروعة على الجميع، والحق في احتكار استخدامها، فضلًا عن حالة الاغتراب التي يعيشها المجتمع العراقي من الدولة والنظام السياسي.

 فعندما يفقد المواطن صفة المواطنة، ويضعف شعوره بأن القانون هو الفيصل، وأن المؤسسات هي الطريق الوحيد للحصول على الحقوق، تبدأ فكرة الدولة نفسها بالتآكل، حتى وإن بقيت مؤسساتها قائمة شكليًا. وهذا ما حدث للدولة العراقية، ولاسيّما في العقدين الأخيرين. إذ لم تُستَّثمر الدولة طيلة هذين العقديين في التربية والتعلم والاقتصاد والثقافة والفن، والتحوَّل الرقمي وبناء الإنسان، بقدر ما استثمرت في تهديم كيانها وبناء القدسية والكيانات المقدسة، وتنامي الفساد والجماعات المسلحة والانقسامات الأيديولوجية، وتقويض سلطة الدولة وأنفاذ القانون. 

بموازاة ذلك، فإن الدولة لم تعد تستطيع إدارة المجتمع بالوسائل التقليدية وحدها، والقوة العسكرية –على أهميتها– لم تعد كافية لتحقيق الاستقرار؛ لأن التجارب الحديثة، أثبتت أن الدول التي نجحت في تحقيق الاستقرار، هي تلك التي استثمرت في التعليم، والثقافة، والاقتصاد، والتحول الرقمي، وبناء الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة. 

فالقوة الناعمة أصبحت اليوم شريكًا حقيقيًا للقوة الصلبة، ليس على الصعيد الخارجي فحسب، وإنما على الصعيد الداخلي؛ لأن القوة الناعمة أن لم تتجَّسد داخليًا في سلوك الدولة والمجتمع ومؤسساتها بشكلٍ عام، فإنها لا تنفع على الصعيد الخارجي. كما أن التحول الرقمي أصبح يفرض تحديًا جديدًا على الدولة العراقية. 

فالحروب لم تعد تُخاض في الميدان فقط، وإنما في الفضاء الإلكتروني أيضًا، إذ تنتشر حملات التضليل، وتُدار عمليات التأثير النفسي، وتُصنع الأزمات أحيانًا عبر شاشة هاتف محمول؛ لذلك فإن الأمن الوطني، لم يعد يعني حماية الحدود فحسب، بل أصبح يشمل أيضًا حماية الفضاء المعلوماتي، وتعزيز الوعي المجتمعي، وبناء إعلام وطني قادر على مواجهة الشائعات وخطابات الكراهية. 

وهذا ليس معناه، دعوة للانغلاق، أو رفض الحداثة والتحديث، أو ورفض للعولمة، بقدر ما هو دعوة لحماية الدولة والمجتمع، والنهوض بهما، فالعالم اليوم قائم على الترابط والتكامل والاعتماد المتبادل. إلا أن مواكبة التطور والتحوَّل الرقمي، لا يعني التنازل عن مقومات الدولة، بل يعني امتلاك القدرة على التفاعل مع المتغيرات العالمية من موقع القوة والثقة بالنفس. فالدول الناجحة ليست تلك التي تقاوم التغيير، وإنما التي تُعيد بناء مؤسساتها بما ينسجم مع متطلبات العصر. 

والعراق كدولة وحضارة له من المقومات، ما يؤهله لاستعادة مكانة الدولة بوصفها الحاضن الجامع لجميع المواطنين. إذ يمتلك رصيدًا حضاريًا عريقًا، وموقعًا جيوسياسيًا مهمًا، وموارد بشرية واقتصادية كبيرة، وطبيعة ديموغرافية متنوعة، إلا أن تحويل هذه المقومات إلى عناصر قوة، يتطلب مشروعًا وطنيًا يعيد الاعتبار لمفهوم المواطنة، ويعزز استقلال المؤسسات، ويجعل القانون فوق جميع الانتماءات الفرعية.

إنَّ مستقبل الدولة القومية العراقية، لا يتوقف على حجم مواردها أو قدراتها العسكرية وحدها، بل على قدرتها في استعادة ثقة المواطن بالدولة والنظام السياسي، وتعزيز ثقته وارتباطه بمؤسسات الدولة من خلال انفاذ سيادة القانون بشكلٍ عادل، ومكافحة الفساد بصورة حقيقية، وإعادة تعريف مفهوم السلطة باعتبارها خدمة عامة لا امتيازًا سياسيًا. فالدولة التي تنجح في بناء عقد اجتماعي جديد، يقوم على المواطنة والكفاءة والعدالة، ستكون أكثر قدرة على مواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين مهما كانت تعقيداتها. 

وعليه فإن وظيفة الدولة في عصر التحوَّل الرقمي، مرتبط بقدرتها على تطوير أدواتها بما يكفي لمواجهة عالم لم يعد يشبه عالم وستفاليا، أو لم يشبه العالم الذي ولدت فيه، وفي الحالة العراقية، تبدو وظيفة الدولة مرتبطة بقدرتها على الانتقال من إدارة الأزمات إلى صناعة المستقبل، ومن منطق ردود الأفعال إلى بناء مشروع وطني يعيد للدولة هيبتها، وللمواطن ثقته، وللعراق مكانته التي يستحقها بين الأمم.

* مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2026

www.fcdrs.com

اضف تعليق