يطرح الكاتب قراءة فلسفية ومعرفية معاصرة لإعادة تعريف مفهوم المؤلف في ظل هيمنة أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي. ويناقش المقال التمييز الجوهري بين الإنتاج المادي للكلمات والسلطة الفكرية على النص، مؤكداً أن الاستعانة بالأدوات الحديثة لا تسلب الكاتب صفة التأليف طالما أنه هو صاحب المشروع والرؤية والمسؤولية الأخلاقية والتحليلية عما يُنشر...
أثار انتشار الذكاء الاصطناعي التوليدي سؤالًا جديدًا في عالم الكتابة: من هو المؤلف الحقيقي للنص الذي دخل الذكاء الاصطناعي في عملية إنتاجه؟ وقد تحول هذا السؤال، في بعض الأوساط، بسرعة إلى نوع من الاتهام؛ فما إن يبدو النص منظمًا، أو لغته سليمة، أو بناؤه محكمًا، حتى يسارع بعض القراء إلى القول إن الكاتب «استعان بالذكاء الاصطناعي»، وكأن إثبات الاستعانة بالأداة يكفي وحده لنزع صفة التأليف عن الإنسان. غير أن المسألة أكثر تعقيدًا من ذلك، لأنها تتصل أولًا بمعنى التأليف نفسه، وبالفرق بين إنتاج الكلمات وإنتاج الأفكار.
لم يكن المؤلف، حتى قبل ظهور الذكاء الاصطناعي، هو الشخص الذي يقوم بالضرورة بكل العمليات المادية والفنية التي يمر بها النص. فالكاتب قد يملي كلامه على سكرتير، ويعرض مخطوطته على مدقق لغوي، ويستعين بمحرر يعيد ترتيب بعض الفقرات، ويرجع إلى عشرات الكتب والموسوعات وقواعد المعلومات، ثم ينشر الكتاب باسمه، ولا يخطر ببال أحد أن يسلبه صفة المؤلف بسبب هذه المساعدات. ذلك أن مفهوم التأليف كان يقوم، بصورة ضمنية، على أن المؤلف هو صاحب المشروع الفكري، وصاحب الأفكار الأساسية والموقف والرؤية، وهو الذي يقرر في النهاية ماذا يريد أن يقول ويتحمل مسؤولية ما ينشره باسمه.
لقد جاء الذكاء الاصطناعي ليجعل هذه المسألة أكثر وضوحًا، لأنه لم يعد مجرد أداة لتصحيح الإملاء أو البحث عن معلومة، وإنما أصبح قادرًا على المشاركة في الصياغة والترتيب والتلخيص والمقارنة واقتراح الحجج والعناوين، بل وعلى إنتاج مسودة كاملة خلال ثوانٍ. وهنا أصبح من الضروري أن نعيد النظر في مفهوم المؤلف، لا أن نكتفي بالسؤال السطحي: هل كتب الإنسان هذه الجملة بنفسه أم كتبها الذكاء الاصطناعي؟
السؤال الأصح هو: من قام بالفعل الفكري الذي أنتج النص؟
يمكن تصور حالتين مختلفتين تمامًا. في الحالة الأولى يطلب شخص من برنامج للذكاء الاصطناعي أن يكتب له مقالًا عن موضوع لا يمتلك بشأنه فكرة محددة أو موقفًا واضحًا، ثم يأخذ النص الناتج وينشره باسمه كما هو. هنا تكون مساهمته الفكرية محدودة جدًا، ويصبح من المشروع التساؤل عن مقدار استحقاقه صفة المؤلف بالمعنى الفكري العميق للكلمة.
أما الحالة الثانية فهي مختلفة جذريًا. يكون الإنسان قد اشتغل على قضية سنوات طويلة، ويمتلك منظومته الفكرية ومصطلحاته ومواقفه، ويحدد الموضوع الذي يريد الكتابة فيه، ويقدم الأفكار والمحاور والفرضيات، ثم يدخل في حوار طويل مع الذكاء الاصطناعي: يقبل بعض اقتراحاته ويرفض بعضها، ويصحح المعلومات، ويغير البناء، ويطلب إعادة الصياغة، ويضيف أفكارًا جديدة، ويعترض على استنتاجات معينة، ويحدد المصطلحات التي يريد استخدامها، إلى أن يصل النص إلى الصورة التي تعبر عن رؤيته. هل يصح في هذه الحالة القول إن الذكاء الاصطناعي هو المؤلف؟
أعتقد أن الجواب ينبغي أن يكون بالنفي. فالذكاء الاصطناعي هنا شارك في عملية الإنتاج النصي، لكنه لم يكن صاحب المشروع الفكري. والفرق بين الأمرين كبير.
يمكن تشبيه ذلك، مع إدراك الفروق، بالهندسة المعمارية. فالمهندس لا يضع الطابوق بيده، ولا يصنع الأبواب، ولا يمد الأسلاك الكهربائية، ومع ذلك ينسب التصميم المعماري إليه لأن الصورة الكلية للمبنى نشأت في عقله وتحت إشرافه ووفق قراراته. وكلما ازدادت الأدوات تطورًا، لم يؤد ذلك بالضرورة إلى اختفاء صاحب المشروع، وإنما تغير شكل العمل الذي يقوم به.
لكن الذكاء الاصطناعي يفرض علينا في الوقت نفسه مسؤولية أكبر، وليس أقل. فكلما ازدادت قدرة الأداة على إنتاج النصوص، ازدادت ضرورة أن يكون الإنسان قادرًا على الحكم عليها. يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يقدم معلومة خاطئة بصياغة مقنعة، أو أن يبني حجة تبدو متماسكة وهي ضعيفة، أو أن يقترح مرجعًا غير دقيق، أو أن ينتج لغة جميلة تخفي وراءها فكرة سطحية. ولذلك لا تكفي عملية إصدار الأوامر لكي يصبح الإنسان مؤلفًا؛ بل لا بد من المعرفة والنقد والاختيار والمراجعة والمسؤولية.
ومن هنا أقترح معيارًا مختلفًا لتحديد المؤلف في عصر الذكاء الاصطناعي: ملكية النص الفكرية لا تقاس بعدد الكلمات التي كتبها الإنسان بيده، وإنما بمقدار سلطته الفكرية على النص ومسؤوليته عنه.
وهذه السلطة يمكن معرفتها من مجموعة أمور مترابطة: من أين جاءت الفكرة الأساسية؟ من حدد السؤال الذي يعالجه النص؟ من اختار المنهج؟ من اتخذ الموقف؟ من حكم على صحة المعلومات والحجج؟ من قرر قبول فقرة ورفض أخرى؟ ومن يستطيع الدفاع عن الأفكار المنشورة عندما يتعرض لها قارئ بالنقد؟ فإذا كان الإنسان يقوم بهذه الوظائف، فإن الاستعانة بالذكاء الاصطناعي لا تلغي تأليفه، وإنما تغير الطريقة التي يمارس بها التأليف.
بل إن ظهور الذكاء الاصطناعي قد يدفعنا إلى اكتشاف أن الكتابة لم تكن يومًا مجرد تحريك الأصابع فوق لوحة المفاتيح. القيمة الحقيقية للكاتب ليست في قدرته على إنتاج ثلاثة آلاف كلمة، وإنما في امتلاكه شيئًا يستحق أن يقال. وقد يستطيع الذكاء الاصطناعي إنتاج الكلمات أسرع من أي إنسان، لكنه لا يستطيع أن يحل محل التجربة التاريخية للكاتب، ولا مشروعه الفكري المتراكم، ولا مسؤوليته الأخلاقية، ولا موقعه داخل مجتمعه، ولا الغاية التي يريد الوصول إليها من الكتابة.
لهذا أعتقد أننا نتجه نحو شكل جديد من تقسيم العمل الفكري بين الإنسان والآلة. ستتولى الآلة بصورة متزايدة بعض الأعمال التي كانت تستهلك وقت الكاتب: ترتيب المادة، ومقارنة النصوص، واقتراح الصياغات، واختبار الاعتراضات، والبحث الأولي، وإعادة التنظيم. وفي المقابل سوف ترتفع قيمة الوظائف الإنسانية العليا: تحديد الأسئلة، وبناء المفاهيم، والنقد، والاختيار، والحكم، وصناعة الرؤية، وتحمل المسؤولية.
ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن نوجهه إلى كاتب المستقبل لن يكون: هل استعنت بالذكاء الاصطناعي؟ فهذا السؤال قد يصبح بعد سنوات شبيهًا بسؤال الكاتب اليوم: هل استعنت بالحاسوب في كتابة مقالك؟ وإنما سيكون السؤال الأهم: ماذا أضفت أنت إلى ما تستطيع الآلة أن تنتجه؟
عند هذه النقطة يظهر الفرق بين كاتب يستخدم الذكاء الاصطناعي، وذكاء اصطناعي يستخدم اسم كاتب. الأول يمتلك مشروعًا ويوظف الأداة لتطويره، والثاني لا يمتلك سوى الأداة ويستعير منها مشروعًا مؤقتًا ينشره باسمه.
إن الذكاء الاصطناعي لا يعلن نهاية المؤلف، لكنه يجبرنا على إعادة تعريفه. فالمؤلف في العصر الجديد لن يكون بالضرورة الشخص الذي كتب كل كلمة، وإنما الإنسان الذي امتلك الفكرة، وقاد عملية إنتاج النص، ومارس النقد والاختيار، وأضاف قيمته الفكرية الخاصة، ثم تحمل المسؤولية الكاملة عما نُشر باسمه.
وبهذا المعنى، لن تكون القضية الحقيقية في عصر الذكاء الاصطناعي هي الدفاع عن الكتابة القديمة في مواجهة الكتابة الجديدة، وإنما حماية القيمة الإنسانية داخل عملية إنتاج المعرفة. فالأداة يمكن أن تتغير، وقد تصبح أكثر قوة بما لا نستطيع اليوم توقعه، لكن السؤال الحضاري سيبقى واحدًا: ما القيمة التي أضافها الإنسان؟



اضف تعليق