لعل الأخطر من الفساد المالي هو فساد النفوس والعقول، حين يصبح التخريب فعلاً يومياً تقوم به مؤسسات يفترض أن تكون رافعة النهوض بالدولة والعاكسة لصورتها المثالية المنضبطة أمام المجتمع، لكنها تحولت إلى إرضة راحت تنخر بجسد الدولة حتى حولت مؤسساتها إلى أشبه بمغارات للأشباح! فالشعوب لا تُهزم وإن خسرت الكثير من الحروب، طالما بقيت منظومة القيم فاعلة فيها...

في الجلسات العامة والخاصة، وفي السيارة والمقهى، وفي المناسبات الاجتماعية، صار من الطبيعي أن تسمع أحد العراقيين يتحدث إلى شخص قربه، أو في الهاتف، أو إلى مجموعة من الموجودين حوله، قائلًا إنه دفع كذا مبلغًا من أجل تعيين ابنه أو أحد أقاربه، ولا يجد المتحدث حرجًا حين يقول إنهم، ويقصد الجهة المرتشية، طلبوا مبلغًا أكبر، لكنه أقنعهم أو استعطفهم، وربما وجد وسيطًا سهّل عليه المهمة وقلل المبلغ نسبيًا! 

هذا الطرح المخيف حقًا يلقى ترحيبًا ومباركة من قبل الحاضرين، حين يجاملون المتحدث ويظهرون فرحًا مصطنعًا بتعيين الابن أو القريب. ربما لم يعتقد هذا الشخص أنه يتحدث بما يتعارض مع القانون، وقبل ذلك مع قيم السماء والأرض، والسبب هو أن هذا الأمر، ونقصد طلب الرشى، بات ثقافة طبيعية، أو أصبح كذلك مع مرور السنين واعتياد الناس عليها، بعد أن استشرى بشكل مخيف في العقدين الأخيرين، ولا أحد يقول إن الفساد لم يكن موجودًا قبل هذا، لكن بالتأكيد ليس بهذا التغول المرعب!

لقد بلغ الفساد مديات بعيدة جدًا، وصار متمكنًا بفعل غياب القانون والدولة الحازمة، وتحول المؤسسات إلى إقطاعيات موزعة بين الأحزاب والمكاتب الاقتصادية التابعة لها، وصار الفاسد الذي يركب السيارة الحديثة ويتسلم موقعًا مهمًا هو الأكثر احترامًا والأكثر مهابة، للأسف، أو هكذا صارت صورة واقعنا الاجتماعي في ظل واقع سياسي مريض ودولة مشلولة. 

لعل الأخطر من الفساد المالي هو فساد النفوس والعقول، حين يصبح التخريب فعلًا يوميًا تقوم به مؤسسات يفترض أن تكون رافعة النهوض بالدولة والعاكسة لصورتها المثالية المنضبطة أمام المجتمع، لكنها تحولت إلى إرضة راحت تنخر بجسد الدولة حتى حولت مؤسساتها إلى أشبه بمغارات للأشباح! فعندما يسمع الصبي والتلميذ والشاب الذي يدرس في الجامعة، أن فلانًا لم يتعين إلا بعد أن دفع أهله مبلغًا من المال، ويكون هذا الحديث طبيعيًا بين الناس، فسينشأ على ثقافة مشوهة، ويجد أن هذا الفعل هو السلوك الصحيح أو الطبيعي، ويؤشر بشكل واضح إلى أن الفساد بات ثقافة عامة.

وأصبحت منظومة القيم الإنسانية والأخلاقية مهددة بشكل حقيقي، وبالنتيجة تصبح الدولة نفسها عاجزة عن أن تكون مظلة آمنة للشعب، كما هو دورها، ويصبح المجتمع معرضًا للاختراقات المختلفة، أو قل: هكذا ضاعت أمم ودول على مر التاريخ، بعد أن عصف بها طاعون الفساد، وباتت مهلهلة، وجاء من انقض عليها وغيّبها إلى الأبد، والشواهد كثيرة أمام من يقرأ التاريخ، فالشعوب لا تُهزم وإن خسرت الكثير من الحروب، ومرت بها أهوال وكوارث، طالما بقيت منظومة القيم فاعلة فيها، وهناك من يحرص على إدامتها وتكريسها، لكنها تُهزم وتتشتت وتختفي إذا ما أصيبت بأمراض من داخلها، واستعصى عليها حلها، بسبب إمساك من هم غير مؤهلين لقيادتها، وهذا للأسف ما حصل عندنا، وبشكل غير مسبوق في العقدين الأخيرين، وما زلنا ندفع ثمنه، ولا بد من أن يتوقف، وإلا سيختفي العراق، وتختفي منظومته الأخلاقية التي تعيش امتحانًا كبيرًا بصدق، ولا بد من أن ينتهي الفساد ويُضرب بقوة قبل فوات الأوان.

اضف تعليق