تكمنُ المعضلةُ في الفجوةِ الكبيرةِ بينَ ما يُعلنُ من إنجازاتٍ وما يعيشُهُ المواطنُ فعلياً؛ فالمشاريعُ غالباً ما تُنفذُ لتلبيةِ ضغطٍ سياسيٍّ أو إعلاميٍّ بعيداً عن الدراساتِ الاستراتيجيةِ. إنَّ المواطنَ يقيسُ الإنجازَ بتأثيرِهِ على حياتِهِ لا بأعدادِهِ، وما لم تتحولْ هذهِ الأرقامُ إلى حلولٍ واقعيةٍ سيبقى العراقُ يدورُ في حلقةِ الأزماتِ المفرغةِ...

أزمة البنية التحتية في العراق من الازمات المزمنة على مدار العقدين الماضيين، حتى باتت من المظاهر الواضحة ومن المؤشرات المهمة على تقصير الحكومات المتعاقبة على مدار السنوات الماضية، بينما الجهات المعنية تعلن بين فترة وأخرى عن انجاز وهمي بمواصفات لا نراها الا على الورق.

انتشرت في الأيام الماضية صورة على مواقع التواصل الاجتماعي، توضح حالة البؤس الذي تعيشه مدينة من المدن العراقية، ولا يهمما اين تقع هذه المدينة بقدر ما جعلتنا نعيش حالة من الصدمة بما تفتقر اليه اغلب المدن في الجنوب والوسط من خدمات ضرورية.

فلا تزال في بعض المدن فجوة كبيرة بين ما يُعلن من إنجازات وما يعيشه المواطن فعليا على الأرض، ففي بلد يمتلك إمكانات مالية كبيرة، ما زالت الطرق ضيقة، وشبكات تصريف المياه عاجزة، والمشاريع الخدمية دون مستوى الحاجة الحقيقية، الأمر الذي يطرح تساؤلا جوهريا: هل ما يُنجز فعلا يلبي متطلبات الواقع، أم أنه مجرد أرقام للاستهلاك الإعلامي؟

من أبرز مظاهر هذه الهشاشة ما يحدث مع كل موسم أمطار، فبدل أن تكون الأمطار نعمة، تتحول إلى أزمة حقيقية تشل المدن، إذ تتكرر مشاهد غرق الشوارع وتحولها إلى أنهار تعطل الحركة اليومية وتسبب خسائر مادية ومعنوية للمواطنين، الامر الذي يؤكد ان المشكلة مزمنة ولا علاقة لقوة الامطار بما يحدث.

وتكمن إحدى الإشكاليات الرئيسية في أن منظومات تصريف المياه في العراق قديمة أو غير مصممة لاستيعاب التوسع السكاني والعمراني، في المقابل الكثير من الأحياء خصوصا القديمة أو العشوائية، تفتقر إلى شبكات صرف صحي فعالة، ما يؤدي إلى دخول المياه إلى المنازل وتعطل الحياة العامة.

أما الطرق فهي قصة أخرى من التناقض بين الشكل والمضمون، فلا تزال الكثير من المشاريع تُنفذ دون مراعاة النمو السكاني أو التوسع الحضري، فتظل الشوارع ضيقة لا تتناسب مع أعداد المركبات المتزايدة، كما أن ضعف الدراسات الهندسية، خصوصا في ما يتعلق بطبيعة التربة والتصريف، يؤدي إلى ظهور تشققات وهبوطات متكررة، ما يجعل الطرق بحاجة دائمة إلى صيانة، بدل أن تكون مشاريع طويلة الأمد.

هذا الواقع يعكس دون أدنى شك خللا عميقا في فلسفة التخطيط، حيث يتم التعامل مع البنية التحتية بمنطق المعالجة المؤقتة بدل الحلول الجذرية، فالمشاريع غالبا ما تُنفذ لتلبية ضغط سياسي أو إعلامي، وليس بناء على دراسات استراتيجية بعيدة المدى، ونتيجة لذلك نجد أن نفس المشاكل تتكرر، رغم إنفاق مليارات الدولارات على مشاريع يفترض أنها تطويرية.

ولا يمكن فهم هذا التدهور دون الإشارة إلى الخلفية التاريخية، إذ تعرضت البنية التحتية العراقية لدمار كبير نتيجة الحروب والعقوبات، ما أدى إلى تراجع قدرتها على تلبية الاحتياجات الأساسية للمواطنين، لكن المشكلة ليس فقط في الإرث القديم، انما في غياب الإدارة الفعالة لإعادة الإعمار، وسوء استثمار الموارد المتاحة.

في المقابل تستمر الجهات الحكومية والمتنفذة في الترويج لما تصفه بـالإنجازات، عبر افتتاح مشاريع جزئية أو ترقيعية لا تعكس تحسنا حقيقيا في حياة المواطن، وهنا تظهر المفارقة، فبينما تُعلن الأرقام عن مشاريع بمليارات الدولارات، يواجه المواطن نفس الأزمات اليومية، من غرق الشوارع إلى الاختناقات المرورية، وصولا إلى ضعف الخدمات الأساسية.

هذه الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع العملي تؤدي إلى فقدان الثقة، في ديمومة وجدوى هذه المشاريع وكذلك في المؤسسات الحكومية، فالمواطن يمكنه قياس الإنجازات من تأثيرها على حياته العامة وليس بحسب اعدادها، وعندما لا يرى هذا التأثير، تصبح الإنجازات مجرد شعارات لا قيمة لها.

لا يمكن الحديث عن تنمية حقيقية في ظل بنية تحتية هشة، اذ يمكن اعتبار الطرق وشبكات التصريف واحدة من أهم مؤشرات تقدم الدول، وما لم تتحول المشاريع من إنجازات إعلامية إلى حلول واقعية، سيبقى العراق يدور في حلقة مفرغة من الأزمات المتكررة، مهما ارتفعت أرقام الإنفاق أو تعددت عناوين المشاريع.

اضف تعليق