الوعي المستلب وأزمات الانسان المعاصر

الوعي وأثره في بناء الحياة الصالحة (1)

هذا التكرار الرتيب يعني أن الإنسان قد تجرد من الوعي باللحظات التي يتنفسها، وفقد الإحساس بما ينجزه في يومه. حيث عليه أن يدرك المرء قيمة كل لحظة تنقضي من عمره؛ فالعمر نفيس للغاية، وكل ثانية من حياة الإنسان تحمل قيمة كبرى لا تُعوض تحتم عليه أن يتذوق طعم الحياة...

هذا المقال هو مفتتح لسلسلة مقالات حول مفهوم "الوعي" وأثره في بناء الحياة الصالحة، مسلطاً الضوء على المفارقة المأزومة لإنسان العصر الحديث؛ ففي خضم التراكم المادي والتطور التكنولوجي الهائل، يرزح الفرد تحت وطأة القلق، والاغتراب، والخواء الداخلي. ويفكك البحث جذور هذه الأزمة المتمثلة في طغيان ثقافة الاستهلاك، وتصحر المشاعر الوجدانية، وتضخم النزعة الفردية، وصولاً إلى حالة "الاستلاب الآلي" التي أفقدت الإنسان بوصلة الانتماء والإحساس بنبض الوقت. إنها دعوة جادة لاستنهاض البصيرة، والتحرر من سجون الوعي الزائف نحو استعادة المعنى الأصيل للحياة.

المقدمة: الانحراف عن الغايات

ان الغوص في أعماق في مفهوم الوعي يمنحنا البصيرة لندرك مسارات وجودنا، ويوجه بوصلة حركتنا نحو الغايات السامية والمقاصد الصحيحة. وفي المقابل، فإن غياب الوعي السليم يفسح المجال واسعاً لهيمنة "الوعي الزائف" واستلابه لعقولنا، مما يجرّنا نحو الانحراف عن غاياتنا الأصيلة، لتنحدر حياتنا في مستنقع الشقاء والسقم.

فالوعي الحقيقي هو الركيزة الأساس لنهضة الحياة الصالحة، بينما يشكل غياب الوعي أو تزييفه السبب الرئيس في توليد الحياة المأزومة والمريضة.

وسوف نتناول في طيات هذا المقال أبعاد مفهوم الوعي وتطبيقاته العملية، غير أننا نمهّد لذلك بمرتكز أساس، ومقدمة جوهرية تكمن في طبيعة العلاقة بين "العقل" و"الغريزة"؛ إذ كيف ترسم هذه العلاقة ملامح وعي الإنسان وتشكّله؟ وكيف يمكن لتوازنها أن يبني هذا الوعي، أو أن يؤدي اختلالها وانعكاسها، في المقابل، إلى هدم وعي الإنسان، أو تضليله، وجرّه نحو منزلقات الانحراف؟

فالإنسان، بغية تأسيس حياة صالحة وسليمة، يقف في أمسّ الحاجة إلى نعمة الإدراك والفهم؛ فبهاتين الركيزتين يستطيع أن يحقق الانسجام التام مع حركة الحياة. وفي غيابهما، يعجز الفرد عن مواصلة مسيره الوجودي، إذ لا فاعلية لوجود الإنسان حينما يفتقد القدرة على فهم المعنى الحقيقي لهذه الحياة. من هنا، ارتأينا أن نجعل هذه الرؤية منطلقاً ومقدمة لبحثنا الشامل في منظومة الوعي.

دوافع البحث في مفهوم الوعي

ولكن، قبل الغوص في أعماق مفهوم الوعي وتفكيك دلالات الإدراك والفهم، تبرز ضرورة ملحة لتسليط الضوء على الدوافع الجوهرية التي حدت بنا لتبني هذا البحث. إن المتأمل في الواقع يلحظ بوضوح أن شريحة واسعة من الناس تفتقد إلى نعمة الاطمئنان والسعادة، بل تتخبط في شباك الهم والغم، وتتكالب عليها أزمات القلق والكآبة. وينبع هذا المأزق من شعور مرير بانعدام القيمة، والإحساس بالعجز عن ممارسة الحياة بصورتها الصحيحة وتحقيق غاياتها المنشودة؛ وذلك رغم كل ما قد يستحوذون عليه من تراكم مادي، وما يتوفرون عليه من ممتلكات وأشياء لم تفلح في منحهم غايتهم المفقودة.

فتراه مستحوذاً على كل شيء، بيد أنه يعيش خواءً داخلياً يشعره بأنه لا يمتلك شيئاً على الإطلاق. إن شريحة واسعة من الناس تكابد غصّة ما بين يديها وكآبة ما تكتنزه، وتعيش قلقاً مستنزفاً تجاه ما تفتقده؛ فلا هي تنعم بسعادة الاكتفاء بما رُزقت، ولا هي تكفّ عن اللهاث المحموم نحو المزيد. والسبب يكمن في وهمٍ يسيطر على العقل، يصور له أن ما تراكم لديه من ممتلكات قاصرٌ عن إشباع نهمه. وتتجسد هذه الحالة في صُوَرٍ يومية؛ كمن يمتلك مركبة حديثة تفي بالغرض، لكنه يصرّ على استبدالها بأحدث طراز متوفر، أو ذاك الذي ينساق وراء حمّى الاستهلاك فيعمد إلى تجديد أثاث منزله سنوياً، لا لتبددٍ أو تلفٍ أصابه، بل لمجرد إشباع رغبة وهمية بالاستهلاك غير المكتفي.

اللا اكتفاء والقلق المزمن

إن داء "اللا اكتفاء" هذا، والرفض المستمر للواقع المعاش، يفرز في المحصلة حالة من القلق المزمن الذي بات ينخر في نفوس الكثيرين. ونتيجة لذلك، يقع الإنسان فريسة لـ "الاغتراب" والانفصال التام عن جوهر حياته وعما يحيط به؛ فالمرء الذي يتخبط في ظلمات الهمّ والغمّ، وتتجاذبه أمواج الكآبة والقلق، يفقد حتماً بوصلة الاستقرار والسكينة في مسيرته. ومن الأهمية بمكان الإشارة هنا، إلى أن مصطلحي "الكآبة" و"القلق" في أدبيات علم النفس الحديث، يتماهيان بعمق مع المفهوم القرآني الأصيل المتمثل في ثنائية "الهمّ" و"الغمّ"."

"فالغمّ، في جوهره، يترجم حالة الكآبة، والهمّ يجسد القلق؛ وهما مصطلحان قرآنيان يعبران عن آفتين تفتكان بالنفس. وما وقوع الفرد فريسة لهذين المرضين إلا نتيجة حتمية لانقطاعه عن واقعه، وغياب بصيرته في إدراك كنه الحياة وكيفية مسايرتها. لذا، تراه قابعاً في زوايا الإحباط واليأس، تتقاذفه هواجس الخوف من المستقبل، ويسيطر عليه رعب فقدان ما بين يديه من ماديات.

وتتجلى هذه الأزمة في خوفه المفرط والمستمر على ممتلكاته؛ فتجده يؤرقه الليل خشية أن تمتد يد اللصوص إلى مركبته الرابضة أمام باب منزله، أو أن يصيبها خدش عابر. بل إن مجرد ارتباطه بمعاملة إدارية ومراجعة لإحدى الدوائر يُطيّر النوم من عينيه، ليقضي ليله ساهر التفكير في مآلات إنجازها، مكبلاً بسلاسل القلق من الغد. إنها معضلة مستفحلة لدى الكثيرين، تتمحور حول هاجس الخوف من زوال الأشياء او عدم تحققها.

ويمتد هذا الهاجس المستنزِف لينهش تفكيره في مسألة الأمان الوظيفي؛ فتراه يتساءل بقلق عمن سيكفل له هذا الأمان، ومن سيضمن له راتبه التقاعدي، وكيف سيواجه تحديات العيش في قابل الأيام. وتتزاحم في ذهنه الأسئلة المأزومة: من يضمن لي بقاء أموالي وعدم تبددها؟ إن هذا النمط من البشر يعيش في دوامة من القلق، يغذيه شعور دائم بالنقص وعدم الاكتفاء، مما يدفعه في لهاث لا ينتهي نحو المطالبة بالمزيد ومراكمة الأشياء.

ولعل من أبرز ما يفرز هذا الشعور المأزوم في عالمنا الراهن، هي تلك المفارقة العجيبة التي يكابدها إنسان العصر الحديث؛ فبالرغم مما بلغه من تطور تكنولوجي مذهل، وما يحيط به من وسائل الرفاهية والتراكم المادي، إلا أنه لا يزال يرزح تحت وطأة الهمّ والغمّ، مكبلاً بقيود القلق والخوف المستمر من المستقبل. 

وهنا يتجلى التساؤل الملحّ: لماذا يتسيد هذا الشعور مساحة واسعة من النفوس؟ وما هي الجذور والأسباب الكامنة وراءه؟

يمكن معرفة الأسباب من خلال تفحص الزوايا التي تتداخل مع فهم الشخص وتؤثر على ادراكه للأمور:

أولاً: زاوية الرؤية تجاه الحياة

إن لكل امرئ منّا زاويةً ومنظاراً خاصاً يطل من خلاله على الحياة ويُقيّم به أبعادها. بيد أن هذه الزاوية لا تنشأ من فراغ، بل هي نتاج حتمي لعوامل الاكتساب والتنشئة الاجتماعية؛ إذ تتبلور هذه الرؤية عبر مسار طويل من التربية، وشبكة العلاقات، ومحطات الاحتكاك الاجتماعي المتواصل. فهذه المنظومة التفاعلية هي التي تصوغ للإنسان تلك الزاوية المحددة التي يقرأ من خلالها مجريات الأمور ويتفاعل معها.

ولنضرب لذلك مثلاً حياً من واقعنا؛ فكثيراً ما يُلقّن الفرد ويُحفّز باستمرار على مواصلة الكدح الدراسي، بغية الوصول إلى مهن محددة كالطب، أو سعياً لاكتناز الأموال الطائلة. وما الغاية المرجوة من ذلك؟ يُقال له: لكي "تؤمّن مستقبلك". وعبر هذه التعبئة الفكرية والثقافية الموجهة، تترسخ تلك الزاوية التي يطل من خلالها الإنسان على العالم، وهي الزاوية ذاتها التي سترسم حتماً مسارات مصيره، وتحدد النمط الذي سيعيش وفقه في هذه الحياة.

ويتجلى مثال آخر في النمط الاستهلاكي، كالإفراط في تناول الطعام؛ فتجد من اعتاد طيلة حياته على نهم الأكل حتى يثقل جسده بالسمنة، مشرعاً الأبواب أمام أمراض مستقبلية شتى تفتك بصحته وعافيته. إن هذا السلوك ليس مجرد رغبة عابرة، بل هو انعكاس لـ "ثقافة" وتنشئة مجتمعية محددة تربى عليها؛ إذ دأب الأهل على تلقينه عبارة: "كُلْ أكثر لتصبح قوياً"، عوضاً عن غرس ثقافة التوازن والقول له: "كُلْ طعاماً صحياً ومناسباً، وبقدر حاجتك الفعلية". وتستفحل هذه العادة حتى يبلغ الفرد مرحلة من غياب البصيرة، فلا يلتفت إلى طبيعة الغذاء الذي يملأ به جوفه، ويفقد تماماً حالة "الوعي" بما يتناوله.

إن هذه الزاوية التي ينشأ عليها الإنسان ويتربى في كنفها، غالباً ما تكون زاوية ضيقة تتمحور حول تقديس المتعة واللذة المادية. وتنعكس هذه النظرة جلياً في سلوكه نتيجة التنشئة التي فتح عينيه عليها. غير أن هذا النمط لا يورث إشباعاً حقيقياً للذات الإنسانية؛ فاللذة المادية، بطبيعتها، زائلة ومحدودة، تنقضي وتتلاشى في غضون ثوانٍ معدودات. فما إن يفرغ المرء من طعامه، حتى تتبدد لذة المذاق ولا يتبقى لها أثر؛ والسر في ذلك يكمن في كونها لذة محصورة في حدود الجسد والمادة، ومنقطعة تماماً عن آفاق الفكر، وعمق العقل، ونبض القلب.

ذلك أن الغاية الأصيلة من الغذاء تقتصر على تلبية الحاجة البيولوجية للجسد، وإمداده بالطاقة التي تمكنه من الحركة ومواصلة العيش، وضمان ديمومة عمل أعضائه الحيوية للبقاء على قيد الحياة. وفي المحصلة النهائية، فإن طبيعة هذه الرؤية -التي يتبناها الفرد- هي التي تنحت معالم شخصيته وتصوغ هويته، ومن ثم تحدد بوصلة مشاعره وطبيعة إحساسه وتفاعله مع الحياة بأسرها.

تأثير الامثال الشعبية

ولنضرب مثلاً آخر يتجلى في نظرة الإنسان لأخيه الإنسان وطبيعة تفاعله معه؛ فهل تتسم هذه النظرة بالإيجابية والانفتاح أم تنغلق في قوقعة السلبية؟ وهل تُبنى على قاعدة "حسن الظن" بالآخرين أم تتأسس على الريبة وسوء الظن؟

إن جذور هذه الرؤية تمتد عميقاً في مراحل الطفولة؛ فبعض الأفراد يتشربون منذ نعومة أظفارهم ثقافة التوجس، حيث يُلقنون بأن الآخرين مصدر للخطر، وأن المجتمع يغص باللصوص والخونة. ومثل هذه التعبئة السلبية السامة تحوّر نظرة الفرد، لتصبح رؤيته للناس مشوهة وقاتمة.

وفي المقابل، نجد من يتلقى تغذية تربوية صالحة تغرس في وجدانه قيمة "حسن الظن" بالناس. فهذا النمط من التنشئة هو الذي يشكل طبيعة حياة الإنسان ويصوغ فهمه للوجود. 

ولذا، تنعكس هذه الرؤية التربوية مباشرة على شبكة علاقاته الاجتماعية، فتراها إما متماسكة وناجحة، أو هشة ومأزومة، تبعاً للبيئة التي احتضنته. وتتجسد أزمة التنشئة السلبية بوضوح في تكريس بعض المفاهيم التي تروج لـ "ثقافة الافتراس" والنزعة العدائية، كالمقولة الرائجة: (إن لم تكن ذئباً أكلتك الذئاب)، أو المثل الشعبي القائل: (تغدَّ به قبل أن يتعشى بك)؛ وهي مفاهيم غير سليمة تسللت، للأسف، لتستوطن في العقل الجمعي وتشوه الفطرة الإنسانية السليمة.

إن تداول مثل هذه الأمثال المغلوطة يمثل شرعنة لثقافة سوء الظن، وتحريضاً مستمراً للنفوس على التنازع ومحاولة الاستقواء والتغلب على الآخرين، مما ينذر بتفكيك البنية الاجتماعية وتهديد تماسك المجتمع. 

جحيم المقارنة مع الغير

ومن زاوية أخرى مأزومة، ينزلق هذا الإنسان في مستنقع "المقارنة" الدائمة مع محيطه؛ فتراه يتساءل بمرارة واحتدام: لماذا يمتلك ابن عمي كذا؟ ولماذا يحظى أخي بمركبة معينة، أو دار واسعة، أو أموال طائلة، بينما أُحرم أنا منها؟

إن تكريس أسلوب المقارنة مع الآخرين يشكل آفة خطيرة تفتك باستقرار الإنسان وتدمر سكينته وحياته؛ ففي النهاية، لكل إنسان في هذا الوجود ما يمتلكه ويخصه، وأنت كذلك تمتلك أشياءك ومكتسباتك. أما إذا تحولت الحياة إلى حلبة سباق ومقارنة عبثية شاملة بين الناس، فإن النتيجة الحتمية هي تحطيم الذات الإنسانية، عبر الرفع المفرط لسقف التوقعات المادية. وفي نهاية المطاف، سيصطدم الفرد بحقيقة عجزه عن تلبية كل تلك التمنيات وإشباع التوقعات المادية التي لا تنتهي.

ثانياً: زاوية غياب الشعور بجدوائية الحياة

حيث يكابد الإنسان حالة من الخواء وانعدام الروح في مسيرته، ويرجع السبب الأساس في ذلك إلى جفاف المشاعر الوجدانية الصادقة التي تشدّه إلى أسرته وعائلته. وهذا التمزق في صلات القربى إنما يتولد كنتيجة حتمية لغياب العاطفة، وانعدام الروابط القلبية مع الآخرين، ولا سيما ضمن المحيط الأسري الأقرب.

فتراه يختزل علاقته بأسرته في الإطار المادي البحت؛ إذ نلحظ شريحة من الآباء يحصرون جلّ مهمتهم في العودة إلى المنزل محملين بالطعام والكساء، دون أدنى التفاتة إلى مدى حاجة هذه الأسرة إلى الغذاء الروحي المتمثل في العاطفة، والحنان، والدفء، والاحتضان الوجداني العميق.

إن هذه الزاوية القاصرة في النظرة إلى الحياة تحيل الإنسان إلى كائن متبلّد المشاعر، ومنفصل روحياً عن أبنائه. ومن هنا تتسع تلك الفجوة العميقة وتتوالد الأزمات المستمرة بين الآباء والأبناء، نظراً لغياب الجسر العاطفي بينهما، واستحواذ الهاجس المادي على مساحة الاهتمام منذ اليوم الأول.

وهذه النظرة تمثل ذات الزاوية (التربوية) التي سلطنا عليها الضوء سابقاً، والتي تبلور رؤيته القاصرة للوجود؛ إذ يتوهم أن أقصى مسؤولياته تتلخص في توفير الرزق والمال لعائلته، متغافلاً عن أن الإنسان يقتات أيضاً على الحنان والعاطفة والمشاعر الوجدانية. وفي نهاية المطاف، ترتد هذه الرؤية المادية الجافة على كيان هذا الإنسان، لتحيل واقعه إلى بؤس وتعاسة، وتسلب منه أي إحساس بوجود روح في هذه الحياة، بل وتفقده الشعور بنبض الحياة ذاتها.

ثالثاً: زاوية الاغتراب وغياب الانتماء

ويتجسد في فقدان الإنسان لحسّ الانتماء تجاه هذه الحياة، أو تجاه مجتمعه، أو حتى وطنه، ليتملكه إحساس قاتل بالوحدة. ونتيجة لذلك، تراه غارقاً في حالة من العزلة الموحشة رغم حضوره المادي وسط الجموع؛ وليس المقصود الانعزال الجسدي، بل ذلك الانعزال النفسي والفكري العميق. وبات من الممكن اليوم رصد هذه الظاهرة بوضوح في مجتمعات شتى، ولا نستبعد أن يكون مجتمعنا قد بدأ يكتوي بنارها؛ إذ تتنامى وتيرة ما يمكن تسميته بـ "الانعزال الاختياري" لدى شريحة واسعة من الأفراد.

فبتنا نلحظ انسحاب الناس تدريجياً عن بعضهم البعض، ليتقوقع كل فرد داخل شرنقته وحياته الخاصة. ففي الأمس القريب، كانت الحياة تنبض بالتقارب والتواصل الحميم، أما اليوم فقد تباعدت المسافات وتعمقت الفجوات بين الناس. وما ذلك إلا لغياب تلك الروابط الوجدانية، وتلاشي روح الانتماء والارتباط الإنساني الأصيل؛ وهذا التصدع، بطبيعة الحال، يُفضي إلى خلل بنيوي في منظومة العلاقات الاجتماعية، ويدفع بالإنسان نحو الانكفاء طواعية في مساحاته المغلقة، واللجوء هرباً إلى مستنقع "الحياة الفردية".

أو بعبارة أدق؛ ينزلق نحو مستنقع "الأنانية" وتقديس الذات، متخلياً عن تلك الحياة النابضة بالارتباط البشري، والمبنية على معادلة الأخذ والعطاء، والتبادل البنّاء، وشبكة العلاقات الإنسانية المتوازنة. فتجد هذا الكائن المنعزل يستميت في بناء وتكريس مساحاته الفردية المغلقة؛ فيرفع من حوله الجدران الشاهقة، ويسوّر نفسه بكاميرات المراقبة، تحصناً وحماية لذاته فحسب، مسجلاً غياباً تاماً عن ساحة التفاعل المجتمعي، ومفتقداً لأي ارتباط حقيقي وفاعل مع محيطه.

إننا نعني هنا ذلك الارتباط العميق الممتد في جذور المعاني، والأفكار، والمنظومة الثقافية، فضلاً عن التلاحم المباشر مع الآخرين. فهذه القطيعة هي التي تبتر صلة الإنسان ببيئته الاجتماعية؛ لتغدو "النزعة الفردية" المتضخمة والمستشرية اليوم في الكثير من المجتمعات، معولاً للهدم، وما نتيجتها الحتمية إلا تكريس هذا الانعزال المتصاعد والمخيف في مسيرة الحياة.

رابعاً: زاوية غياب الوعي

حيث يُسلب الإنسان حضوره الواعي في أفعاله وسلوكه اليومي، ليغدو إنسان اليوم أشبه بـ "الآلة" أو الروبوت المبرمج. وكما تلاحظون طبيعة الحركة الميكانيكية للروبوت، بات هذا الإنسان يتحرك بإيقاع آلي جاف، فاقداً لروح الإحساس ومتبلّد المشاعر؛ فهو لا يفهم كنه أفعاله، ولا يدرك غاياتها، ولا يعي المقاصد الحقيقية الكامنة وراء مساعيه. فهل تمتلك الآلة، يوماً، قدرة الإدراك والفهم السليم لما تفعله؟

ولنضرب على ذلك مثالاً حياً من واقعنا؛ فعندما تجتمع الأسرة حول مائدة الطعام، نلحظ أن البعض يمارس عملية الأكل بغياب تام للوعي، إذ تتسمر عيناه وتنشغل يداه بشاشة الهاتف المحمول، سابحاً في فضاء مواقع التواصل الاجتماعي وغيرها. وهكذا، تراه يبتلع طعامه وهو في حالة من "الغيبوبة الذهنية"، فلا هو يعلم ماهية ما يأكله، ولا يدرك كميته أو نوعه، وتُسلب منه حتى نعمة التلذذ بالطعام نتيجة هذا الانشغال التام وغياب الوعي عن اللحظة المعاشة. وهذا المشهد الاستلابي المتكرر ليس حكراً على مائدة الطعام، بل ينسحب كقاعدة تنطبق على أمثلة ومواقف لا حصر لها في تفاصيل حياتنا المعاصرة.

ويمتد هذا المشهد ليتجلى بوضوح في الجلسات العائلية والتزاور بين الأرحام؛ ففي الوقت الذي يلتئم فيه شمل العائلة، نلحظ أن كل فرد يغوص في شاشة هاتفه المحمول، تائهاً في أروقة شبكات التواصل الاجتماعي، ومُضيعاً على نفسه حلاوة التواصل الإنساني ولذة التلاحم التي تفيض بها صلة الأرحام.

إن هذا الهروب من التفاعل الواقعي، والعزوف عن بناء علاقات إنسانية حية ونابضة، لا يترجم سوى حقيقة واحدة: إنها حالة من "الغياب التام للوعي" بتلك اللحظات الثمينة التي يجب على الإنسان أن يحياها ويتشربها في مسيرة وجوده.

وكنتيجة حتمية لهذا الاستلاب، نجد أن إنسان اليوم قد فقد إحساسه الحقيقي بنبض الوقت. وما معنى هذا الفقدان؟ لتوضيح ذلك، يكفي أن نتأمل شعوره الدائم بأن أيامه مجرد نسخ مستنسخة؛ فيومه الذي يعيشه ما هو إلا تكرار باهت للأمس، وغده وما يليه من أيام ستأتي رتيبة ومطابقة لما سبقها. إن هذا الشعور يفسر كيف تحولت الحياة إلى روتين جامد، يدور في حلقة مفرغة ويكرر نفسه باستمرار.. وهنا يبرز التساؤل الملحّ: ماذا يعني، في جوهر الأمر، أن تكرر الحياة نفسها؟

إن هذا التكرار الرتيب يعني، في جوهره، أن الإنسان قد تجرد من "الوعي" باللحظات التي يتنفسها، وفقد الإحساس بما ينجزه في يومه. والحال أنه من الضروري جداً أن يدرك المرء قيمة كل لحظة تنقضي من عمره؛ فالعمر نفيس للغاية، وكل ثانية من حياة الإنسان تحمل قيمة كبرى لا تُعوض. حيث يتحتم عليه أن يتذوق طعم هذه الحياة، وأن يمد جسور التواصل الحقيقي معها من خلال التسلح بالوعي، مستوعباً وعائشاً لكل لحظة تمر به في يومه.

آلة صماء في سجون العوالم الافتراضية

وفي المحصلة، فإن هذا الغياب الفادح للوعي يترجم إلى فقدان الإحساس بقيمة الوقت، وتلاشي الشعور بنبض اللحظات اليومية، وهو ما يبلور، في نهاية المطاف، تلك الزاوية القاصرة التي يطل منها الإنسان على الحياة.

لقد استحال إنساننا المعاصر اليوم إلى مجرد "آلة" صماء، قابعاً في سجون العوالم الافتراضية، ينسج حياة وهمية ويرتبط بعلاقات زائفة، وسط تصحر عاطفي ومشاعر جامدة وخاوية. وتتجلى ذروة هذه المأساة حين تتوالى أمام ناظريه مشاهد الدمار والموت المروعة التي تعصف بالعالم، فلا تُقابَل منه إلا بتبلد في المشاعر وبرود قاتل؛ وما هذا التبلد إلا دلالة صارخة على مدى الانفصال العميق عن الواقع، والغياب المطبق للوعي بكل ما يدور من حوله.

بل إن الأمر يتعدى ذلك ليطال جوهر وجوده؛ فهو يكابد إحساساً عميقاً بالغياب والقطيعة التامة عن واقعه. وكنتيجة حتمية لهذا الانفصال المرير، يُصاب بالعجز عن سبر أغوار ذاته وفهم حقيقتها، وتُشلّ قدرته على مدّ جسور التواصل، والتفاهم، والتعايش السليم مع الآخرين. ليجد نفسه عاجزاً عن ممارسة الحياة بصورتها الطبيعية؛ فلا هو قادر على التفاهم مع محيطه البشري، ولا مع العالم الأرحب، بل ويصل به العجز إلى درجة الانقطاع عن التفاهم حتى مع نفسه.

إن هذا الفراغ الموحش والخواء الداخلي يُولد في أعماقه حالة من المرض الروحي والنفسي المزمن، يقف معها حائراً وعاجزاً عن استيعاب ذاته. وأمام هذا المأزق الوجودي المعقد، يبرز أمامنا تساؤل محوري وملحّ: ما الذي يجعل "الوعي" يغيب ويتلاشى من حياة الإنسان المعاصر، على الرغم من كل ما يحيط به من طفرات هائلة في التطور المادي، والعلمي، والتكنولوجي، والثورة المعلوماتية؟ لماذا يرزح إنسان اليوم تحت وطأة غياب الوعي؟

هذا التساؤل الجوهري هو ما سنعمد إلى تفكيكه والإجابة عنه في مقالنا القادم، الذي سيتناول تحليلا معمقا في العلاقة بين العقل والغريزة...

اضف تعليق