آراء وافكار - مقالات الكتاب

حيادية المؤسسات المستقلة في العراق

هيئة النزاهة الاتحادية انموذجا

فرض ونص الدستور العراقي النافذ عدد من المؤسسات التي تدار وتمول بصورة مستقلة، كما جاء في المادة (102): "تُعد المفوضية العليا لحقوق الانسان، والمفوضية العليا المستقلة للانتخابات، وهيئة النـزاهة، هيئاتٌ مستقلة، تخضع لرقابة مجلس النواب، وتنظم اعمالها بقانون". كما صنفت المادة (103) من الدستور البنك المركزي العراقي مؤسسة مستقلة الى جانب مؤسسات أخرى كديوان الرقابة المالية، وهيئة الاعلام والاتصالات، ودواوين الاوقاف، هيئاتٌ مستقلة مالياً وادارياً، وينظم القانون عمل كل هيئةٍ منها وجعل الدستور تنظيم عمل هذه المؤسسات كالبنك المركزي على سبيل المثال عمله على النحو ان يكون البنك المركزي العراقي مسؤولاً امام مجلس النواب، ويرتبط ديوان الرقابة المالية، وهيئة الاعلام والاتصالات بمجلس النواب.

من جانب ثاني نظم عمل هيئة النزاهة الاتحادية بقانون تحت عنوان هيئة النزاهة رقم (32) لسنة 2011 اذ نظم عملها على النحو الآتي:

اولا: التحقيق في قضايا الفساد طبقا لإحكام هذا القانون، بواسطة محققين، تحت اشراف قاضي التحقيق المختص، ووفقا لأحكام قانون اصول المحاكمات الجزائية.

ثانيا: متابعة قضايا الفساد التي لا يقوم محققو الهيئة بالتحقيق فيها، عن طريق ممثل قانوني عن الهيئة بوكالة رسمية تصدر عن رئيسها.

ثالثا: تنمية ثقافة في القطاعين العام والخاص تقدر الاستقامة والنزاهة الشخصية واحترام اخلاقيات الخدمة العامة، واعتماد الشفافية والخضوع للمساءلة والاستجواب، عبر البرامج العامـة للتوعية والتثقيف.

رابعا: إعداد مشروعات قوانين فيما يساهم في منع الفساد او مكافحته ورفعها الى السلطة التشريعية المختصة عن طريق رئيس الجمهورية او مجلس الوزراء او عن طريق اللجنة البرلمانية المختصة بموضوع التشريع المقترح.

خامسا: تعزيز ثقة الشعب العراقي بالحكومة عبر إلزام المسؤولين فيها بالكشف عن ذممهم المالية، وما لهم من انشطة خارجية واستثمارات وموجودات وهبات او منافع كبيرة قد تؤدي الى تضارب المصالح، بإصدار تعليمات تنظيمية لها قوة القانـون بما لا يتعارض معه، وغير ذلك من البرامج.

سادسا: اصدار تنظيمات سلوك تتضمن قواعد ومعايير السلوك الاخلاقي لضمان الاداء الصحيح والمشرف والسليم لواجبات الوظيفة العامة.

سابعا: القيام بأي عمل يساهم في مكافحة الفساد او الوقاية منه بشرطين:

أ- ان يكون ذلك العمل ضرورياً ويصب في مكافحة الفساد او الوقاية منه.

ب- ان يكون فاعلاً ومناسبا لتحقيق اهداف الهيئة.

ومن ذلك تعد هيئة النزاهة من حيث المهام والخصائص والوظائف مؤسسة رقابية واجرائية وقضائية حيادية مهمة في مراقبة ومتابعة كل الخروقات والمخالفات والسرقات وجرائم الاضرار بالمال العام، ومع هذه الأهمية هناك من أراد لهذه المؤسسة ان تفتقد سمة الحياد والمسؤولية والمحاسبة الذي فرضه ونص عليه الدستور العراقي النافذ اما من خلال إبعادها عن المهام المناطة بها او من خلال تحزيبها او ادخالها في خانة المحاصصة السياسية والحزبية، وهذا ما يجعلها لا تودي وظائفها بصورة صحيحة ومهنية، في وقت اخذ الفساد المالي والإداري يستفحل يوم بعد آخر ووصل الى مراحل خطرة جداً.

فكل الحكومات العراقية التي تسنمت دفة السلطة في العراق حاولت ان تسيس عمل الهيئة او التدخل بصورة مباشرة في تنصيب رؤسائها والهيكل الإدارية فيها وهذا ما تكرر أيضا في حكومة السيد السوادني من خلال تنصيب رئيس للهيئة محسوب على جهات سياسية، وإيجاد لجنة أو خلية ساندة برئاسة شخص أيضا مصنف على جهات سياسية قريبة من رئيس الوزراء في حين لم يذهب رئيس الوزراء إلى تشكيل لجنة من قضاة أو أدوات تنفيذية، وإنما فضل استخدم هيئة النزاهة وأعطاها جرعة إضافية ساندة في مواجهة الفساد حسب الظاهر.

وهذا ما سيتكرر في خطوات أخرى مقبلة وقد تستخدم في ضرب الخصوم السياسيين، وقد يستخدم ذات الاليات التي اعتمده سلفه في التعامل مع ملفات الفساد بتشكيل لجنة يرأسها لواء من الشرطة الاتحادية، الامر الذي دفع بالمحكمة الاتحادية بعد اللجنة غير دستورية بعد ان قدمت جهات سياسية طعنا في اليات عمل هذه اللجنة. بموجب قرارها المرقم 169/اتحادية/2021 في 2/3/2022 بعدم صحة الامر الديواني رقم (29) لسنة 2020 المتضمن تشكيل لجنة دائمة للتحقيق في قضايا الفساد والجرائم المهمة والغاءه اعتباراً من تاريخ صدور الحكم لمخالفته لأحكام المادة (37 /اولاً/1) من الدستور التي تضمن حماية حرية الانسان وكرامته ولمبدأ الفصل بين السلطات المنصوص عليها في المادة 47 من الدستور ولمبدأ استقلال القضاء واختصاصه بتولي التحقيق والمحاكمة المنصوص عليها في المادتين 87 و88 من الدستور ولكون الامر المذكور يعد بمثابة تعديل لقانون هيئة النزاهة كونها هيئة دستورية تختص في التحقيق في قضايا الفساد المالي والاداري.

ومما تقدم فإن المؤسسات الدستورية آليات مهمة لترصين وتشذيب ومراقبة عمل مؤسسات الدولة بصورة محايدة ومستقلة لاسيما المؤسسات ذات الابعاد الرقابية والمحاسبية والاجرائية مثل هيئة النزاهة والمفوضية العليا للانتخابات والمؤسسات الأخرى شريطة ان تكون كما اقر لها الدستور العراقي النافذ ان تكون مستقلة في آليات عملها وادارتها وقراراتها.

والملاحظ ان التدخلات السياسية والحزبية في عمل هذه المؤسسات أضعف من عملها وأدخلها في إرباك وحسابات سياسية في وقت البلد بأمس الحاجة بأن تدار هذه المؤسسات بصورة محايدة بعيدة عن التأسيس حتى تنجز اعمالها بما ينسجم والتعليمات والقوانين التي رسمت وأقرت عملها، لكن مما يؤسف له ان التغول الحزبي أصاب عمل حتى هذه المؤسسات مما جعلها مؤسسات بيروقراطية ومشلولة.

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية/ 2001–2022Ⓒ
http://mcsr.net

اضف تعليق