آراء وافكار - مقالات الكتاب

الى الامام

ان "شرط الاصلاح ان يكون حركة الى الامام وليس الى الوراء"، والسؤال المهم هنا هو هو: ماهو معيار "الى الامام"؟ وكيف نميز بين الحركة الى الامام، اي الحركة التقدمية، وبين الحركة الى الوراء، اي الحركة الرجعية؟

اذكّر القارئ اننا نتحدث عن الاصلاح السياسي، وبتعبير ادق عن اصلاح الدولة. وبالتالي فان مصطلحي "الى الامام" و"الى الوراء" متعلقان بالدولة.

وان الدولة ظاهرة تاريخية ظهرت قبل الاف السنين في وادي الرافدين، اي العراق، وفي مصر في وقت متزامن تقريبا. ومنهما انتقلت الى بقية ارجاء الارض.

وان الملاحظة التاريخية لخط سير ظاهرة الدولة يكشف عن سير تقدمي تراكمي للدولة، بمعنى ان الدولة انتقلت من حالة الدولة البدائية الى حالة الدولة الحضارية الحديثة. وهذا قانون تاريخي مضطرد، يشكل سنة تاريخية من النوع الثالث، اي الاتجاه التاريخي العام.

واذاً، فان عبارة "الى الامام" تشير الى التحرك باتجاه الدولة الحضارية الحديثة، وعبارة "الى الخلف" تشير الى التقهقر الى الوراء باتجاه الدولة البدائية.

واتجاه الدولة الحضارية الحديثة يتضمن عدة معالم او مؤشرات منها: المواطنة والديمقراطية والمؤسسات والقانون والعلم الحديث.

وتستند الدولة الحضارية الحديثة على منظومة قيمية تجعل من الممكن اشتغال عناصر المركب الحضاري الخمسة (اي الانسان والطبيعة والزمن والعلم والعمل) بطريقة محققة لسعادة الانسان ورفاهيته وطيب حياته. وهذا مشروط بوفرة الانتاج وعدالة التوزيع.

واذاً فان الحركة تكون اصلاحية إذا اقتربت من هذه المفاهيم التي تتجسد في نموذج الدولة الحضارية الحديثة.

وفي التفصيل يمكن ان نقول ان الحركة تكون اصلاحية اذا جسدت منظومة القيم العليا الحافة بالمركب الحضاري وعناصره الخمسة. والعكس يصح.

تكون الحركة اصلاحية اذا تقدمت خطوات نحو الحفاظ على حياة الانسان وتحسين شروطها وفي مقدمتها بطبيعة الحال كرامته وحريته وحقوقه. وهذا يتضمن تحسين الخدمات التي تقدمها الدولة في مجال الصحة والتربية والعمل والامن وغير ذلك.

تكون الحركة اصلاحية اذا كان من شانها اشباع الفقير، وتوفير فرص عمل انتاجية للعاطل، وتوفير الضروريات للمحرومين من ابناء المجتمع.

تكون الحركة اصلاحية اذا كان من شأنها تعزيز روح المواطنة والديمقراطية واحترام المؤسسات والقانون، و تكريس المنهج العلمي.

وتكون الحركة اصلاحية اذا كان من شأنها تغيير العقلية السلبية، وتحرير المجتمع من الجهل والعبودية الطوعية وعبادة الشخصية والخوف.

تكون الحركة اصلاحية اذا كان من شأنها اشاعة الروح الايجابية والعقلانية والفهم الحضاري للدين.

تكون الحركة اصلاحية اذا حافظت على البيئة والمال العام والممتلكات والمؤسسات الدستورية والتعليمية.

تكون الحركة اصلاحية اذا كان من شأنها اشاعة الحوار العلمي بين الناس وتعزيز السلم الاهلى وترسيخ قيم المحبة والتعاون والتعايش على اساس القواسم المشتركة.

وتكون الحركة اصلاحية اذا كانت سلمية تستند الى شرعية سياسية مقبولة على نحو الاجمال.

ظهرت كثير من الحركات الاصلاحية في العالم، ومنه العراق وبقية بلدان العالم الاسلامي. نجح بعضها وفشل البعض الاخر. وكان معيار النجاح او الفشل مدى ما تحققه من اقتراب من نموذج الدولة الحضارية الحديثة. سقطت التجربة الشيوعية في روسيا وبقية بلدان العالم لأسباب موضوعية لأنها اقامت دولا سلطانية على النمط القديم رغم انها قامت في العصر الحديث. ولم يكن ستالين مثلا سوى سلطان يحكم بدون قيد وشرط، كما كان يفعل الملوك والاباطرة في الازمنة الغابرة.

في العراق ينادي الكثيرون بالإصلاح السياسي، لكن دعواتهم لا تتضمن شروط وخصائص واسس الدولة الحضارية الحديثة، ولذلك فان دعواتهم لا تشكل حركة الى الامام، انما هي اما دوران حول الذات، او ارتكاس الى الخلف.

هذا بيان للناس، "لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ"!

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق