تضع دراسات الحالة المتأزمة عدة مؤشرات تشخص بموجبها أسباب تصاعد الازمات السياسية، ومن ذلك هناك عدة أزمات تمر بها التجربة السياسية في العراق بعد التغيير من النظام الاستبدادي في عام 2003 الى الديمقراطي المفترض، والتحول من الحزب الواحد الى الحزبية المفرطة والمتطرفة، حيث وصل عدد الأحزاب والكتل السياسية الى أكثر من 300 حزب غير المجموعات والكيانات المسلحة.

من هنا تطرح التساؤلات حول طبيعة التعددية الحزبية في العراق هل هي حالة اعتيادية تنسجم ومبادئ الديمقراطية؟، ما المعايير التي حددتها التصنيفات الحديثة في علم السياسة حول طبيعة التعددية الحزبية من حيث الكم والنوع؟، هل التعددية الحزبية المفرطة تدلل الى قوة النظام السياسي الحالي ورصانة مؤسساته وقوانينه الناظمة؟، هذه الأسئلة وغيرها قد نجيب عليها من خلال العرض الآتي.

ابتداء تصنف كتب النظم السياسية والقانون الدستوري التعددية الحزبية الآتي: نظام الحزب الواحد، ونظام الحزب القائد، ونظام التعددية الحزبية، الصنفان الأول والثاني عادة ما تميز بها الدول ذات نمط الحكم الشمولي، اما نظام التعددية الحزبية فهي السمة الغالبة للبلدان ذات الحكم الديمقراطي، لكن التعددية الحزبية هناك اختلاف في طبيعتها بين البلدان الديمقراطية فاغلب البلدان التي تبنت الديمقراطية قد قننت التعددية الحزبية وتحولت الى حزبية ثنائية او ما شابه وهذا ما هو سائد في نماذج ديمقراطية عريقة كالمملكة البريطانية المتحدة، والولايات المتحدة الامريكية.

من هنا وضع ارنت ليبهارت تصنيف آخر للتعددية الحزبية وصنفها وفق المعايير الاتية: فهناك تعددية معتدلة والتي تعني وجود ثلاثة أحزاب، او خمسة أحزاب على الأكثر، وتعددية متطرفة وتعني وجود أحزاب كثيرة تتنافس على السلطة لذا فان الأحزاب السياسية في العراق وفق هذا التنصيف تتسم بالتعددية المتطرفة اذ بلغ عدد الأحزاب السياسية أكثر من 300 حزب متنوعة الأفكار والايديولوجيات الى جانب عشرات الحركات والمجموعات المسلحة.

ويرى باحثون بالرغم من ان التعددية الحزبية ترتبط بشكل وثيق بالنظام الديمقراطي ومبادئها مثل مسألة الفصل بين السلطات والتداول السلمي للسلطة الا انها في العراق لم تأت بنتيجة لوجود وعي ثقافي وسياسي ديمقراطي، ومن ثم نتج عنها النفور من المشاركة السياسية الواعية سواء كناخبين او حتى مرشحين فهي قامت على أسس من الاستقطاب الطائفي والعرقي وترسخ كجزء من برامجها وحملاتها الانتخابية فتميزت التعددية الحزبية بالصراع والاقتتال، وبالتالي كانت جزء مكونا للمنظومة الرسمية مثل الحكومات الضعيفة او غير الرسمية مثل الأحزاب والمجموعات المسلحة.

ومما تقدم نصل الى استنتاجات هامة حول التعددية الحزبية في العراق منها ما يلي:

- ان التعددية الحزبية ركن أساسي لأي نظام ديمقراطي ولا يكون النظام ديمقراطي الا بتوافر التعددية الحزبية لكن بشرط ان تكون مقننة ومنسجمة مع نظام الحكم وقوانين الانتخابات وهو ما اطلقنا عليه بالتعددية المعتدلة.

- ان التحول من نظام الحزب الواحد الى التعددية الحزبية تحول مهم لكن يعوزه التقنين والتنظيم وسيادة القانون.

- كشفت التجربة الحزبية التعددية في العراق بانها تعددية متطرفة وتعبر على اضمحلالها وتحولها من التنظيم الحزبي الهادف الى الوصول الى السلطة عبر الآليات الديمقراطية وقانون الأحزاب الى تعددية حزبية مفرطة اوليغارشية. وهذا ما يفسر كثرة التعددية الحزبية لان هدفها تجاري مالي وبذلك هي أقرب ما يكون لنصف التعددية الحزبية المتطرفة وفق التصنيفات الحديثة للتعدديات الحزبية.

- لابد من وضع ركنين أساسيين ناظمين للتعددية الحزبية في العراق، أولهما تعديل قانون الأحزاب السياسية رقم 36 لسنة 2015 وكذلك وضع قانون الانتخابات تهدف الى دمج الأحزاب السياسية مع بعض والوصول الى التعددية الثنائية او التعددية المعتدلة خصوصا مع التطورات السياسية الهادفة الى الوصول الى فريق يشكل الحكومة وفق الأغلبية السياسية وفريق يكون في المعارضة والمراقبة بعد كل دورة انتخابية.

- ان عدم تنظيم التعددية الحزبية المتطرفة في العراق سيجعل من هذه التعددية سبابا أساسيا من قبل قوى الاحتجاجات الشعبية في المطالبة في إيجاد حلول قد تصل الى الحلول الراديكالية التي تقصي هذه التعددية لما لها من آثار سلبية في تدمير النظام السياسي أولا وإنهاك اقتصاده، وسلمه المجتمعي خصوصا وان الكثير من الأحزاب تعتاش على المغذيات الطائفية والعرقية والدينية، كما انها تمول نفسها وقيادات الحزب والتكتل والمجموعة من أموال الدولة او ما يعرف بالمال السياسي.

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية/ 2001–2022Ⓒ
http://mcsr.net

اضف تعليق