أكد أهالي المنطقة الخضراء أنهم لم يشهدوا حربا عشوائية وعبثية وانتقامية بين طرفين عدائيين، كما شهدته معركة الخضراء، في ليلة الــ 30 من الشهر الثامن، من هذا العام، فبالإضافة إلى سقوط عدد كبير من الضحايا من الطرفين، ومن الجيش، ومن الأهالي، فان الخوف والفزع كان سيد الموقف، طوال 24 ساعة. إذ استمرت المعركة العشوائية، واستمر القصف بالهاون والصواريخ على المنطقة الخضراء، حتى بعد انتهاء خطاب السيد مقتدى الصدر، ناهيك عن الدمار والخراب الذي أصاب كل من بنايات مجلس النواب، وقصور الرئاسة، ودار الضيافة، ومباني حكومية داخل الخضراء وخارجها.

كادت حرب الخضراء تأكل اليابس والأخضر، وكادت تؤدي بحياة آلاف من الناس، أغلبهم من المدنيين الذين لا حول لهم ولا قوة، وتحولت مناطق بغداد إلى جبهات متعددة، كل جبهة يسيطر عليها أتباع أحد الفصلين، هذا فضلا عن حالات الاستعداد لفتح معركة في المحافظات الوسطى والجنوبية، معارك قطعا سيشترك فيها العشرات من شبابنا، لا لهدف إلا لقتل بعضهم بعضا، تحت تأثير إعلام السياسة والمصالح والفئوية...

ولت ليلة 30 من شهر آب، بلا رجعة، وعاد مقاتلو الطرفين إلى مواقعهما، وحُفرت في مقبرة النجف قبور جديدة، لضحايا جدد. وهنا في الخضراء، بدأت الحياة تعود إلى طبيعتها، بعدما أعلنت قيادة العلميات المشتركة إنهاء حظر التجوال الشامل، وفتح المنطقة الخضراء أمام عامة الناس.

والسؤال هنا ماذا جنى الطرفان من حربهما العشوائية، وماذا ينبغي أن يفعلا في المستقبل من أجل أمن العراق واستقراره؟

أما ماذا جنى الطرفان من قتالهما، فالجواب واضح جدا، أنهم خسروا ثلة من شباب، وثكلوا الأمهات، ورملوا النساء، ويتموا الأطفال، وهدروا الأموال والسلاح، وخربوا مؤسسات الدولة، وأرعبوا الناس، وشردوا البعثات، وعطلوا الحياة... وتركوا آثارا لم تمحوها ذاكرة الأجيال، وأعطوا انطباعا مؤكدا عنهم أنهم دعاة سلطة ومال، ولن يؤولوا جهدا في قتل الناس وخراب الديار، فاسعدوا الأعداء أي سعادة!!

وأما ماذا ينبغي أن يفعلا في المستقبل من أجل أمن العراق واستقراره، فالجواب أنهما لم يفعلا أكثر مما فعلا، ولن يقدما حلولا من أجل العراق ومستقبله، ولو أرادا أن يفعلا شيئا لفعلا، قبل أن يسقط هذا العدد من الضحايا، وهذا الكم الهائل من الخراب. لا أمل ولا رجاء منهما، وستستمر معركة الخضراء على الأقل في الأشهر القادمة من دون قتال مباشر بينهما، بل ستتجدد أنشودة لي الأذرع، وسيعمل قادة الإطار على نغمة هيبة الدولة، وبوابتها مجلس النواب، وسيؤلفون حكومة جديدة تخلف حكومة مصطفى الكاظمي، المحسوبة على (التيار).

بينما سيستمر قادة التيار بمعارضة كل ما يصدر عن (الإطار) ولن يقبلوا به. وسيعودون مرة أخرى إلى الشارع، بعدما فقدوا مقاعدهم في مجلس النواب. وقد تأتي اللحظة التي يفقد فيها قادة الطرفين السيطرة على إتباعهما، إذا لم يكونوا هم المحرضون فعلا، وعندها إذا كان السيد مقتدى الصدر قد أنهى المعركة بكلمة واحدة فاعتقد في المستقبل لن يقدر على إنهاءه.

والسؤال هنا لابد أن يوجه للشعب كله، للشعب الذي لا مع هؤلاء، ولا مع هؤلاء، ويوجه لرجال الدين والعلماء وقادة العشائر والتنظيمات المدنية، فماذا ينبغي أن تفعلوا من أجل أمن العراق ومستقبله؟

في الواقع عموم الشعب، أكثر الشعب، لا يتدخل في الشؤون السياسية وإدارة شؤون البلد، وأقصى ما يمكن أن يفعل البعض هو المشاركة في الانتخابات، وتسليم زمام الأمور لنواب الشعب المنتخبين، فالموظفون والمعلمون والتجار والعمال والبائعة، كل هذه الفئات، تطلب الاستقرار، ولا تريد أن تصطف إلى هذا الجانب أو ذلك الجانب، ورغم عدم رضاها عن الأوضاع العامة، وانتقادها لكل ما يحدث سرا وعلنا، إلا أنها لا تحرك ساكنا، ولا تقوم باي عمل من أجل ردع الفاسدين أو المقصرين.. بل تتطلع في العادة إلى النخب الاجتماعية المؤثرة الدينية والاجتماعية والمدنية.

وأما النخب المؤثرة في المجتمع، سواء كانت دينية أو اجتماعية أو مدنية فإنها ورغم قدرتها على تحرك الشارع أو تأليف الناس ضد الفاسدين والمخربين فإنها هي الأخرى لا تتحرك بشكل مستقل وحر، فغالبية هذه النخب لا تلتقي مع بعضها البعض لأسباب عقائدية أو دينية أو مهنية، فضلا عن ارتباط قادتها بأحزاب وتنظيمات تمنعها من المشاركة.

اعتقد أننا في العراق، لكي يحدث التغيير المطلوب فلابد من تأليف حركات شعبية مستقلة مؤثرة في المجتمع فهذه الحركات بإمكانها قيادة البلد إلى بر الأمان، والتأثير المباشر على الأحزاب الحاكمة والفاسدة، وهي:

1. المعلمون والطلبة: نحن بحاجة إلى حركة شعبية جديدة يقودها المعلمون والمدرسون وأستاذة الجامعات، وقاعدتها التلاميذ والطلبة والجامعيين.

2. الموظفون العموميون: نحن بحاجة إلى حركة شعبية جديدة، يقودها الموظفون العموميون الذين حافظوا على شرف المهنة، وعملوا بجد لإدارة هذا البلد، وتقديم الخدمة، وقاعدتها الموظفون.

3. رجال الدين: نحن بحاجة إلى حركة شعبية يقودها رجال الدين الذين عرفوا بالعلم والتقوى والاجتهاد، وقاعدتها المتدينون.

4. الاتحادات والنقابات: نحن بحاجة إلى حركة شعبية تقودها النقابات والاتحادات، وقاعدتها العمال والمهنيون.

وهذه الحركات الشعبية إذا ما تشكلت ووضعت خطة مشتركة فيما بينها، وأهداف محددة، فإنها تستطيع أن تجبر كل المفسدين والفاسدين على تحقيق مطالب الشعب وأهدافه، في دستور جديد، لا طائفي ولا حزبي، وفي قيادة وطنية جديدة، لا قيادة مكونات.

...........................................

** مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات/2009-Ⓒ2022
هو أحد منظمات المجتمع المدني المستقلة غير الربحية مهمته الدفاع عن الحقوق والحريات في مختلف دول العالم، تحت شعار (ولقد كرمنا بني آدم) بغض النظر عن اللون أو الجنس أو الدين أو المذهب. ويسعى من أجل تحقيق هدفه الى نشر الوعي والثقافة الحقوقية في المجتمع وتقديم المشورة والدعم القانوني، والتشجيع على استعمال الحقوق والحريات بواسطة الطرق السلمية، كما يقوم برصد الانتهاكات والخروقات التي يتعرض لها الأشخاص والجماعات، ويدعو الحكومات ذات العلاقة إلى تطبيق معايير حقوق الإنسان في مختلف الاتجاهات...
http://ademrights.org
[email protected]
https://twitter.com/ademrights

اضف تعليق