عاش العراق حقب مختلفة من الانقلابات بمعناها الراديكالي منذ انقلاب بكر صدقي عام ١٩٣٦ مرورا بانقلاب ١٩٤١ و١٩٥٨ و١٩٦٣ وصولا الى انقلاب ١٩٦٨، منها ما سميت ثورة ومنها انتفاضة، والحقيقة لم تعدو ان تكون في الغالب انقلابات سياسية وعسكرية بوصلتها الاستيلاء على السلطة.

وقد تكون ظاهرة الانقلابات مسألة طبيعية في الانظمة السياسية غير الديمقراطية، فالأنظمة الدكتاتورية عادة ما تتعرض للانقلابات ويطالها التغيير فتحل محلها انظمة اخرى تتشابه معها من حيث المضمون، اذ غالبا ما تتشابه التجارب في الانظمة الديكتاتورية التي تشهد انقلابات من أجل التغيير، ولكن في النتيجة لم تجد الشعوب سوى قوى تقليدية تدعي أنها تريد القطيعة مع الانظمة السابقة، ليتضح أنها جزء لا يتجزأ منها، تطبق في نهاية الأمر، نفس الوصفات القديمة مع وجوه جديدة وإضافة العنف والإرهاب وإشعال نيران الطائفية، ما يدفع بالشعوب بالترحم على الانظمة المسقطة وتتهيأ اجواء المطالبة بالتغيير وهكذا تستمر حلقة الانقلابات والمطالبة بالتغيير.

لكن ما يستغرب له هو الانقلابات في الخطاب السياسي ليس بين حقب سياسية مختلفة بل في الحقبة السياسية الواحدة، من المبرر ان يكون هنالك تمجيد للأنظمة السياسية الدكتاتورية بدافع الخوف او المسايرة لتحقيق المصالح الخاصة، وتعد مسألة الصلاة مع من غلب طبيعية باعتبار ذلك سياق يتوافق مع مقتضيات الامر الواقع الذي يتطلب رفع رايات الغالب وتنكيس رايات المغلوب.

لكن المستغرب ما نراه الان في السياسة العراقية -ان صحت تسميتها سياسة- من انقلابات فظيعة في المواقف السياسية وتحولات الخطاب من الند الى الود، وكيف ينقلب الخطاب والموقف وكيف تقاد كيميائيات ادمغة الناس وفقا لذلك، اذ تعمل القوى السياسية على تحويل المقدس الى مدنس مخذول والمدنس الى مقدس مرفوع في ليلة وضحاها. فما هي إلا لحظات ليتم تناسي كلّ المواقف والخصومات السابقة والتركيز على تطلعات المصلحة السياسية الحالية بل والدفاع عن الخصم سابقا والصديق حاضرا ومهاجمة الصديق سابقا والخصم حاضرا، أما الجمهور فمواسم ودواليب ونواعير فليس لديهم سوى الصدح بالشعارات قدحاً ومدحاً ورفع الصور او إنزالها حسب ما ترتأيه الزعامات السياسية التي يتبعوها، دون ان يتغير الزمن او النظام السياسي او القادة السياسيين أنفسهم.

وهنالك اسباب عديدة تفسر هذه التقلبات في الخطاب والسياسة اهمها القيادة السياسية، التي تعمل دائماً على استغلال سياقات البيئة العراقية المبنية على العواطف والانفعالات ولهذا تعمل وفق هذا المركب فتكون النتيجة كذلك: قيادة انفعالية عاطفية وليست عقلانية، اذ تأسس هذه القيادة علاقاتها مع البيئة الاجتماعية وفق علاقة تابع تعمل على تغييبه عن الوعي السياسي والاجتماعي ومتبوع متعطش للسلطة يعمل على استدامة هذا التغييب واللعب على اوتاره والايحاء بأنه الخيار الوحيد والافضل، وتقوم القيادة المتبوعة بعملية تنميط وتجهيل متعمد للقاعدة الشعبية التابعة لها والمراهنة على إبقائها غير قادرة على التمييز بين ما هو خطأ وما هو صواب، لتعتقد هذه القاعدة ان مصلحتها هو ما في مصلحة تلك القيادة وما تقوله وما توجه به والعكس صحيح.

هذه الانقلابات في الخطاب والمواقف السياسية التي تحركها المصالح الفئوية ستُغيب عملية بناء الدولة عن وعي القيادة الحاكمة ويصبح وعي القاعدة الشعبية قاصرا مختزلا بأن الدولة هي القيادة (القائد، الحزب، الكتلة) ولا معنى للمؤسسة والقانون والنظام خارج هذه الاطر.

هنا سيغيب البعد القيمي الذي يعني ان السلطة لا تختزل بالفرد بل بالجماعة عن عملية بناء الدولة، ولهذا تتهاوى القيم والمبادئ الحاكمة والضابطة لهذا البناء، كما سيغيب عن التابع والمتبوع مسألة مهمة وهي: ان السياسة علم وفن لإدارة شؤون المجتمع وحل مشكلاته عبر إشراك المجتمع في ذلك، وتعمم وعياً قيميا آخر، يختزل السياسة بالقيادة والزعامة واحلال المواقف والخطابات السياسية اينما تريد ان تضعه مصلحة هذه القيادات والزعامات.

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية / 2001 – 2022 Ⓒ
http://mcsr.net

اضف تعليق