تؤدي البروباغندا ادواراً مهمة في الحروب من خلال الاعلام الذي تبثه الاطراف المتصارعة لغرض التأثير كل طرف على الطرف الاخر وكسب مجريات المعركة لصالحه، وقد لا تختلف البروباغندا في الحرب الروسية الاوكرانية -التي اندلعت منذ ثلاثة اسابيع من تاريخ المقال- عن الحروب التقليدية على مر التاريخ من حيث الهدف.

لكن ما يميز البروباغندا في الحرب الدائرة الان بين الروس والاوكرانيين انها تندلع في اوجه قوة وذروة وسائل الاعلام الحديثة مثل شبكة المعلومات العالمية، وتويتر، وفيسبوك، ويوتيوب، والصحافة الالكترونية، وغيرهم اضافة الى شاشات التلفزيون، وتتميز من قوة انتشار وسهولة استعمالها وتحقيق الاهداف من خلالها اذ استبدلت هذه الوسائل والوسائل التقليدية في الحروب التقليدية السابقة التي كانت تعتمد الوسائل البدائية في تأدية ادوار البروباغندا.

وفي دور البروباغندا في الحرب الروسية الاوكرانية فعندما أعطى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الأمر بغزو أوكرانيا، توقع معظم المحللين غزوا سريعا من قبل القوات العسكرية الروسية المتفوقة بشكل كبير، لكنه لم يحدث ذلك على أرض الواقع. وتنقسم وسائل الاعلام حول العالم لتغطية الحرب الروسية على أوكرانيا، لكن معها تنقسم الروايات، إذ ليست هناك رواية واحدة لما يحصل في أوكرانيا منذ ثلاثة اسابيع، بل روايتان رسميّتان، تتفرّع من كلّ منهما روايات أخرى، ضمن حملات دعائيّة واسعة تحكم المشهد.

تنشط روسيا البروباغندا المدعومة بخطابات رسميّة وإنتاجات إعلاميّة ضخمة، فيما تحاول أوكرانيا بثّ أخبارها عبر صفحاتها الرسمية عبر مواقع التواصل، بينما يجهد مواطنوها لإيجاد ملاجئ، ناشرين المأساة الإنسانية التي لحقت بهم جراء مطامع روسيا وغزوها على الأرض، تواجه أوكرانيا (ثاني أكبر جيش في العالم)، لكن القوة العسكريّة الروسية ترافقها قوة إعلاميّة ضخمة موازية، تنشط منذ أشهر في بثّ دعاية ومعلومات أغلبها تضليلية تحاول تبرير الحرب، وترفقها بشعارات وتحليلات تجوب الشاشات.

وفيما تُقطّع أوصال الأوكرانيين داخل بلدهم، ويزداد الضغط والتهديد لأرواحهم، تسيطر صور الطوابير أمام محطات الوقود والبنوك والسلاسل الغذائيّة، كما الملاجئ، في مأساة يشاهدها العالم عبر الإعلام ومواقع التواصل على حدّ سواء.

كانت البروباغندا -أو حرب الدعاية- ذات أهمية خاصة في تشكيل مدى استجابة أوكرانيا والعالم بشكل دراماتيكي للغزو الروسي، تعمل روسيا على صقل مهاراتها في مجال التضليل على الأقل منذ أن استولى البلاشفة على سيطرتهم في عام 1917. في ظل حكم بوتين ضابط المخابرات السابق، عزز الكرملين قدرات العمليات الإلكترونية الفعالة والمخيفة على نطاق واسع.

وعلى الرغم من ذلك، فإن (الدعاية الروسية تنهال، لكن أوكرانيا تداهمها منذ أسبوع الآن)، كما كتب إيان غارنر، مؤرخ روسي تابع دعاية باللغة الروسية خلال الصراع: "كل يوم أنا مقتنع أكثر من ذي قبل أن نظام بوتين قد بالغ في تقدير قدرته على كسب حرب دعائية". في حين قال غراهام شيلينبرغر، خبير الدعاية في شركة ميبورو سوليوشنز الاستشارية، لاحدى الشبكات الاعلامية في الولايات المتحدة انه من المفاجئ أيضًا أن "أوكرانيا تفوز في حرب المعلومات".

ومنذ أن استولت روسيا على شبه جزيرة القرم ودعمت الجيوب الانفصالية في منطقة دونباس في عام 2014، ادعى بوتين أن أوكرانيا تقودها حكومة غربية عميلة للنازيين يرتكبون "إبادة جماعية" ضد الأوكرانيين الناطقين بالروسية، عندما أعلن عن عمليته العسكرية الخاصة، قال بوتين إن الهدف هو "نزع سلاح أوكرانيا". كتبت زويا شيفتالوفيتش من بوليتيكو: "كانت الرسالة الدعائية الأخرى للكرملين هي أن أوكرانيا شكلت تهديدا وجوديا لروسيا، وأنهم بحاجة إلى إنشاء حاجز بين الناتو (وكيل للولايات المتحدة) والاتحاد الأوروبي". أمضى بوتين السنوات الـ22 الماضية في محاولة منع أوكرانيا من التحالف مع أوروبا الغربية والانسحاب من دائرة نفوذ روسيا. لقد استخدم الكرملين وسائل التواصل الاجتماعي أيضا كسلاح، حيث وظف المتصيدون لنشر معلومات مضللة حول الحرب وإثارة المعارك على الإنترنت.

يتجه بعض الروس إلى مصادر بديلة من أجل الحقيقة ولاختراق الدعاية حسب مراكز ابحاث امريكية، يستخدم البعض شبكات VPN أو شبكات خاصة افتراضية لإخفاء مواقعهم للوصول إلى المواقع المحجوبة مثل Twitter و Facebook والمؤسسات الإعلامية التي تقدم تقارير مستقلة عن الكرملين، كما يقول Ioffe. ارتفع الطلب على الشبكات الخاصة الافتراضية (VPN) بأكثر من 2000٪ ، أي قبل يوم من قيام نظام بوتين بإغلاق الوصول إلى Instagram.

من جانب ثاني تحاول روسيا الترويج لفكرة تحرير أوكرانيا من النازيين الأسطوريين، فإن أوكرانيا تقارن غزو بوتين بمذابح أدولف هتلر ضد الأوكرانيين في الحرب العالمية الثانية. ولكن أكثر من أي شيء آخر، تركز الدعاية الأوكرانية على الإنترنت بشكل كبير على أبطالها وشهدائها، والشخصيات التي تساعد في تصوير حكايات الثبات الأوكراني والعدوان الروسي. وذهب بيتر سينغر، الخبير الاستراتيجي في مركز أبحاث نيو أمريكا: "إذا لم يكن لدى أوكرانيا رسائل عن استقامة قضيتها، وشعبية قضيتها، وبسالة أبطالها، ومعاناة شعبها، فإنها ستخسر الأوقات، ليس فقط حرب المعلومات، لكنها ستخسر الحرب الشاملة".

في حين تكتب كييف عن قصص الأبطال والشهداء الأوكرانيين، والوحشية الروسية ضد المدنيين، والمقاومة المدنية: "لقد وضع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي "المعيار الجديد" باعتباره "رجل الشعب""، حيث استحوذ على الزعماء الأوكرانيين والأجانب من خلال التواصل من شوارع ومخابئ العاصمة المحاصرة، ويضيف أن الأوكرانيين كانوا فعالين للغاية في "إضفاء الطابع الإنساني" على الحرب، "هذا هو المكان الذي تكون فيه القطة أكثر الأسلحة فتكا في حرب المعلومات". كان للأخبار الكاذبة انتشار واسع منذ الأيام الأولى للحرب ولغاية الان، مع نشر صور ومقاطع من دول أخرى ولمآس واعتداءات أخرى على أنها من أوكرانيا، بينها ما كان لانفجار بيروت أو للعدوان على غزة العام الماضي، وغيرها.

نتائج حملة البروباغندا بين روسيا- اوكرانيا؟

تشير التقارير الغربية ان تقدم البروباغندا الاوكرانية على الرغم من اعتراف الروس للبروباغندا من عدة عقود لكن تقدم البروباغندا الاوكرانية هو لسبب واحد، من الأسهل الترويج لقصة أن روسيا هي المعتدي القاتل -لقد غزت أوكرانيا بموضوعية وقتلت المدنيين، بعد كل شيء- من فكرة أن أوكرانيا أو الناتو أو رئيس نازي يهودي أجبر بوتين على الغزو، يقول سينغر إن أوكرانيا والولايات المتحدة وبعض الحلفاء في حلف شمال الأطلسي (الناتو) قاموا أيضا بتغطية مزاعم ضحايا روسيا من خلال توثيق حشد الكرملين للقوات على طول الحدود الأوكرانية منذ شهور.

بدأت إدارة بايدن في تبادل المعلومات الاستخبارية حول تحركات روسيا ودوافعها مع الحلفاء الذين غالبا ما كانوا متشككين في الخريف الماضي، ثم اتخذت خطوة غير عادية تتمثل في الإعلان عن معلومات استخباراتية في الوقت الفعلي تقريبا في الأسابيع التي سبقت غزو بوتين، وفقا لتقارير بوليتيكو: "ببطئ وبجهد، تم جلب الحلفاء المترددين على متن الطائرة"، وبعد ذلك عندما ضغط بوتين على الزناد، كان الغرب أكثر توحيدا وسرعة في معاقبة العقوبات مما توقعه بوتين وربما حتى الغرب، كما أعاقت روسيا نفسها بالتمسك بمعلوماتها بشأن "عملية عسكرية خاصة" محدودة.

ويقول مايكل كوفمان، المحلل العسكري في مركز أبحاث CNA، "إن الأوكرانيين ينشرون أدلة على نجاحاتهم القتالية"، لكن روسيا ليست كذلك. في محاولة يائسة لإخفاء الحرب عن الرأي العام الروسي، وتصويرها على أنها كعملية دونباس، تخلت موسكو تماما عن بيئة المعلومات لأوكرانيا.

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية/ 2001 – 2022 Ⓒ
http://mcsr.net

اضف تعليق