يتميز النظام الدولي بعدد من الخصائص، ومن بين هذه الخصائص انعدام السلطة الدولية، على الرغم من بروز فاعلين دوليين من غير الدول، إلا انه تبقى الدولة الفاعل الرئيس على صعيد المسرح الدولي، سيما وأنها تتمتع بالسيادة. وكما يرى الواقعيون بان سياسة توازن القوى هي السياسة التي تحقق الامن والاستقرار للدولة، وان الدول مجبرة على اتباع هذه السياسة وليست مخيرة؛ بمعنى اخر حتى تبقى الدولة على قيد الحياة يجب عليها ان تعتمد على نفسها للمحافظة على وجودها وتحقيق امنها القومي، او كما يطلق عليها (المساعدة الذاتية).

يعيش العراق الآن في بيئة دولية متغيرة، تحمل في طياتها تهديدات حقيقية لوجوده كدولة، فمنطقة الشرق الاوسط تشهد منذ مدة مرحلة تغيير كبيرة، ليس في تغيير الانظمة السياسية فحسب، بل تشهد تغييراً في بناء مفهوم الدولة. واهم مسألة يجب ان يدركها صناع القرار هو فهم التغييرات في البيئة الدولية، كما ينبغي عليهم أن يدركوا أن هذه المتغيرات تحمل في طياتها المخاطر، والعمل على وضع الاستراتيجيات الملائمة التي تحافظ على امن العراق كدولة وكمجتمع.

في الواقع، الحرب التي يخوضها العراق الان هي حرب استنزاف لقدراته العسكرية والمادية، سيما انه يواجه مشكلات مالية كبيرة نتيجة تراجع أسعار النفط، الذي يعتبر المصدر الرئيسي للدخل القومي العراقي.

ومن ثم، فانه يواجه الآن مشكلة حقيقية بمسألة التسليح، مما يوجب التفكير بإيجاد الحلول العاجلة والمناسبة، وهناك بعض الخيارات المطروحة امام صناع القرار في العراق: اما الانضمام الى حلف قوي يحقق له قوة إضافية لتحقيق مصالحه الأمنية، أو الاعتماد على الذات عبر توفير الموارد المالية الكافية التي تمكنه من شراء السلاح المطلوب الذي يمكنه من تغيير المعادلة على الأرض لصالحه، أو تبني سياسة تصنيع عسكري تساعده على بناء قاعدة صناعية عسكرية تمكنه من إنتاج الاسلحة التي تساعده على البقاء على قيد الحياة. وهذا الأمر مرتبط بشكل رئيس بتوفر إرادة وطنية حقيقية تدرك المشكلة الكبيرة التي تعصف بالعراق الآن، وعلى صناع القرار اتخاذ القرار السريع والمناسب في هذا الامر.

كما يسبق هذا القرار، انه يجب على صناع القرار في العراق حل المشاكل الداخلية وتحقيق التماسك الداخلي وعدم اعطاء فرصة للآخرين للتدخل بشؤونه الداخلية وايجاد الاليات الدستورية والقانونية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية لحلها. فالعمل ليس سهل ولكنه ليس مستحيل إذا ما توفرت الإرادة السياسية التي تستطيع استثمار موارد الدولة لبناء دولة قوية قادرة على البقاء.

توصيات عامة لبناء عراق قوي:

1- رسم سياسات اقتصادية فاعلة لبناء قاعدة اقتصادية وصناعية قوية.

2- تطوير الاقتصاد الوطني من خلال تشجيع القطاع الخاص.

3- ايجاد موارد اخرى غير النفط كمصدر للدخل القومي.

4- الاهتمام بالقطاع الزراعي، وتشجيع الاستثمار في هذا المجال.

5- تشريع القوانين لحماية المنتوج الوطني.

6- بناء مؤسسات قضائية وقانونية مستقلة وقوية، وتحقيق العدالة الاجتماعية.

7- دعوة المؤسسات الرسمية وغير الرسمية (منظمات المجتمع المدني) لتثقيف المجتمع على اهمية قيمة العمل والفضائل الاجتماعية الاخرى في بناء دولة قوية.

8- تغيير القوانين والتشريعات التي تعرقل الاصلاح الاقتصادي والسياسي والاجتماعي.

9- الاستفادة من خبرة العراقيين في الخارج في بناء الدولة مع تشجيع الشباب في الداخل على اخذ دورهم في بناء دولتهم.

10- القرن الحادي والعشرين هو قرن المعرفة العلمية التكنولوجية، ويجب التركيز على تطوير المناهج الدراسية بالاختصاصات كافة في هذا المجال. وكما يقال أن "العقول النيرة أفضل من النفط". وذلك من خلال التركيز على بناء الجامعات والكليات والمعاهد العلمية والتكنولوجية.

11- اما على مستوى السياسة الخارجية، فيجب على صناع القرار تحديد المصالح الوطنية العليا للدولة بشكل واضح، وتبني مبدأ "الربط" في التعامل السياسي والدبلوماسي مع الدول الاخرى، وذلك من خلال ربط التبادل التجاري معها بمدى مساعدتها للعراق بالمجالات كافة، وعدم تدخلها بشؤونه الداخلية.

12- تبني مفهوم "تعدد الاتجاهات" بالسياسة الخارجية، وذلك بإقامة علاقات مع الدول الاخرى على قاعدة الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، إذ من شأنه تنويع خيارات السياسة الخارجية، لتحقيق مجموعة من الفوائد المهمة التي تصب في دعم المصلحة الوطنية للدولة.

13- بناء مؤسسة عسكرية قوية وتنويع مصادر السلاح، وكذلك بناء عقيدة عسكرية جديدة تتلائم والمرحلة الجديدة التي يمر بها العراق.

* كلية العلوم السياسية – جامعة بغداد
** مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية
http://mcsr.net

اضف تعليق