آراء وافكار - مقالات الكتاب

صديقي السياسي

كان مدرسا معي في ذات المدرسة، نحضر سوية ونغادر معا كل يوم.. يحدثني عن حبه للسياسة ومهاراتها وحبائلها ودهاليزها وهمومها وكذبها وتلونها وانتكاساتها وانتصاراتها وهزائمها، كان شغوفا ومحبا للاخبار والتقارير السياسية والتحليلات الفكرية، قرأ كتاب الامير لميكافيلي عشرات المرات، عشق رجال الفكر والرأي واقتنى كتب...

كان مدرسا معي في ذات المدرسة، نحضر سوية ونغادر معا كل يوم.. يحدثني عن حبه للسياسة ومهاراتها وحبائلها ودهاليزها وهمومها وكذبها وتلونها وانتكاساتها وانتصاراتها وهزائمها، كان شغوفا ومحبا للأخبار والتقارير السياسية والتحليلات الفكرية، قرأ كتاب الامير لميكافيلي عشرات المرات، عشق رجال الفكر والرأي واقتنى كتب القادة والمفكرين والزعماء وراح ينهل منها ليأتينا صباحا محملا بما قدر عليه من افكار واراء يطرحها علينا بحب ورغبة جامحة بان يصبح سياسيا ذات يوم..

كان مدرسا معنا في مدرسة نحرص على الدوام اليومي بها لإكمال مناهجنا الدراسية قبل امتحان نهاية العام، نواظب على التدريس واعطاء الواجبات تسابقا مع الزمن.. كان يقرأ السياسة بنهم في كل وقت كما يتناول وجباته اليومية المفروضة.. يقرأ ويتأثر ويتكلم كثيرا عن كل ما يعلق بذهنه.. عندما يستلم راتبه الشهري، يعطي قسما منه الى الفقراء والمعوزين تطبيقا لمبدأ مساعدة شريحة من المجتمع كواجب وطني.

وفي خطوة اخرى يمنح بعضا من راتبه الى اربعة من عمال النظافة الشباب الفقراء الذين يعملون في الشوارع القريبة من مدرستنا كتكافل اجتماعي كما يرى. كان يحب مشاركة الناس افراحهم واحزانهم ويبحث عن المناسبات كالأبرة وسط اكوام القش ليحضرها ويقابل الناس ويشرح لهم الاعيب السياسة ومكرها وبأنه يمكن ان يغير شيئا لأنه يمتلك نظريات كما يزعم تساعد في تحسين الوضع العام المعقد اصلا.

قبل انتخابات مجالس المحافظات بستة اشهر، اعلن عزمه الترشح وبدأ حملة مبكرة لحث الناس على انتخابه بادئا بنا نحن في المدرسة وطلب منا التأثير على اقربائنا ومعارفنا للتصويت له. باع كل شيء ثمين في بيته ولم تسلم حتى سيارته الصغيرة القديمة ليمول حملته الانتخابية الساخنة.

انتهت الانتخابات واعلنت المفوضية اسماء الفائزين بمقاعد مجلس المحافظة ولم يظهر اسمه معهم. في الدوام بعد يومين شرح لنا مبررات فشله في الحصول على مقعد ولم يقتنع بالهزيمة وانه مصمم على الفوز بمقعد في مجلس النواب. استلم سلفة عشر ملايين دينار من المصرف واستدان مبلغا يقول انه أكثر من عشرين مليونا اضافة الى مساعدات من بعض اقاربه ودخل سباق انتخابات مجلس النواب لعله يحصل على مبتغاه.

جند لهذه المهمة الصعبة أكثر من عشرة شباب كمساعدين في الحملة مهمتهم تعليق الصور واللوحات التعريفية ويستوقفون المارة بإعطائهم كارتات تحمل صورته وبعض العبارات الحماسية. تطور المشهد أكثر حينما راح يطبع مئات الصور الكبيرة بالآجل وأنه سوف يقوم بسداد المطابع لاحقا.

قرأت المفوضية اسماء الفائزين ولم يظهر اسمه حتى مع الاحتياط. تألم كثيرا وراح البعض يلتف حوله لسماع اقواله بعد هزيمته الجديدة وأول شيء فعله لم يقم بتوصيلي معه كما جرت الايام لأنه ببساطة لم يعد يمتلك سيارة فترك صحبتي في الذهاب والاياب من المدرسة وخارج المدرسة. لكنه تحامل على نفسه هذه المرة وجاء بعد يومين مبتسما الى الدوام ودخل الى الصف وكأنه ورث كنزا كبيرا.. توزعت ابتساماته نحونا وبات يشاركنا في احاديثنا التي كانت لا تعجبه لأنها بعيدة عن شغفه وعشقه كما يقول.

في ذات صباح حضر الينا حاملا بضعة كتب وفرشها على الطاولة، كانت كتبا نقدية وروائية، رولان بارت وجيمس جويس وفرجينا وولف ونجيب محفوظ وسعيد الكفراوي وراح يتصفحها بتلذذ عجيب ونحن ننظر اليه بذهول. في اليوم التالي صادر الوقت كله لصالحه وبدأ يتكلم عن نظرية موت المؤلف لرولان بارت وشخصية زيطة صانع العاهات لنجيب محفوظ ومدينة دبلن في رواية عوليس لجيمس جويس، كان يتكلم بحب جارف للأدب ويؤيد هذا الكاتب ويرفض ذاك الاخر.. مساء كان في الصف الاول لأمسية نادي الكتاب وانطلقت مواهبه المفاجئة بالرواية والنقد ونظرياته ومناقشاته ومداخلاته الحادة.

بعد عشرة ايام، حضر صباحا كعادته وهو كئيب ضجر مسوّد الوجه.. القى تحيته بهمس وجلس مستمعا لنا لكنه لم يشاركنا الحديث.. فجأة نهض من مكانه ونطق عبارته التي هزتنا جميعا: سأعتزل الادب والسياسة الى الابد وسأعود مدرسا كما كنت دوما، ولكن بلا اسئلة منكم لأني لا املك اجوبة لها.

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق