الامام زين العبادين، عليه السلام، لم يتشفّ بالناس بأنهم المسؤولون عما حلّ بهم بسبب خذلانهم لأهل بيت رسول الله، وسكوتهم على الظالم، إنما المنهج الرسالي والأسلوب الإنساني يدعو الى معالجة متكاملة تبدأ من الحالة المعيشية، و بموازاتها؛ تكون المعالجة النفسية بالدعاء والتهجّد لتهذيب النفس...
تميّز الدور الاجتماعي للإمام زين العابدين، عليه السلام، بأنه كان انسانياً بامتياز، فبعد عودته الى المدينة من النهضة الدامية في كربلاء بقيادة أبيه سيد الشهداء، الامام الحسين، عليه السلام، انطلق في نهضة من نوع جديد وغير مسبوق لتهذيب النفوس وإعادة النقاوة الى الفطرة الإنسانية من خلال سلسلة برامج مكثفة ودقيقة، مثل؛ تعليم افراد الأمة على الارتباط الصحيح بالله –تعالى- بالدعاء والمناجاة، ومحاسبة النفس وتهذيبها، وايضاً؛ بدروس أخلاقية عالية المستوى مثل الحِلم، والإحسان، والعطاء من نوع خاص نتحدث عن جانب منه ونحن نعيش ذكرى استشهاده الأليمة هذه الأيام.
معالجة الكرامة الجريحة في الأمة
عندما نسمع عن التزام الامام زين العابدين، عليه السلام، أسلوب صدقة السرّ، علينا الالتفات الى الظروف النفسية لدى أهل المدينة في ظل نظام حكم يزيد في الفترة التي أعقبت واقعة الطف، فقد أمعن الطاغية –اقتفاءً لأثر أبيه- في إذلال المسلمين وانتهاك حقوقهم وكرامتهم، وكانت الذروة في هذه النزعة الاجرامية؛ واقعة الحرّة سنة 63 للهجرة، أي بعد عامين من واقعة الطف، ونترك التفاصيل المُريعة للقارئ اللبيب والمتابع، وما فعل جنود يزيد بالنساء والفتيات المسلمات في مدينة رسول الله، مما جعل أهل المدينة في وضع نفسي غاية في الحساسية، وهو ما أدركه الإمام، وعمل على معالجته والتخفيف من وطأة الضغط النفسي مما ارتكبه الجيش الأموي، فبادر الى اجراء خاص فيما يتعلق بملف العطاء لديه، بأن اتبع أسلوب التخفّي في إيصال المساعدات و"السلات الغذائية" الى بيوت الفقراء.
وقد تواترت الروايات في مصادر الحديث والتاريخ عن هذه الخصيصة في سيرة الامام زين العابدين، عليه السلام، منها الرواية التي صدرنا بها المقال، ترويه عائشة بنت أبي بكر، أنها سمعت من أهل المدينة يقولون: "ما فقدنا صدقة السر حتى مات علي بن الحسين"، وعن أبي حمزة الثمالي: كان زين العابدين يحمل جراب الخبز على ظهره بالليل فيتصدق به ويقول: إن صدقة السرّ تُطفئ غضب الربّ".
ليس هذا فقط، بل ذهب الامام الى أبعد من هذا في عملية المعالجة النفسية الباهرة بأن كان يقبّل الفقير قبل إعطائه الصدقة، وهذه تُعد "حركة متطورة اذا اقترنت بالعطاء المادي، ولذلك حدد الامام التعامل مع الصدقة بالعطاء والاحترام، والدعاء للفقير بالرزق، لان القبلة وحدها لا تُغني من جوع، فما اكتفى بالعطاء بل جمّله بحبّة مسكٍ تضج برائحة الكرامة". (سيرة أهل البيت، تجليات للإنسانية- حسن عباس نصر الله)، وقد وثّق هذه الحالة صاحب "تاريخ دمشق" بأن الامام زين العابدين كان اذا ناول السائل الصدقة قبله ثم ناوله"، وهو يقول: "سادة الناس في الدنيا الأسخياء".
وما أعظمه من درس في المواساة لمعالجة آلام نفسية كامنة في أعماق النفوس بسبب الظلم الذي ما تزال الامة تشكو منه حتى اليوم، فهل تنفست الامة الصعداء يوماً واحداً من حكام الجور والطغيان والفساد؟! وهل تنعّمت الأمة يوماً واحداً من ظلم أصحاب الرساميل والطبقة الثرية بسبب الجشع والطمع وعبادة المال؟!
الامام، سلام الله عليه، لم يتشفّ بالناس بأنهم المسؤولون عما حلّ بهم بسبب خذلانهم لأهل بيت رسول الله، وسكوتهم على الظالم، وغيرها من ألوان التقريع، وإن كانت عن حقّ، إنما المنهج الرسالي والأسلوب الإنساني يدعو الى معالجة متكاملة تبدأ من الحالة المعيشية، و بموازاتها؛ تكون المعالجة النفسية بالدعاء والتهجّد لتهذيب النفس، وإرشادها الى الصلاح والفلاح، حتى لا تسوق صاحبها الى الانصياع للظالم والرضوخ أمام المال والغريات.
لنفترض أن الامام زين العابدين افتتح داراً خاصة بتوزيع المواد الغذائية للفقراء، وصار النداء للجميع لمن يريد يتوجه الى دار الامام لاستلام "حصته الغذائية المجانية"، فان الناس ستشبع مادياً من عطاء الإمام، ولكن الثغرة النفسية ستبقى في النفوس، لأن بعد غياب الامام عن الساحة الاجتماعية، سيأتي من هو أكثر مالاً منه، من الأثرياء وأصحاب السلطة والنفوذ ويفتتحون دوراً متعددة لهذا الغرض الغاية منها تلبية حاجة الناس من الغذاء والاشياء الأخرى، وتبقى افرازات المهانة والإذلال تتدفق في السلوك العام بطريقة الكلام السيئ، والتصرفات غير الأخلاقية، فمن يعيش طول حياته مهاناً وقد تعرض لأسوء أنواع الانتهاك وبشكل رسمي و شرعي! كيف يتسنّى له احترام الآخرين والحفاظ على حقوقهم وكرامتهم؟
إن الأخلاق الحسنة مثل؛ والتواضع، والصدق، والأمانة، والفضائل مثل؛ الورع، والتقوى، والشُكر، كلها مسائل معنوية نطمح لأن تمتد في سلوك وثقافة الفرد والجماعة، بيد أن هذا لن يتم إلا بتمهيد معنوي مثله، وليس الاقتصار على توزيع الطعام والشراب والسلات الغذائية والمواد العينية، وهي مطلوبة جداً دون شك، إنما الحاجة الى "الصدقة المعنوية" التي تعالج الفقر النفسي والروحي، ولذا نقرأ في الحديث الشريف: "الكلمة الطيبة صدقة"، فكما أن الكلمة الطيبة ينتفع بها صاحبها معنوياً لتجنب الأخطاء في حياته، فانه ينتفع بالصدقة المعنوية عندما تأتيه على شكل احترام للمشاعر، وتفهّم للحالة والموقف بشكل دقيق، يكفي أن نعرف الفارق الكبير بين من يعطي شيئاً او يحل مشكلة بناءً على طلب صريح، وبين من يستبق القول في العطاء والمواساة، وهذه تحتاج الى قابلية خاصة لمن يضعون انفسهم في موقع مسؤولية التغيير والإصلاح ومحاربة الفساد والطبقية.



اضف تعليق