بقي الحسين (ع) في الذاكرة الإنسانية مصلحاً أكبر من كونه ثائراً. فالثوار كثيرون في التاريخ، أما المصلحون الذين يغيرون ضمير الأمم ومسارها الحضاري فعددهم قليل. ومن هنا كانت عظمة الحسين؛ إذ لم يسعَ إلى تغيير حاكم فحسب، بل سعى إلى إعادة بناء العلاقة بين السلطة والقيم، وبين الدولة والإنسان، وبين القوة والحق...

حين تُذكر نهضة الإمام الحسين، كثيراً ما تُوصف بأنها ثورة. وهذا الوصف صحيح من جهة، لكنه لا يكفي لفهم حقيقة ما أراده الحسين من حركته. فالثورة في معناها السياسي التقليدي تهدف إلى إسقاط سلطة قائمة وإقامة سلطة بديلة، أما الحسين فقد عبّر بنفسه عن هدفه عندما قال: «إني لم أخرج أشِراً ولا بطِراً ولا مفسداً ولا ظالماً، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي».

وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل كان الحسين مصلحاً أم ثائراً؟

الجواب أن الحسين كان مصلحاً استخدم الثورة وسيلة للإصلاح. فالإصلاح كان هو الهدف، أما الثورة فكانت الأداة التي فرضتها الظروف التاريخية. ولو أمكن تحقيق الإصلاح من دون مواجهة أو صدام لما كان الحسين بحاجة إلى حمل مشروعه إلى كربلاء.

والفرق بين الإصلاح والثورة فرق جوهري. فالثورة تركز على تغيير السلطة، أما الإصلاح فيركز على تغيير المسار. وقد تنجح ثورة في إسقاط حاكم ثم تفشل في بناء مجتمع أفضل، بينما ينجح مشروع إصلاحي في تغيير وعي الأمة حتى لو لم يصل أصحابه إلى السلطة. ولهذا فإن قيمة الحسين لا تكمن في أنه حاول الاستيلاء على الحكم، بل في أنه حاول إعادة الأمة إلى القيم التي قامت عليها الرسالة الإسلامية.

لقد رأى الحسين أن الخلل لم يعد مقتصراً على شخص الحاكم، بل أصبح خللاً في بنية الدولة وفي طبيعة العلاقة بين السلطة والقيم. فبعد التحولات التي شهدها التاريخ الإسلامي منذ وفاة الرسول، وبعد انتقال الخلافة إلى ملكية وراثية، أصبحت الدولة مهددة بفقدان مشروعيتها الأخلاقية، وأصبح الخوف قائماً من أن تتحول الرسالة إلى مجرد غطاء ديني لسلطة سياسية.

ومن هنا جاء مشروع الإصلاح الحسيني. فقد كان الحسين يريد إعادة الاعتبار إلى المبادئ التي قامت عليها الأمة في بداياتها الأولى: العدالة، والحرية، والكرامة، وتحمل المسؤولية، واحترام الإنسان، وخضوع السلطة للقيم. وهذه كلها ليست أهدافاً سياسية عابرة، بل أهداف حضارية تتعلق بمستقبل الأمة وهويتها التاريخية.

ومن زاوية الفلسفة الحضارية يمكن القول إن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ بتغيير الحكام، بل يبدأ بتصحيح منظومة القيم الحاكمة للمجتمع والدولة. فالفساد السياسي ليس سوى نتيجة لفساد أعمق يصيب الوعي والقيم والمعايير. وعندما تختل القيم تختل السياسة والاقتصاد والثقافة وسائر مؤسسات المجتمع.

ولهذا لم يكن الحسين يدافع عن حق شخصي في الحكم، بل كان يدافع عن حق الأمة في أن تُحكم بالقيم لا بالأهواء. وكان يرى أن الدولة تفقد معناها عندما تتحول إلى أداة للغلبة والقهر، وتفقد شرعيتها عندما تنفصل عن رسالتها الأخلاقية.

لقد انتهت الثورة الحسينية عسكرياً في كربلاء، لكن مشروع الإصلاح الذي حمله الحسين لم ينته. بل يمكن القول إن الإصلاح الحقيقي بدأ بعد كربلاء، عندما تحولت دماء الحسين إلى قوة أخلاقية هائلة أعادت إحياء الضمير الإسلامي، وكشفت للأجيال اللاحقة حجم الانحراف الذي أصاب الدولة والمجتمع.

ولهذا بقي الحسين في الذاكرة الإنسانية مصلحاً أكبر من كونه ثائراً. فالثوار كثيرون في التاريخ، أما المصلحون الذين يغيرون ضمير الأمم ومسارها الحضاري فعددهم قليل. ومن هنا كانت عظمة الحسين؛ إذ لم يسعَ إلى تغيير حاكم فحسب، بل سعى إلى إعادة بناء العلاقة بين السلطة والقيم، وبين الدولة والإنسان، وبين القوة والحق.

وهذا هو الدرس الذي ما زال حياً حتى اليوم: فالأمم لا تنهض بمجرد تغيير الحكومات، وإنما تنهض عندما تنجح في بناء منظومة قيم قادرة على توجيه الدولة والمجتمع نحو العدل والحرية والكرامة الإنسانية.

اضف تعليق