لو نراجع روايات الأئمة المعصومين، عليهم السلام، في "مفاتيح الجنان"، وفيها آداب زيارة الإمام الحسين، عليه السلام، بأن "تأتيه مُغبرّاً حزيناً..."، مضمون الرواية، لعلمنا أن القضية ليست إحياء الذكرى وحسب، إنما إعطاء هذه الذكرى روح جديدة في سلوكنا وتفكيرنا...
"لا نُبالي أوَقَعنا على الموت أم وقَعَ الموت علينا".
عليٌ الأكبر، سلام الله عليه
يرتجى أن يكون العلم والمعرفة طريقاً الى الإيمان بالله وبرسوله وبكتابه، وما أنزله من أحكام وقيم، بيد أن هذا لم يحصل يوم عاشوراء، فتسبب في حدوث الصدمة المدوية التي ما نزال نشهد دويها حتى اليوم والى يوم القيامة.
ضمّ جيش عمر بن سعد عدداً لا بأس به من العلماء والعارفين، وعلى رأسهم شخص عمر بن سعد، وشبث بن ربعي وآخرين، كانوا يعرفون من هو الامام الحسين؟ وما هي منزلته في الإسلام، وشخصيته الرسالية والربانية البعيدة عن الرذائل التي يعرفونها في شخص يزيد وأبوه معاوية، وكانت معرفتهم تقودهم الى استنتاج يوفر لهم الراحة والامتيازات، ويبعدهم عن ثقل المسؤولية إزاء قيم الدين ورسالة السماء، فهم يرون في الإمام الحسين صاحب رؤية وتفسير للقرآن الكريم وقيم الدين، وهم بالمقابل لديهم تفسيرهم و رؤيتهم الخاصة بهم، يعني؛ أن القضية اجتهادية! وشعارهم منذ أول ساعة رحل فيها رسول الله الى جوار ربه: "حسبنا كتاب الله"!
بينما نلاحظ مستوى الإيمان في جبهة الحق، متمثلٌ في قامات مثل؛ مسلم بن عوسجة، وحبيب بن مظاهر، وأبي ثمامة الصائدي –صاحب التذكير بوقت الصلاة وسط المعركة- و جون مولى أبي ذر، و زهير بن القين، والحر الرياحي، وجميع أصحاب الامام الحسين في تلك اللحظة التاريخية الحاسمة، كانوا قمماً في العلم والمعرفة، ولا نتحدث كثيراً عن الكواكب مثل؛ ابي الفضل العباس، الذي قال عنه الامام الصادق، عليه السلام، في زيارته: "كنت نافذ البصيرة"، ولا عن علي الأكبر، الذي صدرنا المقال بكلمة خالدة له، ولا القاسم بن الحسن، الذي انقطع شسع نعله، وانحنى لإصلاحه كما لو أن لا أحد أمامه! فالحديث عن هذه الثلّة المؤمنة من أهل بيت رسول الله يحتاج لمقام طويل، فقد كان الإيمان المطلق لهؤلاء جميعاً مستوعباً ساحة المعركة بآلافها المؤلفة، بل وأكبر وأعظم منها بكثير، بل الدنيا وما فيها، فالمؤمن المتصل بالله –تعالى- وبالعالم العلوي لا يحفل بتوافه الأمور، والمظاهر الخداعة، وهذا ما نتعلمه من مدرسة أهل بيت رسول الله، صلى الله عليه وآله.
هذه الأيام شغلني سؤال محيّر!
رغم الحديث الطويل –العريض، والقديم الجديد لعديد العلماء والحكماء والعقلاء بضرورة إحكام الربط بين القول والعمل خلال أداء الشعائر الحسينية، ولماذا نذرف الدموع ونلطم الصدور ولا نصدق الحديث؟! ولماذا نتحمس للطبخ في المواكب، وفي الأيام العادية نتراجع عن مساعدة الفقير، او نشكك في أمره؟! ولماذا...؟! ولماذا...؟!
لو نراجع روايات الأئمة المعصومين، عليهم السلام، في "مفاتيح الجنان"، وفيها آداب زيارة الإمام الحسين، عليه السلام، بأن "تأتيه مُغبرّاً حزيناً..."، مضمون الرواية، لعلمنا أن القضية ليست إحياء الذكرى وحسب، إنما إعطاء هذه الذكرى روح جديدة في سلوكنا وتفكيرنا، فهي كالشمس تعطي دفئها لنا، كما أعطت الدفء نفسه لمن سبقنا بآلاف، او ملايين السنين، وحرارة هذه الذكرى اذا لم تصل الى القلوب لم يتحقق ما ذكره رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، بأن "لقتل الحسين حرارة في قلب كل مؤمن لا تبرد أبداً"، وهذه الحرارة هي حرارة الإيمان بقضية الإمام الحسين، وهي قضية السماء ورسالة الرب –عزّ وجل- في الحياة الدنيا.
فنحن عندما نتحدث عن الاسقاطات في علاقاتنا الاجتماعية مثل؛ انتشار حالات الغشّ، والكذب، والاحتيال، والخيانة، وغيرها كثير، ثم نشكو سطوة الحكام والفاسدين المعشعشين في واقعنا الفاسد، علينا العودة الى القلب، والى الضمير، والى النفس التي بيدها قياد الانسان، توجهه الى الحق والفضيلة اذا كان نقياً صالحاً، والعكس بالعكس، ولن يتحقق هذا إلا بالايمان بالله –تعالى- وبأوليائه الصالحين، وبما يريدونه منّا بالتحديد، وفي نفس الوقت؛ تحجيم الذات وما يعده البعض "الاعتداد بالنفس"، فهذه كانت قاتلة أهل الكوفة في تجربتهم المريرة مع الامام الحسين، عليه السلام، بل وتجربة من سبقهم، وكانوا هم السبب في تمهيد الأرضية للطغاة بأن يسفكوا دماء آخر ابن بنت نبي على وجه الأرض، و"الحبل على الجرار"، فكلما قلّ منسوب الإيمان علا منسوب الكُفر بين أفراد الأمة، ولا يعني بالضرورة الكفر بأن ثمة اشخاص على غرار أبي سُفيان أو ابي جهل! إنما مسلمون وموالون لأهل البيت، ويؤدون كل الفرائض والاعمال المستحبة، ولكن المشكلة؛ أن أيديهم في مكان، وقلوبهم في مكان آخر!



اضف تعليق