كل عام، تنتهي المسيرة، وتُطوى المواكب، ويعود الملايين إلى بيوتهم. غير أن السؤال الحقيقي لا يسير مع الزائر إلى منزله، بل يبقى واقفًا على الطريق ينتظر الإجابة: ماذا بقي من الأربعين بعد الأربعين؟ إذا بقيت الذكريات وحدها، فقد كسبنا تجربة روحية عظيمة. وإذا بقيت القيم تتحرك داخل المدارس، والجامعات، والدوائر، والبيوت، ومؤسسات الدولة، فقد كسبنا مشروعًا حضاريًا طويل الأمد...
في مساء اليوم الأخير من زيارة الأربعين، كان أحد المتطوعين يفكك خيمة خدمية أقيمت على جانب الطريق. بقي يعمل ساعات طويلة بعد أن غادر آخر الزائرين، يجمع الكراسي، ويرتب أدوات الطبخ، وينظف المكان حتى عاد كما كان قبل أيام. سأله شاب يقف بالقرب منه: "انتهت الزيارة... لماذا ما زلت تعمل بهذا الحماس؟" ابتسم الرجل وقال بهدوء: "الزيارة انتهت... لكن الأخلاق التي تعلمناها فيها لا يجوز أن تنتهي." ربما كانت هذه العبارة البسيطة تختصر السؤال الأكبر الذي يواجه المجتمع بعد كل أربعين: ماذا نفعل بكل هذه الطاقة الأخلاقية التي تظهر خلال أيام الزيارة؟ هل تبقى تجربة موسمية تنتهي بانتهاء المسير؟ أم تتحول إلى مشروع اجتماعي دائم يعيد تشكيل طريقة إدارتنا للحياة؟
السؤال لا يتعلق بالشعائر، وإنما بما تتركه من أثر في المجتمع. فالأمم لا تتغير لأن لديها مناسبات عظيمة فقط، وإنما لأنها تعرف كيف تحوّل القيم التي تنتجها تلك المناسبات إلى مؤسسات، وإلى أنظمة عمل، وإلى ثقافة يومية تستمر طوال العام.
حين تصبح القيم قوة إنتاج
من يراقب زيارة الأربعين بعين الباحث الاجتماعي يلاحظ ظاهرة تستحق التوقف طويلًا. خلال أيام معدودة، تعمل آلاف المواكب، وعشرات الآلاف من الفرق التطوعية، وملايين الأفراد في منظومة شديدة التعقيد، تقدم الطعام، والمبيت، والإسعاف، والنقل، والإرشاد، والنظافة، وتنظيم الحشود، دون وجود هيكل إداري مركزي يدير كل هذه التفاصيل. هذا النجاح لا يولد من فراغ.
إنه نتيجة منظومة قيم صنعت الثقة، ورسخت روح المسؤولية، وجعلت الإنسان يشعر أن نجاح الآخر جزء من نجاحه. وهنا يبرز سؤال يتجاوز حدود المناسبة: إذا كانت هذه القيم قادرة على إدارة واحدة من أكبر التجمعات البشرية في العالم، فلماذا لا تتحول إلى منهج دائم في إدارة مؤسساتنا ومدارسنا ومدننا؟
الفرق بين القيمة والسلوك
المجتمعات لا تعاني غالبًا من نقص القيم، وإنما من ضعف تحويلها إلى سلوك منظم. فالجميع يتحدث عن التعاون. والجميع يؤمن بأهمية الأمانة. والجميع يمتدح العمل التطوعي. لكن المسافة بين الإيمان بالقيمة وتحويلها إلى نظام عمل هي المسافة التي تصنع الفرق بين مجتمع يستهلك المبادئ ومجتمع ينتج الحضارة. زيارة الأربعين تمنحنا نموذجًا عمليًا لهذه الفكرة. فالكرم لا يبقى شعارًا، وإنما يتحول إلى مطبخ يعمل أربعًا وعشرين ساعة. والنظافة لا تبقى نصيحة، وإنما تتحول إلى فرق تجوب الطريق باستمرار. والإيثار لا يبقى خطبة دينية، وإنما يصبح سلوكًا يوميًا حين يفسح شاب مكانه لشيخ كبير، أو يؤجل خادم طعامه حتى يطمئن إلى أن الزائر تناول وجبته. القيمة هنا تتحول إلى ممارسة، والممارسة تتحول إلى ثقافة.
المبادرات الفردية... الثروة التي لا تُستثمر
بعد انتهاء الزيارة يعود ملايين الناس إلى أعمالهم ومدنهم. وتعود معهم خبرات هائلة في التنظيم، والعمل الجماعي، وإدارة الوقت، والتواصل، وتحمل المسؤولية. لكن هذه الخبرات غالبًا ما تتفرق مع انتهاء الموسم. وهنا تكمن واحدة من أكبر الفرص الضائعة. فالمجتمع الذي يستطيع أن ينتج هذا الحجم من المبادرات التطوعية يمتلك رأس مال اجتماعيًا هائلًا، يحتاج فقط إلى مؤسسات تعرف كيف تستثمره. في كثير من دول العالم، تتحول الخبرات التطوعية إلى برامج تدريب، وسجلات مهنية، ومشروعات مجتمعية، وسياسات عامة. أما عندنا، فكثير من تلك الخبرات تبدأ من الصفر في كل عام، وكأن السنوات السابقة لم تكن موجودة.
من الخدمة إلى الإدارة
اللافت في الأربعين أن آلاف الأشخاص يمارسون الإدارة دون أن يحملوا هذا الوصف. فالشاب الذي ينظم حركة الزائرين يدير فريقًا. والمرأة التي تشرف على مطبخ كبير تدير سلسلة إنتاج كاملة. والمتطوع الذي ينسق توزيع المياه يتعامل مع اللوجستيات بصورة عملية. هذه المهارات ليست مرتبطة بالمناسبة وحدها. إنها خبرات يمكن أن تتحول إلى طاقات إنتاج في المدارس، والجامعات، والدوائر الحكومية، والمؤسسات الأهلية. ولذلك لا ينبغي النظر إلى الأربعين بوصفها موسمًا للخدمة فقط، وإنما بوصفها مدرسة سنوية لبناء رأس المال البشري.
الاقتصاد يبدأ من الأخلاق
يركز كثير من الباحثين في التنمية على البنية التحتية، والاستثمار، والتمويل. وكلها عناصر مهمة. لكن التجارب العالمية تؤكد أن الاقتصاد يحتاج قبل ذلك إلى منظومة أخلاقية تنتج الثقة. فالمجتمع الذي يحترم الوقت تقل فيه كلفة الإنتاج. والمجتمع الذي يحترم القانون تقل فيه كلفة الرقابة. والمجتمع الذي يتعاون أفراده ترتفع فيه كفاءة المؤسسات. هذه القيم تظهر بوضوح في الأربعين.
ويبقى السؤال: لماذا نحصرها في موسم واحد؟ ماذا لو تعلمت المؤسسات من الطريق؟ الجامعات تستطيع دراسة نماذج الإدارة التطوعية التي تظهر في الزيارة. والمدارس تستطيع إدخال ثقافة الخدمة المجتمعية ضمن برامجها. والبلديات تستطيع الاستفادة من خبرات المتطوعين في حملات النظافة والتشجير. والمستشفيات تستطيع بناء شبكات تطوع صحية مستمرة. ووسائل الإعلام تستطيع توثيق التجارب الناجحة وتحويلها إلى ثقافة عامة. حين يحدث ذلك، تتحول الأربعين من مناسبة سنوية إلى مصدر دائم للأفكار والحلول.
الإعلام... من نقل الحدث إلى صناعة الأثر
بعد انتهاء الزيارة، ينشغل الإعلام غالبًا بإحصاءات الأعداد وصور الحشود، غير أن المهمة الأكثر أهمية تبدأ بعد انتهاء الحدث. فالصحافة الجادة لا تكتفي بوصف ما جرى، وإنما تبحث عما يمكن أن يبقى. كم مبادرة تطوعية استمرت بعد الأربعين؟ كم مؤسسة نشأت من فكرة بدأت في موكب؟ كم شاب اكتشف قدراته القيادية خلال الخدمة؟ وكم تجربة يمكن أن تتحول إلى نموذج وطني في العمل المجتمعي؟ الإجابة عن هذه الأسئلة تجعل الإعلام شريكًا في صناعة التنمية، لا مجرد ناقل للمشهد.
من المناسبة إلى المشروع الحضاري
القيم التي لا تجد طريقها إلى المؤسسات تظل معرضة للتراجع مع الزمن. أما حين تتحول إلى لوائح، وبرامج، ومناهج تعليم، ومراكز تدريب، وسياسات عامة، فإنها تكتسب القدرة على الاستمرار. وهنا يكمن التحدي الحقيقي. فالنجاح ليس في أن ننتج مشاهد إنسانية عظيمة لأيام معدودة، وإنما في أن نجعل تلك المشاهد أسلوبًا دائمًا لإدارة المجتمع.
إن الأربعين تقدم للعراق، وللعالم الإسلامي، مختبرًا اجتماعيًا حيًا يثبت أن الإنسان قادر على التعاون، والإيثار، والانضباط، والعمل التطوعي، متى ما امتلك الدافع القيمي. ويبقى المطلوب أن تتحول هذه الطاقة الأخلاقية إلى طاقة تنموية.
توصيات عملية
إنشاء مراكز بحثية تُعنى بدراسة الظواهر الاجتماعية والتنظيمية التي تنتجها زيارة الأربعين، وتحويل نتائجها إلى سياسات عامة.
توثيق الخبرات الإدارية والتطوعية للمواكب والفرق الخدمية، والاستفادة منها في تدريب الشباب والمؤسسات.
إدخال ثقافة التطوع والخدمة المجتمعية في المناهج التعليمية بوصفها ممارسة عملية، لا مادة نظرية.
تأسيس منصات وطنية تربط المتطوعين الذين يشاركون في الأربعين بمبادرات خدمة المجتمع طوال العام.
تشجيع الجامعات على إجراء دراسات تطبيقية حول رأس المال الاجتماعي والثقة المجتمعية التي تنتجها الزيارة.
توجيه وسائل الإعلام نحو متابعة أثر القيم بعد انتهاء الزيارة، بدلاً من الاكتفاء بتغطية الحدث أثناء وقوعه.
تشجيع القطاعين العام والخاص على احتضان المبادرات التي ولدت في الأربعين وتحويلها إلى مشاريع مستدامة.
خاتمة
كل عام، تنتهي المسيرة، وتُطوى الخيام، ويعود الملايين إلى بيوتهم. غير أن السؤال الحقيقي لا يسير مع الزائر إلى منزله، بل يبقى واقفًا على الطريق ينتظر الإجابة: ماذا بقي من الأربعين بعد الأربعين؟ إذا بقيت الذكريات وحدها، فقد كسبنا تجربة روحية عظيمة. وإذا بقيت القيم تتحرك داخل المدارس، والجامعات، والدوائر، والبيوت، ومؤسسات الدولة، فقد كسبنا مشروعًا حضاريًا طويل الأمد.
فالنهضات الكبرى لا تُقاس بعدد المشاركين فيها، وإنما بقدرتها على إعادة تشكيل المجتمع بعد انتهاء الحدث. والأربعين، بما تختزنه من رصيد أخلاقي وإنساني وتنظيمي، تمتلك من المقومات ما يجعلها مصدر إلهام لنموذج تنموي مختلف، يبدأ من الإنسان، ويستثمر القيم، ويحوّلها إلى مؤسسات، لأن الحضارة لا تُبنى بالمشاعر وحدها، وإنما حين تجد تلك المشاعر طريقها إلى العمل المنظم الذي يستمر بعد أن تنتهي المسيرة.



اضف تعليق