"نشأ الفرزدق[1] على حبّ آل البيت عليهم السلام وعلى الاعتقاد بحقهم في الخلافة، ولكنّه كان أحياناً يتظاهر بغير ما يعتقد حرصاً على أن يتكسب من غير آل البيت عليهم السلام أيضاً"[2]

هذا الرأي في الفرزدق هو الشائع لدى الكثير من الكتاب والعلماء والباحثين، وهو رأي قد صيغ قديماً من قبل الشريف المرتضي رضوان الله عليه (ت 436 هـ)، فهو يقول في الفرزدق: "وكان شيعياً مائلاً إلى بني هاشم"[3]

وحين نراجع مصدر هذه الصياغة "العلوية" للفرزدق، فاننا نتوقف عند المرزباني (ت 384 هـ) وهو استاذ الشريف المرتضي في الأدب واللغة، والذي ذهب بعيداً حين وصف الفرزدق بأنّه كان "سيداً، جواداً، فاضلاً، وجيهاً عند الخلفاء والأمراء، هاشمي الرأي في أيام بني أمية يمدح أحياءهم ويؤبن موتاهم ويهجو بني أمية وأمراءهم، هجا معاوية ابن أبي سفيان وزياد بن أبيه وهشام بن عبد الملك والحجاج بن يوسف وابن هبيرة وخالد القسري وغيرهم"[4]

ولكن، ما وصل لنا من اشعار الفرزدق في ديوانة المنشور في زماننا[5]، أو فيما نقله الأقدمون عنه، ليس فيه شيء مما ذُكر في مدح أحياء أهل البيت عليهم السلام وتأبين موتاهم، نعم فيه هجاء لبعض الأمويين ولكن، أيضاً فيه مدحاً رخيصاً لأعداء أهل البيت عليهم السلام من خلفاء بني أمية وولاة السوء الجائرين كالحجاج بن يوسف الثقفي!

وحين تفحص الأدلة على علوية الفرزدق لا نصادف شيئا سوى قصيدته الشهيرة بحق الإمام زين العابدين عليه السلام في القصة المعروفة حين كان يحج الفرزدق مع ولي العهد الأموي هشام بن عبد الملك.

ولعلّ هوى أبو عبيد الله المرزباني المعتزلي لأهل البيت عليهم السلام جعله يصنف الفرزدق في خانة الهاشميين، والمرزباني متهم لدى اعداء المعتزلة بالتشيع، فالأمر لايبدو يعتمد على ادلة منطقية، بل عاطفة، جعلته ينظر الى جزء بسيط من اشعار الفرزدق وترك الأكثر التي تصنفه أموياً.

بل للباحث أن يتعجب حين التوقف على بعض مدائحه للطغاة من بني أمية، فكيف لعلوي يفضل أعداء آل محمد ويقدمهم ويتعبد بحبهم، بل أنّه في كثير من قصائده ومنها في مدح سليمان بن عبد الملك يأتي بذكر الخلفاء من أبي بكر وحتى سليمان، ويسقط منهم الإمام علي عليه السلام!

وقصيدته في مدح الحجاج بن يوسف فضيحة أخلاقية، لا يمكن تفسيرها بنحو "التقية" أو "التظاهر بغير ما يعتقد"، وإن كان قد هجاه بعد موته، بعد أن أبّنه بقصيدة عصماء! يقول فيها:

ليَبكِ عَلى الحَجّاجِ مَن كانَ باكِياً-----عَلى الدينِ أَو شارٍ عَلى الثَغرِ واقِفِ

وَما ذَرَفَت عَينانِ بَعدَ مُحَمَّدٍ-----عَلى مِثلِهِ إِلّا نُفوسَ الخَلائِفِ

وَما ضُمِّنَت أَرضٌ فَتَحمَلَ مِثلَهُ-----وَلا خُطَّ يُنعى في بُطونِ الصَحائِفِ

لِحَزمٍ وَلا تَنكيتِ عِفريتِ فِتنَةٍ-----إِذا اِكتَحَلَت أَنيابُ جَرباءَ شارِفِ

فَلَم أَرَ يَوماً كانَ أَنكى رَزِيَّةً-----وَأَكثَرَ لَطّاً لِلعُيونِ الذَوارِفِ

مِنَ اليَومِ لِلحَجّاجِ لَمّا غَدَوا بِهِ-----وَقَد كانَ يَحمي مُضلِعاتِ المَكالِفِ

وَماتَ الَّذي يَرعى عَلى الناسِ دينَهُم-----وَيَضرِبُ بِالهِندِيَّ رَأسَ المُخالِفِ

وقد قال فيه حين التقاه:

وَلَم أَرَ كَالحَجّاجِ عَوناً عَلى التُقى-----وَلا طالِباً يَوماً طَريدَةَ تابِلِ

وَكَم مِن عَشي العَينَينِ أَعمى فُؤادُهُ----- أَقَمتَ وَذي رَأسٍ عَنِ الحَقِّ مائِلِ

بِسَيفٍ بِهِ لِلَّهِ تَضرِبُ مَن عَصى-----عَلى قَصَرِ الأَعناقِ فَوقَ الكَواهِلِ

شَفَيتَ مِنَ الداءِ العِراقَ فَلَم تَدَع-----بِهِ رَيبَةً بَعدَ اِصطِفاقِ الزَلازِلِ

وكما يقول ايليا الحاوي أحد محققي ديوان الفرزدق بأن له "قصائد سياسية وفقما تهب رياحها ولاءً وجفاءً"[6]، ولا معنى لتبرير عمر فرّوخ لتحول الرجل باتجاه الأمويين "وكان العلويون قد خسروا جاههم السياسي وخسروا معه أموالهم التي كانوا يجيزون منها الشعراء، انضم الفرزدق إلى شعراء الأمويين تكسباً لا اعتقاداً"، فموالاة أهل البيت عليهم السلام من قبل الشعراء العلويين لم يكن تكسباً، بل ولاء وحب خالص، كما نرى مع دعبل الخزاعي والسيد الحميري والكميت وغيرهم.

***

لا أريد التوسع في هذا البحث، فمذهب الفرزدق ليس غرض هذه المقالة، بل ذلك التسليم بما نقله عن لقاءه بالحسين عليه السلام، ومقولته الشهيرة عن أهل الكوفة "قلوبهم معك وسيوفهم عليك" والتي اصبحت واحدة من الحوادث التي تفسر حركة الإمام الحسين عليه السلام، فهم يقولون أنّه عليه السلام لم يستمع بشكل مبكر لنصائح الخبراء[7] بعدم الذهاب للكوفة، وحتى لا يبدو الإمام صلوات الله عليه ضعيف الرأي سياسياً واجتماعياً، فقد صيغت نظرية "الغاية الشهادة" وليس غير ذلك.

والرواية التي ينقلها الطبري عن أبي مخنف، تختلف عما ينقلها عن هشام، ففي الأولى يدعي الفرزدق بأن الحسين عليه السلام يعرفه جيداً، وأن اللقاء تم في منزل يسمى الصفاح، وفي الثانية فالحسين عليه السلام لا يعرفه، واللقاء تم على أبواب الحرم المكي، ويبدو أنّ الثانية أقرب للحقيقة، باعتبار أن الفرزدق كان صغيراً بالسن ولم يكن معروفاً حينها.

واذا كان اللقاء في أيام الحج، في يوم التروية بالتحديد، فالكوفة حينها في أواخر أيام مسلم بن عقيل، وكان الكوفيون قد اجتمعوا عليه لنصرة الحسين عليه السلام، ومن الاستحالة بمكان أن يصل الفرزدق لقناعته تلك وهو قد غادر الكوفة في وقت تنهال فيه الكتب على الامام الحسين عليه السلام للقدوم، وقد اتخذ القوم من مسلم حاكماً لدولتهم، مع العلم أن الفرزدق بصريا وليس بكوفي!

الرواية تقول كما ينقلها الطبري عن هشام: "عن عوانة بن الحكم عن لبطة بن الفرزدق ابن غالب عن أبيه، قال: حججت بأمي فأنا أسوق بعيرها حين دخلت الحرم في أيام الحج وذلك في سنة 60 إذ لقيت الحسين بن علي خارجا من مكة معه أسيافه وتراسه، فقلت: لمن هذا القطار فقيل للحسين بن علي، فأتيته فقلت: بأبي وأمي يا ابن رسول الله ما أعجلك عن الحج. فقال: (لو لم أعجل لأُخذت). قال: ثم سألني ممن أنت فقلت له امرؤ من العراق، قال: فوالله ما فتشني عن أكثر من ذلك واكتفى بها مني. فقال: أخبرني عن الناس خلفك قال فقلت له: (القلوب معك والسيوف مع بنى أمية والقضاء بيد الله)، قال فقال لي: صدقت"[8]. ثم الرواية تأخذ منحى درامي آخر لتكشف دناءة نفس الرجل حينما يقنعه احد ولاة الأمويين وهو عبد الله بن عمرو بن العاص بأن الحسين سينجح في نهضته وسيصبح ملكاً يحكم بلاد الإسلام، فأراد اللحاق بعد حين، ولكنّه حين استقصى الخبر سمع بمقتل الحسين![9]

تقول الرواية نقلاً عن الفرزدق: "قال ثم مضيت فإذا بفسطاط مضروب في الحرم وهيئته حسنة فأتيته فإذا هو لعبد الله بن عمرو بن العاص فسألني فأخبرته بلقاء الحسين بن علي فقال لي ويلك فهلا اتبعته فوالله ليملكن ولا يجوز السلاح فيه ولا في أصحابه قال فهممت والله أن ألحق به ووقع في قلبي مقالته ثم ذكرت الأنبياء وقتلهم فصدني ذلك عن اللحاق بهم فقدمت على أهلي بعسفان. قال فوالله إني لعندهم إذ أقبلت عير قد امتارت من الكوفة فلما سمعت بهم خرجت في آثارهم حتى إذا أسمعتهم الصوت وعجلت عن إتيانهم صرخت بهم ألا ما فعل الحسين بن علي. قال فردوا عليّ: ألا قد قتل. قال فانصرفت وأنا ألعن عبد الله بن عمرو بن العاص".

والتناقضات بيّنة في الرواية، والمهم فيها قول "الخبير"، الذي يبدو لي أنّها من مختلقات الفرزدق، وهذا الاحتمال أقرب لشخصية الشاعر الذي يرتقي صهوة حروفه كلّما استطعمه الملوك والأمراء!

ومع أنّ هذه الرواية في جزئها الأول نقلها الشيخ المفيد في الارشاد، وهو ممن يعتد بنقولاته، إلّا أنّ مقولة "القلوب والسيوف" بعيدة عن الحقيقة، ولا يمكن الاتكاء عليها في فهم مسار حركة الإمام الحسين عليه السلام.

والجزء الثاني من الرواية التي ينقلها الطبري تكشف الاعتقاد الذي كان سائداً بأن الحسين عليه السلام سينتصر وسيكون الحاكم المطلق للمسلمين، وهو أمر تكرر مع الامام في بعض المنازل التي توقف عندها في الطريق والتحق به عدد كبير من الناس أملاً بالنصر.

إنّ انزال واقعة الطف في بعدها الغيبي فقط، والذي عضدته رواية الفرزدق، سيحصر النهضة الحسينية في أطر ضيقة، ويسبح بها في فضاء المُثل التي تستعصي أخذ الدروس والعبر منها، وهو في واقع الأمر هروب من مسئوليات ستفرض على الرسالي لو قرأ كربلاء كنهضة تحررية تريد اقامة دولة العدل والرفاه والحرية.

..............................................
[1] همام بن غالب ن صعصعة التميمي الدارمي (ت 114 هـ)
[2] فرّوخ، عمر: تاريخ الأدب العربي ج1 ص 649
[3] الشريف المرتضى: الأمالي ج1 ص45
[4] المرزباني، محمد بن عمران: معجم الشعراء ج1 ص 487
[5] وهو مطبوع مراراً وكراراً وبتحقيقات متعددة
[6] الحاوي، ايليا: شرح ديوان الفرزدق. ج1 ص12
[7] الفرزدق يقول للحسين عليه السلام: "الخبير سألت"!
[8] تاريخ الطبري الجزء 4 ص 290
[9] نفس المصدر ص 290-291

اضف تعليق