عقارب الساعة تتلاحق لتطوي الايام تلو الايام مع قافلة الامام الحسين، عليه السلام، المتجهة صوب الكوفة، والوقت يتناقص قبل ساعة المواجهة التاريخية الفاصلة بين الامام الحسين، ومنهجه وأهدافه، والنظام الأموي ومنهجه وأهدافه في صحراء كربلاء.

فما الذي كان يفكر به أهل الكوفة؛ الجمهور المفترض به ان يكون معارضاً للنظام الأموي بعد موت معاوية؟

منذ عهد أمير المؤمنين، عليه السلام، يحتفظ أهل الكوفة من النظام الأموي متمثلاً بشخوص مثل؛ معاوية وعمرو بن العاص، بكل ما يتصل الى الرذيلة والباطل؛ من وحشية، وخداع، ومكر، وتضليل. فقد تنفسوا الصعداء في ظل وثيقة "الصلح" التي وقعها الامام الحسن، عليه السلام، مع معاوية لوقف القتال، في نفس الوقت كانوا يتطلعون الى بند مميّز في الاتفاق يعطي الحق للإمام الحسين بتولي الحكم بعد موت معاوية، فهم يحنّون الى سياسة أمير المؤمنين، وما ما لمسوه من العدل والمساواة والحرية والتواضع والزهد، وكل ما هو مناقض لمنهج النظام الأموي.

أما ما كان يفكر به الإمام الحسين، فهو ما خلف تلك الرغبات والامنيات التي عبّر عنها الفرزدق ببلاغة رائعة: "قلوبهم معك وسيوفهم عليك"، وهو؛ الجُبن، والقلق، والشك، فعندما وصل الامام الى أرض كربلاء، وواجه أهل الكوفة في هذه المنطقة الصحراوية المقفرة بدلاً من أن يلتقي بهم في مدينة الكوفة كما هو المتفق عليه، كشف لهم عما أخفت سرائرهم، وكيف انهم يريدون نصراً بلا قتال، وعدالة بالمجان لمجرد أنهم يحبونها وحسب.

وقف الامام الحسين في صحراء كربلاء ليمارس دوره الإصلاحي في هذه البقعة الصغيرة حيث يقف مع اصحابه وأهل بيته، يبحث عمن يغتنم فرصة هذا المشروع الحضاري والانساني العظيم من خلال تحكيم عقله وضميره، فلم يخرج من تلك الآلاف المحتشدة أمامه سوى شخص واحد؛ الحر بن يزيد الرياحي، غلّب منطق العقل على دوافع العاطفة، عندما سأل عمر بن سعد: "أمقاتل أنت هذا الرجل"؟ للتأكد مما سيحصل بالفعل، ثم ذكّره بـ"وما تقول بما ذكره الإمام الحسين من الخصال"؟ يعني اذا كنت مؤمناً بيزيد حاكماً، فأين أنت من منزلة الامام في الإسلام، ومكانته من رسول الله؟

إجابة ابن سعد هو نفس تبرير جميع المحتشدين لقتال الامام الحسين؛ "طاعة للخليفة يزيد"، ومن غريب القول؛ إجابة ابن سعد للحر على ما قدمه الامام الحسين من البراهين والحجج على حرمة سفك دمه: "لو كان الأمر بيدي لقبلت لكن أميرك ابن زياد يأبى ذلك"!

إصلاح النفوس يُصلح السياسة

كان أهل الكوفة يتصورون أن المشكلة يمكن حلها سياسياً، وأن رسائلهم بالبيعة للإمام الحسين من شأنها إحداث رأي عام في الامة، إذ الكوفة كانت تمثل أهم وأبرز حامية عسكرية، وتجمع بشري هائل في خارطة الدولة آنذاك، وأن فرص الامام في تولي الحكم كبيرة، أهمها البند في الاتفاق بين الامام الحسن ومعاوية، وموت الاخير شكل فراغاً سياسياً كبيراً غير قابل للتعويض في البيت الاموي، وربما تصوروا أن الامام سيثير هذه المطالب للاستفادة من هذه الفرصة السياسية، واكثر من هذا؛ فانه سيغضّ النظر عن تجاربهم المريرة مع أخيه وأبيه من قبل، عندما يخلقون له أجواءً كالتي حصلت لأبيه أمير المؤمنين في المدينة بعد مقتل عثمان.

بيد أن مشكلة اهل الكوفة، بل ومشكلة الأمة عجزها في التخلّي عن ذاتها، ولو للحظات لاتاحة الفرصة للعقل كي يأخذ مدياته المطلوبة في التفكير والتدبّر في الأمور قبل اتخاذ أي قرار، وأي اختيار، فكانت كل القرارات والاحكام تصدر بدوافع ذاتية تبحث عن المصلحة الشخصية وتتناغم مع العقلية الجاهلية، فكما أن المال والجاه لهما الأولوية، فان العصبية للقبيلة و للرموز يحتل المرتبة الاولى فوق الانتماء للدين والالتزام بالقيم السماوية التي جاء بها رسول الله، وضحى من أجلها المجاهدون في صدر الاسلام، لذا كان معيار التأثير هو الحكم، فمن يحكم هو المُطاع، بغض النظر عن منهج الحكم.

أما الامام الحسين، العالم بكوامن النفوس، وخَبَر أهل الكوفة جيداً خلال فترة وجوده بين أهلها في عهد أمير المؤمنين، ومن ثمّ؛ أخيه الامام الحسن، فقد كان يريد لهم الالتفات الى الاسباب الكامنة وراء علاقتهم المختلّة مع الحكم بشكل عام، و يضيء لهم طريق الخلاص من التناقض في المشاعر بين الخوف من بطش السلطة والانصياع لأوامرها، والنداء الداخلي بضرورة التخلص من هذه السلطة الجائرة، وذلك بخطوة إصلاحية للنفس والذات، لتكون الخطوة الأخرى وجهاً لوجه أمام الحاكم والضغط عليه لإصلاحه او إزاحته عن قمة الحكم، فالمعادلة واضحة؛ ظلم الناس فيما بينهم، الى جانب الجُبن، وحب الذات يولّد الحاكم الجائر والظالم.

عملية الإصلاح هذه، التي دعا اليها الامام الحسين من الساعات الاولى لتحركه من مدينة جدّه المصطفى، ليست بالسهلة، وقد جربها المسلمون طيلة جيلين من الزمن (ستين عاماً)، لاسيما عند زعماء القبائل، وابناء "الصحابة"، ممن يتشدقون "بتاريخ جهادي" مع رسول الله، هؤلاء يعدون انفسهم فوق الإصلاح والتغيير، ومن ثم فان العامة من الناس تتبعهم وتمتثل لأوامرهم، ولكن حسب المسلمين أن الإصلاح إحدى غايات الرسالة، وأن الاسلام ليس فقط فرائض دينية، وصحبة للنبي الأكرم والاستماع لكلامه، وإلا فان شريحة المنافقين كانت تحوم حول النبي من دعاة الاسلام، وقد كشف حقيقتهم وزيفهم القرآن الكريم في سورة كاملة، كما وردت الإشارة اليهم في سور كريمة أخرى.

وهذا هو الجهاد الأكبر الذي أراده الامام الحسين لأهل الكوفة، وللأمة كلها للحؤول دون السقوط في فتنة الحرب ضده، كما دعا جدّه المصطفى اصحابه بهذا الجهاد الى جانب الجهاد الاصغر بعد عودتهم من ساحة القتال وقد علاهم الغبار والإرهاق، و اثخنتهم الجراح، فسألوا عن الجهاد الأكبر فقال، صلى الله عليه وآله: "إنه جهاد النفس"، من أجل ان يحتفظوا بطهارة منجزاتهم وسلامة تضحياتهم في سوح القتال.

الامة اليوم –بشكل عام، وليس في بلد بعينه- تواجه محنة عظيمة للاحتفاظ بسلامة دينها وايمانها وسط تحديات خطيرة تستهدف الفكر والثقافة بالصميم من جهات عدّة، إذ باتت هذه السلامة ذات أولوية على سلامة التضحيات الجسام في الوقت الحاضر، فمن جاهد الانظمة السياسية الظالمة، واستشهد في السجون وساحات الاعدام، ومن جاهد التنظيمات الارهابية التكفيرية ذات الصلة بهذه الانظمة الديكتاتورية، واستشهد ايضاً؛ جميعهم أحياء عند ربهم يرزقون، بقي الذي يحمل ايمانه وإسلامه على كفه وسط حقول الألغام غير المرئية –وأنا منهم طبعاً- تقع عليهم مسؤولية عدم تكرار ما حصل لأهل الكوفة وهو يستقبلون الامام الحسين في الطريق.

اضف تعليق