في مقالنا هذا نستعير العنوان مجازا من لفظة تسونامي أو (سونامي)، وهو بحسب العلماء المعنيين عبارة عن مجموعة من الأمواج العاتية، تنشأ من تحرك مساحة كبيرة من المياه، مثل المحيط وينشأ التسونامي أيضا من الزلازل والتحركات العظيمة، سواء على سطح المياه أو تحتها، وبعض الانفجارات البركانية والثورات تحت سطح الماء، والانهيارات الأرضية والزلازل المائية، وارتطام المذنبات وانفجارات الأسلحة النووية في البحار. ونتيجة لذلك الكم الهائل من المياه والطاقة الناجمة عن التحرك، تكون آثار التسونامي مدمرة.

أما المراهقة فهي العمر الفاصل بين الطفولة والرشد، وذلك في الفترة العمرية المُمتدة من سن 13 إلى 25 وقد تختلف في بدايتها ونهايتها من شخص لآخر، ومن مجتمع لآخر، وعلى حسب الجنس فالأنثى تبلغ قبل الذكر وتنضج قبله، وذلك حسب البيئة والظروف المحيطة بالشخص.

فقد تبدأ مرحلة المراهقة من سن 13 وقد تنتهي في سن 19، ولربما تبدأ أساسا من سن 15 وتنتهي في سن 25 تقريبا، كحد أقصى. لكن هناك مجتمعات قد تعتبر الاشخاص من هم أقل من سن 18 أطفالا، بينما الأشخاص الأكبر هم المراهقون الشباب فعليا، وهناك مجتمعات تؤمن بأن الأشخاص في سن العشرات والعشرين هم مراهقين باختلاف بداية المرحلة ونهايتها، لأن البعض لا يؤمن بمصطلح المراهقة، فيعد مرحلة الشباب بجميع أنواعهم مراهقين ما لم يبلغوا سن الرشد وهو الأربعين كما ذكر أيضا في القرآن.

ولكن قسَّم العلماء سن المراهقة إلى ثلاثة أقسام وهي المراهقة المبكرة، المراهقة المتوسطة، والمراهقة المتأخرة..، وهي فترة متقلبة وصعبة تمر على الإنسان، وتكون بمثابة الاختبار الأول له في حياته الممتدة، حيث أن مستقبل الإنسان وحضارة الأمم تتأثر بمراهقة أفرادها.

المراهقون أساس حضارة المجتمع

إذا دقَّقنا أكثر في جملة (حضارة الأمة تتأثر بمراهقة أفرادها)، فإن هذا المعنى يؤكّد بأن عصب الحضارة يمثلهُ المراهقون، لأن الحضارة من حيث الجودة أو الانهيار مرتبطة بالمراهقة وجودتها أو انهيارها، والسؤال المهم هنا يتعلّق بشريحة المراهقين في العراق، هل هذه الشريحة مؤهَّلة لكي تُسهم بصناعة حضارة قادرة على منافسة الحضارات الأخرى من حيث الجودة والديمومة والتميّز؟؟

هذه الأيام أحاول الاختلاط بالمراهقين في منطقتي ومدينتي، وحين ألتقي أحدهم لا أكفُّ عن طرح الأسئلة عليه، وأتبادل معه الحوار بلغته وبمستواه من حيث الوعي والثقافة، وأكون بسيطا في كلماتي وأطرح الأفكار السهلة التي يستطيع المراهق فهمها، لأن اللغة المعقدة في الحوار مع المراهقين تجعلهم يفرّون وينعزلون ويبتعدون عن الكبار سنّا.

من بين المراهقين حسب الفئة العمرية، هناك الكثير منهم يعمل اليوم في قيادة (التكتك) وهو عربة صغيرة تحمل نفرين أو ثلاثة غزت شوارعنا في غمضة عين، وأصبحت الشوارع تضج بالمراهقين وبهذه العربات التي تشبه (الزنابير الصفر) لخفة حركتها وسرعة استدارتها، في الشوارع حيث يقودها مراهقون وغيرهم، لكن النسبة الأكبر من سوّاق هذه (التكاتك/ جمع تكتك) هم من المراهقين، حيث الخفة في السلوك والقيادة وحتى بالكلام.

الحاجة لمبادرات تنمية المراهقين

صعدتُ مع المراهق الأول عمره (17) سنة، جسده نحيف، وعيناه صفراوان يكسوهما حزن واضح، وجهه يميل للسمرة ولاحظت هالتين سوداوين تحت عينيه مما يدل على الإرهاق والتعب، سألته عن طبيعة مهنته هذه وهل هو مرتاح لها، فأجاب بعفوية واضحة، لا أرتاح لهذه المهنة، ولكن لابد لي أن أعمل حتى أعيل نفسي وعائلتي.

هذا يعني أن المراهق الذي تحاورت معه غير راض عن عمله، وأسوأ أنواع العمل والمهن تلك التي تقوم بها دون رغبة منك، أي أنك مجبَر عليها، هذه أول نقطة يمكن أن تدمّر نفسية المراهق، ثم سألته هل أنت طالب، فأجاب: امتحنت هذه السنة خارجي الصف الثالث متوسط. قلتُ له: لماذا لم تنخرط في متوسطة، أي تداوم على الدراسة مع أقرانك؟

فأجاب: لا يوجد معيل لي وللعائلة التي أنتمي لها، فأنا مضطر أن أعمل ساعات طويلة كي أكسب المال وأعيل أخوتي الأطفال، وحين سألته بأن الشائع عن (سواق التكتك) بأنهم سريعون في السياقة، ويتسببون بحوادث كثيرة، قال: نعم هناك سواق تكتك من هذا النوع لكن هناك من يعمل لكي يرتزق وأنا منهم.

كنتُ أفكر وأنا أحاور هذا المراهق بأن مكانه المدرسة، وأماكن الترفيه اللائقة، ويجب أن ترعاه المنظمات الثقافية وتطور أفكاره، كذلك لابد أن يحصل على المهارات الجيدة عبر التدريب وتهيئة الظروف المناسبة له، لكي يختار المهنة التي يحبها ويرتاح لها وليس المهنة التي يعمل فيها إكراها وعدم رغبة.

الخلاصة نسبة كبيرة من مراهقي المجتمع العراقي يشبهون إلى حد كبير هذا المراهق الذي أوجز لنا الحالة التي يعيشها المراهقون، في ظل إهمال حكومي ومدني شبه تام، بينما هم يحتاجون إلى التوعية والتثقيف والحصانة الفكرية والأخلاقية، كونهم كما مرّ سابقا (تتوقف عليهم حضارة الأمة والمجتمع).

فهل يعي المسؤولون مكانة المراهقين الخطيرة (كونهم أساس البناء الحضاري للمجتمع)، وهل سيبادر المسؤولون بمعالجة الأزمات الأخلاقية والاجتماعية والاقتصادية التي تحاصر المراهقين؟، هذا السؤال يحتاج إلى إجابة حقيقية، وإلى وقفة مسؤولة، وأن لا يمر مرور الكرام أمام عيون وعقول من تقع عليهم مسؤولية دعم وتنمية شريحة المراهقين.

اضف تعليق