من المعضلات التي يعاني منها العراقيون وقياداتهم، سهولة اختراق الإشاعة لهم لأسباب عدة سنأتي على ذكرها، فالإشاعة بحسب بعض المختصين هي خبر أو مجموعة أخبار زائفة تنتشر في المجتمع بشكل سريع ويتم تداولها بين العامة ظناً منهم بأنها صحيحة، ودائماً ما تكون أخبار الإشاعات شيّقة ومثيرة لفضول المجتمع والباحثين...

من المعضلات التي يعاني منها العراقيون وقياداتهم، سهولة اختراق الإشاعة لهم لأسباب عدة سنأتي على ذكرها، فالإشاعة بحسب بعض المختصين هي خبر أو مجموعة أخبار زائفة تنتشر في المجتمع بشكل سريع ويتم تداولها بين العامة ظناً منهم بأنها صحيحة، ودائماً ما تكون أخبار الإشاعات شيّقة ومثيرة لفضول المجتمع والباحثين، وتفتقر هذه الإشاعات عادةً إلى المصدر الموثوق الذي يحمل أدلة على صحة الأخبار، وتمثل هذه الشائعات جُزءاً كبيراً من المعلومات التي نتعامل معها.

ولعل التعامل مع الإشاعة على أنها حقائق تشي بقلة وعي وضمور ثقافي واضح، كما يقول بعض المختصين في موقع الويكيبيديا في إحصائية أن 70% من تفاصيل المعلومة يسقط في حال تنقلنا من شخص إلى الأول ثم إلى عدة أشخاص، أما الهدف من إثارة الشائعات فثمة أهداف ومآرب, تتنوع هذه الأهداف تماشياً مع مبتغيات من يثيرها , فمنها ما هو ربحي (مادي)، ومن الإشاعات أيضاً ما يكون خلفه أهداف سياسية وعادةً ما تحصل هذه الإشاعات في الحروب أو في الحالات الأمنية غير الاعتيادية, وتهدف إلى إحداث إرباك لدى الطرف المعني بالإشاعة، وهناك شائعات يقوم المجتمع نفسه بصنعها خصوصاً للأمور المزمع أو المترقب حدوثها وذلك بكثرة ترديدها والسؤال عنها حيث تنمو وتكبر شيئاً فشيئاً، وقد تكون سببا أساسيا حدوث خرج في نسيج السلم الاجتماعي وما إلى ذلك.

وثمة أسباب معينة تقف وراء انتشار الشائعات، حيث يرجع بعض المختصين أسباب ترديد الشائعات إلى انعدام المعلومات، وندرة الأخبار الصحيحة بالنسبة للشعب، ومن هنا ينادون بضرورة تزويد الشعب بجميع الأخبار التفصيلية والدقيقة الممكنة حتى يكون على بينة مما يدور حوله من أحداث وأعمال تؤثر على حياته ومستقبله، كذلك تنتشر الشائعات بصورة أكبر في المُجتمعات غير المُتعلمة أو غير الواعية, وذلك لسهولة انطلاء الأكاذيب عليهم, و قلما يُسأل عن مصدر لتوثيق ما يُتداول من معلومات, فالمجتمع الجاهل يكون بيئة خصبة ومناسبة لترويج الشائعات، وقد يكون غياب الطرف المخول بالتوضيح والرد على شائعة مُعينة من الأسباب التي تزيد لهيبها ويبعد عنها الشكوك والأقاويل، واليوم أصبحت وسائل الإعلام الحديثة ومواقع التواصل الاجتماعي من أكثر الأسباب المساعدة على ترويج الإشاعات وجعلها من النوع الخارق والحارق للمجتمع، فهي مع سهولة انتشارها بين أفراد المجتمع كالنار في الهشيم، تسعى لحرق النسيج الأمني للدولة والمجتمع في الوقت نفسه، وهذا النوع من الإشاعات هو الأكثر خطرا على الشعوب من سواها.

صُرنا نهباً للإشاعات

يقول أحد الكتاب العراقيين في هذا الصدد: (لاشك كعراقيين أننا صرنا نهبا للإشاعات.. فهي باتت تنخر أدمغتنا وتؤثر على مزاجنا وأعصابنا وصحتنا كذلك). ويورد الكاتب نفسه مثالا ساخنا أي قريب الحدوث عن الإشاعة التي اخترقت المجتمع العراقي مؤخرا، فيقول: (إن آخر إشاعة تمس أمن وسلامة الوطن هي وصول قطعات من القوات الأميركية لينفذوا انقلابا في بغداد.. والناس – العراقيون- في حرج من أمرهم ولا يعرفون مصير الوطن في ضوء هكذا إشاعات، والحقيقة إننا لا نملك ما نميز به الإشاعة عن الخبر الحقيقي).

ولابد لنا في هذه الحالة أن نتساءل عن سبب إطلاق مثل هذه الإشاعات، وشرح الأهداف التي تقف وراءها للمجتمع، وليس صحيحا التغاضي عنها أو إهمالها، تحت مبدأ (أهمِل الإشاعة كي تموت في مهدها)، لكن هذا المبدأ لا ينطبق على إشاعات خارقة حارقة من هذا النوع، وأن عدم التصدي لها رسميا يدخل في باب تثبيتها وانتشارها أسرع وفي أكبر وسط سكاني ممكن، لهذا كان على الحكومة أن تتصدى بقوة لمثل هذه الإشاعات التي تناقلها مستخدمو مواقع التواصل على نحو سريع وواسع مما زاد في الطين بلّة.

ومن الأمثلة التي انتشرت حديثا وهي كثيرة فعلا وتثبت عدم وجود حصانة للشعب ضدها، مرض (الحمى النزفية)، وهي إشاعة (على حافة الحقيقة) إذا جاز التعبير، تتعلق بحياة العراقيين، وتسعى لإثارة الخوف والإبهام في حياتهم، ولم تكن الجهات الرسمية المعنية بالمستوى المطلوب للتصدي لمثل هذه الإشاعات التي تسعى للنيل من أمن المواطن مثل الإرهاب، وتحطّم معنوياته وتجعله قلِقا على حاضره ومستقبله، كي لا يفكر فيما هو أهم وأكثر جدوى، ولا شك أن هنالك مآرب مختلفة منها ما هو سياسي، تقف وراء مثل هذه الإشاعات وتوقيت إطلاقها، وكلنا نتذكر الضجة الإخبارية الهائلة التي رافقت نتائج الانتخابات وأنشطة تشكيل الحكومة العراقية الجديدة، حيث أثيرت قضية أزمة المياه التي لم تكن وليدة اليوم مطلقاً ولكنها تدخل في عداد نوع الإشاعات التي تقف عند (حافة الحقيقة) فتثير خوفا وقلقا جماعيا يصعب الخلص منه كونه يتعلق بالحياة والموت.

وبعد أن فهمنا النتائج الخطيرة التي تفرزها هذه الإشاعات، وتأثيرها الكبير على السلامة النفسية والمعنوية للمجتمع، يُثار تساؤل مهم مؤدّاه: كيف نتصدى كعراقيين لمثل هذه الإشاعات الخارقة الحارقة والتي تقف بقوة على (حافة الحقيقة)، فهي كإطلاق الرصاص المصنّعة للخرق والحرق في آن واحد، لها مفعولان كلاهما أكثر ضررا من الآخر، والسؤال الأكثر جدوى هنا، كيف نساعد الشعب للحصول على حصانة أو حماية ضد هذا النوع من الإشاعات التي تبلبل الأمن الاجتماعي وتهبط بالمعنويات إلى أدنى مستوياتها.

كيف نواجه الإشاعة الخارقة الحارقة

بالطبع يستدعي الأمر إلى دراسة نفسية مستفيضة، وتدوين سلسلة من الإجراءات تقوم بها لجان نفسية علمية إعلامية متخصصة في محاربة هذا النوع من التأثيرات، نضع هنا بعض المقترحات علّها تُسهم بمستوى معين في المساعدة على مقارعة الأخبار الملفّقة التي يمكن توصيفها بـ الإشاعة هند حافة الحقيقة، من هذه المقترحات ما يلي:

- ما أن تنطلق الإشاعة من هذا النوع، ينبغي أن تتصدى لها جهات مخولة بالتصريحات لشرحها للشعب وفضحها بالأدلة والتوثيق الدامغ كالتصوير والشواهد وسواها.

- لا يصح الصمت الرسمي على مثل هذه الأخبار والشائعات، فالإجراء الرسمي الأول ينبغي أن يكون التكذيب وعدم الصمت الذي يزيد الأمر غموضا وارتباكا.

- نشر ثقافة التحليل الخبري على مستوى الشعب، وعدم الإيغال بالتضليل أو السكوت.

- مطلوب من النخب الإعلامية والثقافية أن يكون لها دورها الفاعل عبر وسائل الإعلام والسوشال ميديا (مواقع التواصل الاجتماعي) وتكذيب الأخبار التي تقد عند حافة الحقيقة.

- أن تُطلَق حملات توعية ميدانية على أهمية التعامل النفسي مع الشائعات أو حتى بعض الأخبار التي تقترب كثيرا من الحقيقة.

- تحصين الطبقات الشعبية الواسعة بالحماية المعنوية والنفسية من قبل المؤسسات المعنية (طبية أو إدارية) حكومية أو مدنية.

- يكون مستشارو قادة الدولة الكبار، مسؤولين مسؤولية مباشرة عن إزاحة لثام الغموض عن مثل هذه الشائعات حتى وإن كانت توازي بعض الحقائق.

- تشمل حملات التثقيف وتحليل الأخبار ذاتيا، والتحصين النفسي، المدارس بمراحلها كافة، والعائلات، ومنتسبي الدوائر الرسمية، وأفراد المجتمع الآخرين.

- إطلاق حملات كبرى عبر وسائل التواصل الاجتماعي خصوصا (الفيس بوك)، لكشف الشائعات، والكف بقوة عن المساهمة في ترويجها أو تأكيدها.

- ينبغي أن يكون هناك دور للمراقبة والمتابعة والتشريع لرصد مصادر وأدوار نشر مثل هذه الأخبار وفضحها.

بهذه السبل وبغيرها من الإجراءات التي تعتمدها الجهات ذات العلاقة، يمكن أن نسهم إلى حد كبير في تقليل تأثيرات هذا النوع من الإشاعات التي تبدو للرائي كأنها حقيقة مثبتة، لكن مثل هذه الحلول التي ينبغي أن نعتمدها لا يمكن أن تعطي ثمارها بين ليلة وضحاها، بل علينا العمل بمثابر وعلمية وجهود منتظمة قد تستغرق منا الكثير من الجهود والوقت أيضا، لكنها بالنتيجة سوف تجعلنا أكثر قدرة بكثير عمّا نحن عليه الآن في مواجهة كل الأساليب التي تسعى لتمزيق النسيج المجتمعي في الجانبين النفسي والأمني.

اضف تعليق


التعليقات

عبد الباسط سعدون
البصرة
الأمثلة التي طرحها الكاتب حول الإشاعة قد تكون أقرب الى الحقيقة أي انها ربما ليست إشاعة، أما تعبير (عند حافة الحقيقة) فقد يكون تعبير غير وافي، فأما تكون إشاعة أو تكون حقيقة، لكن مجمل المقال يعبر عن الوضع الذي يعيشه الناس في العراق، هم يأخذهم خبر ويعيدهم آخر، ولا توجد وسائل إعلام متمرسة، شكرا لمل تقدموه للقارء من وعي وتثقيف.2018-07-07