يقابل ويضاد كلمة العنف في الاستعمال اللغوي والاصطلاحي كلمة اللاعنف وقد وردت هذه الكلمة بلفظها في مجموعة من الروايات منها الرواية المذكورة «عن أمير المؤمنين عندما بعث مصدقاً من الكوفة إلى باديتها.. فإذا أتيت ماله لا تدخله إلا بإذنه.. فقل يا عبد الله أتأذن لي في دخول مالك فإن أَذِنَ لك فلا تدخله دخول متسلّط عليه فيه ولا عنف به»(1). ومنها الرواية المروية عن رسول الله (ص) والإمام جعفر الصادق (ع): «من علامات المؤمن اللاعنف»(2).

ويرادف كلمة اللاعنف كما هو مذكور في الروايات الشريفة وقواميس اللغة كلمة الرفق، فعن الإمام محمد الباقر (ع): «إن الله رفيق يحبّ الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف»(3). وقال في النهاية: «الرفق لين الجانب وهو خلاف العنف».

ومن خلال مجموعة الروايات الواردة في مدح الرفق واللاعنف نستنتج أن اللاعنف هو أقدر على تحقيق التغيير الايجابي السليم وأكثر فاعلية في حصد المكاسب وأقل استنزافاً للإمكانات والموارد البشرية والنفسية واعمق تاريخياً وثقافياً في ترسيخ المبادئ والقيم، يقول أمير المؤمنين (ع): «عليك بالرفق فانه مفتاح الصواب وسجية أولي الألباب.. أفضل الناس أعملهم بالرفق.. بالرفق تدرك المقاصد.. الرفق يغلّ حدّ المخالفة.. أرفق توفق.. لِن لمن غالظك فإنه يوشك أن يلين لك.. بالرفق تهون الصعاب.. من استعمل الرفق لان له الشديد.. الرفق في المطالب يسهّل الأسباب»(4).

إن أهم هدف يحققه اللاعنف هو قدرته على احتواء العدو وتليينه بينما العنف يثيره ويجعله أكثر قسوة، ذلك «أن الخصم في فلسفة اللاعنف ليس عدوّاً يجب إزالته من الوجود إنما هو إنسان يجب اخضاعه لهزّة شعورية إنسانية تفتح عيونه» ومن هنا فإن العنف يعتمد على قوّة الروح لمواجهة بطش الجسد إذ «أن اللاعنف يختزن قوة معنوية تجبر الخصم على التفكير والتساؤل حول صحة أعماله»، والذي يدفع هذه الفلسفة إلى نبذ العنف كطريقة في مواجهة العنف، إن العنف يغلق أبواب الروح ويغلظ القلوب فلا تعد تستمع إلى إشارات الضمير وهمسات القلوب، بينما اللاعنف موقف يتعامل مع العدو «موقف الشفقة عليه لا موقف العداء له، ويقول فينوباف: إن ميدان معركة اللاعنف هو في قلب الإنسان»(5).

ومن كلام للنبي عيسى (عليه وعلى نبينا وآله السلام): «قيل لكم أحبّوا أصدقاءكم ولكن ذلك ليس بمهم فإن العشارين أيضاً يحبون أصدقاءهم وإنما أقول لكم أحبوا أعداءكم»، ويقول الإمام الشيرازي معلّقاً على هذا الكلام: «إن الظاهر من كلام عيسى (ع) أن السبب لا يرجع إلى نفع العدو بمثل ما يرجع بنفع الإنسان نفسه فإن الإنسان الذي يحب عدوه يقوم بوصله ومواصلته وذلك ما يسبّب رجوع العدو عن عداوته»(6).

إن إتخاذ العنف وسيلة لتحقيق الغايات التغييرية يمكن أن يقود إلى سلسلة من الأعمال العنيفة المتصاعدة واختفاء لغة الحوار والعقل، ولكن اللاعنف يرسّخ لغة العقل والمنافسة الهادئة بحيث يمكن أن يقطع معظم أعمال الانتقام والمقابلة بالمثل «إذ بذلك يكون ـ اللاعنف ـ الوسيلة الوحيدة لقطع سلسلة العنف، لأن الرّد على العنف بالعنف يولّد أزمات لاتنتهي وإذا كان العنف يدفع الخصم لمزيد من الشر فإن اللاعنف يحرّره، وكان بوذا يقول: «ليس بالشر وإنما بالخير نوقفه»(7).

ويعتقد البعض أن ممارسة اللاعنف هو استسلام ذليل نابع من موقف الضعف والخوف وبالتالي فإن العنف هو موقف القوة والشجاعة فقط. ولكن الطبيعة الإنسانية التي تتكوّن من جانبين انفعالي وعقلاني تثبت عكس ذلك، فعندما لا يستطيع الإنسان أن يعالج موقفاً ما برويّة وتعقّل ويصاب بالعجز والوهن تنفجر الحالة الانفعالية عنده على شكل فعل عنيف كرد دفاعي يعطيه شعوراً وهمياً بالقوّة والشجاعة أي أن «العنف ما هو إلاّ قناع لضعف حقيقي وإن يكن يعيشه المتسلّطون أحياناً بشكل لا واع»(8). وفي الرواية المروية عن رسول الله (ص) أنه قال: «إن الله ليبغض المؤمن الضعيف الذي لا رفق له».

إن اللاعنف عمل يتطلب الكثير من الصبر والتحمّل والتعقّل قبل الإقدام على أي عمل لذلك «كثيراً ما يختلط بين اللاعنف والسلبية والاستسلام، لكن الحقيقة غير ذلك فاللاعنف فعل بطولي يفترض السيطرة التامة على الذات واعلان العصيان المدني وعدم التعاون مع السلطات الحاكمة والاضراب..»(9) فالشجاعة الحقيقية هي الشجاعة التي تتطلّب صموداً نفسياً قوياً أمام الانفعالات التي تثيرها ظروف الانتقام والقمع والثأر، فبقدر إرتجالية العنف فإن عنف يحمل في طياته قوّة التفكير والحلم والقدرة على إدارة الازمة بحكمة وبصيرة لأنه «فعل بعيد عن العفوية ويرتكز على التفكير العميق والتحضير الدقيق، إنه فعل إيجابي يتطلّب الشجاعة المعنوية واستبسال الشهداء. إن السلبية التي تتضمنها كلمة اللاعنف ما هي إلا شرك لغوي فاعمال المناضلين السلميين كلها ايجابية فالذين يقدمون حياتهم على مذبح العدالة إنما يقدمون دروساً تربوية وقوة أدبية لخلاص البشر من الشر»(10).

واللاعنف هي الحالة الوسطية بين العنف والاستسلام، لذا فإن ممارسته هي قمّة الاعتدال والقدرة على التحكم في الأمور. ومع أن اللاعنف يتطلّب استقامة نفسية وحركية طويلة المدى فانه أكثر قدرة على تحقيق معطيات التغيير السلمي السليم. أما الذين يتحرّكون وفق دوافع الشعور بالظلم والاضطهاد وجرح الكرامة وافتقاد العزّة فليتأمّلوا قليلاً في ممارسة العنف ويستبصروا بنتائجه قبل أن يقعوا في دوامته، فالعزّة والكرامة والعدل يمكن أن تصبح في ذاكرة التاريخ لو تم التورّط في لعبة العنف، وقد أجاب عقيل ابن أبي طالب معاوية ـ لما قال له أن فيكم يا بني هاشم ليناً ـ قائلاً له: «أجل إن فينا لليناً من غير ضعف وعزّاً من غير عنف وإن لينكم يا معاوية غدر وسلمكم كفر».

وبين العنف واللاعنف يبقى الحد الفاصل في تقرير مصير الحركة الحضارية فأما اختيار العنف من أجل نصر سريع وانتقام انفعالي وتلطيخ مبادئ الحركة بدماء بريئة ذهبت اعتباطاً تبقى مكتوبة في تاريخها، أو اختيار اللاعنف مع صبر طويل والحفاظ على سمعة الحركة لتبقى مدّاً سامياً يهدر على المستقبل خالداً بمبادئه كما خلّدت سيرة الرسول (ص) وأصبحت مجداً تفتخر به الإنسانية الباحثة عن الأمن والعدل والتعايش السلمي.

إن حركة اللاعنف حركة تغييرية شاملة باتجاه المستقبل لبناء مستقبل خال من الدموية والانتقام قائمٌ على العدالة والحب بينما العنف حركة تعيش حاضرها وهي تنبش بتداعيات الماضي.

* مقتطف من دراسة تحت عنوان (العنف وحركة التغيير) نشرت في مجلــة النبــأ-العــددان (23 ـ 24) السنــة الرابعــة 1419

............................................
1 ـ بحار الأنوار: المجلد 41، ص126.
2 ـ الوصول إلى حكومة واحدة إسلامية: الإمام الشيرازي ص39.
3 ـ بحار الانوار: المجلّد 75/ ص60.
4 ـ تصنيف غرر الحكم: ص243 ـ الصياغة الجديدة: ص595.
5 ـ موسوعة السياسة: المجلد الخامس ص386.
6 ـ السبيل إلى إنهاض المسلمين، الامام الشيرازي: ص148.
7 ـ موسوعة السياسة، عبد الوهاب الكيالي: المجلد الخامس ص387.
8 ـ موسوعة السياسة، عبد الوهاب الكيالي: ص386.
9 ـ موسوعة السياسة، عبد الوهاب الكيالي: ص385.
10 ـ موسوعة السياسة، عبد الوهاب الكيالي: ص387.

اضف تعليق