تعجبَ من سؤالها المتكرر عن الحسين عليه السلام ولم تسأله عن أولادها الأربعة، إذ كان يخبرها بشهادتهم واحداً بعد الآخر وهي تقول له: وهل سمعتني سألتك عنه؟ إلى أن قال لها: عظم الله لكِ الأجر بأبي عبد الله الحسين. فما إن سمعت بالخبر صرخت مولولة... فقد هان خبر مقتل أولادها أمام مقتل ريحانة رسول الله صلى الله عليه وآله...

شَاء القدر لعلي عليه السلام أن يقترن بفاطمة بعد فاطمة، كما شاء أن تكون بنت مزاحم أُمّاً قبل أوانها لأبناء زوجها الأربعة: الحسن، والحسين، وأختيهما زينب وأم كلثوم (عليهم السلام). فلم تكن رعايتها لهم فقط من جانب الشفقة كونهم يتامى الزهراء (عليها السلام)، بل لأنها كانت ترى بخدمتهم واجباً وشرفاً وتقرباً إلى الله تعالى، مما جعلها تؤثرهم على نفسها إلى درجة تخلت فيها عن اسمها من أجل أن لا ينكسر خاطرهم ويتصدع قلبهم لسماع ذكر اسم أمهم (فاطمة)، حين طلبت من أمير المؤمنين (عليه السلام) أن يناديها بكنيتها "أم البنين" بدلاً من فاطمة.

وربما يضعف أو ينعدم هذا الاهتمام عند بعض النساء حال إنجابها ولدها الأول والأكبر، لكنه لم يفرق مع أم البنين، بل زاد أكثر مما كان عند ولادة العباس (عليه السلام)؛ حتى إنها ذات يوم رأت أمير المؤمنين (عليه السلام) يُقبل كفي العباس وهو غارق في البكاء، فاندهشت أم البنين لهذا الفعل، وراحت تقول للإمام: "ما يبكيك؟"، فأجابها الإمام بصوت خافت حزين النبرات: "نظرتُ إلى هذين الكفين وتذكرتُ ما يجري عليهما"، قالت أم البنين: "ماذا يجري عليهما؟"، أجابها الإمام: "إنهما يُقطعان من الزند". ثم سألته مرة أخرى: "لماذا يُقطعان؟"، رد عليها الإمام قائلاً: "إنهما إنما يقطعان في نصرة الإسلام، والذبَّ عن أخيه ريحانة رسول الله (صلى الله عليه وآله)"، حينها أجهشت بالبكاء أم البنين لما سيجري على أبي عبد الله الحسين (عليه السلام) لا فقط لقطع الكفين، ثم بعد ذلك حمدت الله تعالى في أن ولدها سيكون فداءً لأخيه. (١)

سؤال التاريخ وصدمة النبأ

والأعظم والأندر من هذا الموقف، سؤالها لبشر بن حذلم الذي أثار في نفسه التعجب: "أسألك بالله هل الحسين حي أم لا؟"، مع أنه دخل المدينة ينعاه. كما تعجب مرة أخرى من سؤالها المتكرر عن الحسين (عليه السلام) ولم تسأله عن أولادها الأربعة، إذ كان يخبرها بشهادتهم واحداً بعد الآخر وهي تقول له: "وهل سمعتني سألتك عنه؟"، إلى أن قال لها: "عظم الله لكِ الأجر بأبي عبد الله الحسين".

فما إن سمعت بالخبر صرخت مولولة، ورجعت إلى دار بني هاشم منادية:

ألا لا تزار الدارُ بأهلها .... على الدارِ من بعدِ الحسين سلام

فقد هان خبر مقتل أولادها أمام مقتل ريحانة رسول الله (صلى الله عليه وآله).

مأتم البقيع والرحيل الحزين

وامتداداً لهذا الموقف، نصبت مأتم عزاء في مقبرة البقيع، حيث خطت أناملها خمسة قبور، تخرج إليها كل يوم لتندب سيدي شباب أهل الجنة وأبناءها الأربعة أشجى ندبة وأحرقها، كما كانت تقيم العزاء في بيتها تبكي فقد أحبتها مرّ البكاء.

ولم تزل على تلك الحال من الحزن والألم، حتى التحقت بالرفيق الأعلى في الثامن من جمادى الثانية يوم الجمعة سنة ٦٤ للهجرة؛ فقد رحلت أم البنين عن هذه الدنيا بجسدها الطاهر، لتبقى روحها الزاكية مضرباً للأمثال كأعظم اسم خلده التاريخ في قاموس الأمومة.

....................................................................................................

(١) كتاب العباس بن علي - الشيخ باقر القرشي / ص٣٤.

اضف تعليق