كيف استطاع الإمام العباس (ع) أن يتحوّل إلى رمزٍ خالد في الوعي الإسلامي، وهو الذي لم يعرف بكثرة الخطابة، ولا بالسعي للواجهة، بل بالصمت المملوء موقفًا؟ إن ذكرى ولادته في الرابع من شعبان لا تفرض علينا الاحتفاء فحسب، بل تدعونا لإعادة التفكير بمعنى القيادة، ومعنى التأثير، ومعنى أن يكون الإنسان عظيمًا دون ضجيج...

هل يمكن للإنسان أن يقود التاريخ من دون خطابٍ واحد أو شعارٍ عالٍ؟ في عالمٍ يضج بالكلمات، ويقيس التأثير بعدد المتابعين، ويمنح القيادة لمن يعلو صوته أكثر، يبرز سؤال جوهري: كيف استطاع الإمام العباس (عليه السلام) أن يتحوّل إلى رمزٍ خالد في الوعي الإسلامي، وهو الذي لم يعرف بكثرة الخطابة، ولا بالسعي للواجهة، بل بالصمت المملوء موقفًا؟ إن ذكرى ولادته في الرابع من شعبان لا تفرض علينا الاحتفاء فحسب، بل تدعونا لإعادة التفكير بمعنى القيادة، ومعنى التأثير، ومعنى أن يكون الإنسان عظيمًا دون ضجيج.

القيادة 

القيادة في سيرة الإمام العباس (عليه السلام) لم تكن ادعاءً ولا منصبًا، بل كانت تكليفًا أخلاقيًا. فمنذ نشأته في بيت الإمام علي (عليه السلام)، تعلم أن القائد الحقيقي لا يسبق إمامه، ولا ينافسه، ولا يزاحمه على الضوء. هذه الفكرة وحدها كفيلة بأن تحدث صدمة إيجابية في ثقافة اليوم، حيث يتسابق كثيرون إلى القيادة لا لتحمل أعبائها، بل لجني امتيازاتها. العباس (عليه السلام) قاد لأنه كان الأجدر بتحمل الثمن، لا لأنه أراد الظهور.

الوفاء 

الوفاء في سيرة الإمام العباس (عليه السلام) لم يكن حالة عاطفية، بل قرارًا متجددًا في كل لحظة. فقد كان قادرًا على النجاة، وقادرًا على اختيار مسار أقل كلفة، لكنه اختار البقاء في قلب الاختبار حتى نهايته. هذه الفكرة تعيد تعريف الوفاء بوصفه التزامًا واعيًا لا ينتهي بانتهاء الظروف المريحة. فالوفاء الحقيقي يظهر عندما تتغير الموازين، وتصبح المصلحة في جهة، والقيم في جهة أخرى.

القوة الحقيقية 

من أكثر المشاهد تأثيرًا في الوعي الشيعي هو موقف الإمام العباس (عليه السلام) عند الماء، لكن القراءة غير المستهلكة لهذا المشهد تكمن في فهمه كـ انتصار أخلاقي على النفس قبل أن يكون موقفًا بطوليًا. فالقوة هنا ليست في القدرة على الوصول إلى الماء، بل في القدرة على رفضه. وهذا الدرس يتجاوز كربلاء ليصل إلى حياتنا اليومية: كم مرة نملك القدرة على تحقيق رغبة شخصية، لكننا نعجز عن ضبطها لصالح قيمة أعلى؟

الصمت الواعي 

لم ينقل عن الإمام العباس (عليه السلام) خطب طويلة، لكن التاريخ نقل عنه مواقف غيّرت الوعي الجمعي. هذا الصمت لم يكن فراغًا، بل امتلاءً بالبصيرة. ففي زمن الإفراط بالكلام، يصبح الصمت المدروس فعل مقاومة أخلاقية. الإمام العباس (عليه السلام) يعلمنا أن بعض القضايا لا تحتاج إلى شرح، بل إلى تجسيد، وأن الحقيقة عندما تعاش تفهم دون شرح.

العمل الجماعي 

من الزوايا غير المطروقة في سيرة الإمام العباس (عليه السلام) أنه لم يسع يومًا إلى بطولة منفصلة عن مشروع الإمام الحسين (عليه السلام). لم يقل “أنا”، بل قال “نحن”، ولم يتحرك إلا ضمن سياق الهدف العام. هذا الدرس بالغ الأهمية اليوم، حيث تهدر الطاقات بسبب تضخم الأنا الفردية. 

الإمام العباس (عليه السلام) قدم نموذج الإنسان الذي يذوب في القضية، لا القضية التي تستخدم لتكبير الذات.

الرمزية 

لم تكن لدى الإمام العباس (عليه السلام) وسيلة إعلام، ولا خطاب دعائي، ومع ذلك تحول إلى رمزٍ عالمي للوفاء والشهامة. السر هنا أن الرمزية الحقيقية لا تصنع بالتكرار، بل بالتجربة الصادقة. فحين يعيش الإنسان ما يؤمن به حتى النهاية، يتحول تلقائيًا إلى رمز، دون أن يقصد ذلك. وهذه رسالة عميقة لكل من يسعى اليوم إلى التأثير عبر الصورة لا الجوهر.

ولادة الإمام ليست حدثًا تاريخيًا بل مشروع وعي

إنّ الاحتفاء بولادة الإمام العباس (عليه السلام) لا ينبغي أن يتوقف عند الطقوس والمظاهر، بل يجب أن يتحول إلى مشروع إعادة قراءة للذات. فكل واحد منا يعيش كربلاء الخاصة: في العمل، في الأسرة، في المجتمع. والسؤال الحقيقي ليس: ماذا فعل الإمام العباس؟ بل: كيف نكون عباسيين في مواقفنا اليومية؟

دعوة لإحياء القيم لا الاكتفاء بذكراها

في ذكرى ولادة قمر بني هاشم، نحن مدعوون إلى أكثر من الاحتفال؛ نحن مدعوون إلى إعادة تعريف النجاح، والقيادة، والوفاء، والقوة. إن عالمنا اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الأصوات العالية، بل إلى مواقف صامتة صادقة، تشبه موقف الإمام العباس (عليه السلام).

فلنجعل من هذه المناسبة نقطة انطلاق لمراجعة خياراتنا، وضبط بوصلتنا الأخلاقية، وتربية أجيال تفهم أن العظمة ليست في أن تكون حاضرًا في كل صورة، بل في أن تكون ثابتًا في كل اختبار. هكذا فقط تتحول الذكرى إلى وعي، والوعي إلى تغيير.

اضف تعليق