إسلاميات - اهل البيت

مملكة الحقوق في نهج الامام علي (ع)

مفاتيح النهضة والتقدم في نهج الإمام علي عليه السلام (12)

في بحثنا عن مفاتيح النهضة والتقدم في نهج الإمام علي (عليه السلام)، وصلنا إلى محور أساسي في تحقيق استراتيجيات السلم والتآلف وهو منهج الحقوق، حقوق الإنسان الفرد، وحقوق الناس، وحقوق المجتمع، والحقوق والواجبات بين الحاكم والمحكوم.

اليوم عندما نتفحص هذا العالم، فإننا سوف نراه مثخنا بالجراح، وممتلئ بالمشكلات والأزمات، ونرى في كل مكان من الكرة الأرضية هناك أنين يخرج من إنسان، وألم في قلب مسكين، أما يكون قابعا في السجن، أو يتألم من الفقر، أو مريض ممدّد على الأرض أو في المستشفيات او جائع يتلحف بالتراب او لاجئ بلا وطن.

الإنسان في عالم اليوم لا يحصل على حقوقه، لأنها منتهكة ومسلوبة وضائعة، فهناك اختلال جلي في الحقوق، في الأنظمة السياسية والاجتماعية، وفي المناهج الاقتصادية، هناك تفاوت كبير فيما بين البشر، غنيّ جدا، وفقير جدا، هناك من يمتلك القدرة والسلطة، وهناك من لا يستطيع أن يعبر عن رأيه وحريته، هناك من هو متخم الى حد الموت أو جائع الى حد الهلاك.

أما منهج الإمام علي (عليه السلام)، فهو منهج متكامل لسعادة البشرية، وقد اخترتُ هذه النقطة بالأساس لأن الإمام علي (عليه السلام)، يؤكد عليها في كثير من كلماته وخطبه حيث يوجّه ولاتهِ الى قضية الحقوق وكونها هي المحور الأهم في قضية الحاكم والحكومة.

مقدمات في معرفة المقاصد لنهج الحقوق

أولا: الأزمات التي تنشأ نتيجة لاختلال النظام، لأن النظام قائم على توازنات دقيقة جدا، مرتبطا بعملية الدورة التي يعيشها، فهناك قواعد وسنن وأسباب تعمل معا بانسجام كالميزان والانتظام فيه بين الكفتين، وكالوقت والدقة التي فيه من الثانية إلى الدقيقة إلى الساعة.

يقول القرآن الكريم: (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ) القمر 49. ومفردة بقدر تعني بحساب، بتقدير، بتخطيط، بدقة في كل شيء، بأصغر الأشياء، فالدقة موجودة في الذرَّة، لذلك نلاحظ أن هذا النظام متوازن لانه يسير بدقة في حركة دائرية مستمرة حتى يستطيع البشر أن يعيشوا في هذا النظام بأمان، ولكن بانحراف بسيط يسقط النظام وتختل حركته.

النظام يوفر الأمان والحياة المستقرة للناس، لذلك نلاحظ أن الناس الناجحين في حياتهم هم الذين يعرفون كيف يقدرون حياتهم، ويخططون لها، ويلتزمون بالقواعد والقوانين التي تؤدي إلى نجاحهم، على عكس الفاشلين الذين لا يلتزمون بالقواعد والطرق السليمة.

فكل شيء خلقناه بقدر، تعني أن هناك عملية متوازنة في قضية المسير المستقيم (إهدنا الصراط المستقيم)، ومن هنا يجب أن نسير في طريق مستقيم قائم على التوازن والدقة في نظام الحقوق والواجبات.

يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الحكيم: (وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ)

الحديد 25. القسط يعني العدل، فحين يكون الإنسان عادلا يعني مستقيما مرتّبا ومنظما، فلابد أن يكون هناك ميزان، مثل الإنسان الذي يشتري بضاعة من البائع حيث يُستخدَم الميزان ويعطي المبلغ المالي بقدر السلعة الموزونة بالميزان، وهذه عملية تبادل ونظام وعملية ثقة بين البائع والمشتري.

فكل قضايا النظام تنطلق من الثقة والاحترام والامانة ورعاية الحقوق، وكل شيء ضد النظام يخرج منه الشر، الصراع، النزاع، الخيانة، الكذب، وعند اختلال الميزان تخرج الشرور وعند انتظام الميزان تخرج كل قيم الخير من هذا التوازن في النظام.

تحقيق الاستقرار

ثانيا: أهمية تحقيق المصالح العامة للجميع دون أي تمييز عنصري أو طبقي أو فئوي، فهذا هو المنهج الذي يؤدي إلى تحقيق الاستقرار، سواء كان الاستقرار السياسي أو الاجتماعي والاقتصادي والامني، فالنظام الذي ينبع من المصالح العامة، هو الذي يؤدي إلى ترسيخ سياسة العدل والإنصاف والاحسان، واستخراج كل الفضائل الخيرة من الإنسان وبالتالي تحقيق الاستقرار، وبناء المدنية الإنسانية الصحيحة بالتعاون والتضامن والنهضة والتقدم.

النظام الفاشل

ثالثا: نظام الحكم الناجح غايته حماية الحقوق، وهدفه تحقيق الأمن والاستقرار والازدهار من أجل حماية الحقوق وترسيخها وتكريسها، وهي الحقوق الإنسانية بمستوياتها كافة، لذلك أي نظام حكم لا يهدف من تحقيق الأمن حماية الحقوق هو نظام سياسي فاشل.

ومعظم الأنظمة الفاشلة لا تعمل لحماية حقوق الناس، بل غايتها حماية المصالح الخاصة للفئة الحاكمة، فحتى عندما يريد أن يحقق الأمن والاستقرار ليس لأجل حماية حقوق الناس، وإنما لحماية المصالح الخاصة للطبقات الموجودة، وجماعات الضغط واللوبيات. لكن في المقابل يقوم نظام الحكم الناجح على التكافؤ والتعاون والاستقامة والإصلاح وحرية التعبير.

لماذا يجب عليهم أن يعترفوا؟

رابعا: لو حصلت اختلالات في التوازنات نتيجة لانتهاك الحقوق، لابد للأفراد والمجتمع والحاكم أن يعترفوا بأخطائهم ويتراجعوا عنها، لأن مصير أي مجتمع أو أي نظام لا يعترف بأخطائه يمضي نحو الكارثة، ونحو الوصول إلى حافة الهاوية ومن ثم السقوط الحتمي فيها، لأن أي اختلال في الحقوق يعني اختلالا في النظام كلّه، لكن الاعتراف بالخطأ هو عملية مراجعة ومحاسبة ذاتية، والرجوع إلى الوراء، حتى يستطيع أن يصلح ويرمّم نفسه، والإصلاح من أهم الأهداف التي لابد أن يرجوها كل إنسان وكل مجتمع وكل نظام، حتى يستطيع أن يرمم نفسه ويتخلص من أخطائه ولا يتمسك بها.

فعن الامام علي (عليه السلام): (وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ وَالتَّوْبَةُ مِنْ وَرَائِكُمْ وَلَا يَحْمَدْ حَامِدٌ إِلَّا رَبَّهُ وَلَا يَلُمْ لَائِمٌ إِلَّا نَفْسَهُ).

هناك بعض الناس يتمسكون بأخطائهم ويغرقون فيها، ويتعايشون معها، لذلك نراهم يعيشون دائما في أزمات مستمرة، ونتيجة لتمسكه بأخطائه، يصبح الخطأ حقيقة في ذهنه وهو في الواقع وهم، لذلك فإن الإنسان الذي لا يصلح نفسه ولا يعترف أو يصحح اخطاءه، فإنه بالنتيجة يضيّع عمره في عملية انهيار تامة نحو المستقبل المظلم.

الحقوق جمعية

خامسا: إن الحقوق جمعية لكل المجتمع، فهي مجموعة كاملة للمجتمع كله وليس للفرد الأوحد فقط، ويجب أن يحصل الجميع على حقوقهم فردا فردا، مع التزامهم بالواجبات وحماية النظام العام، فلا يوجد فرد أو شخص يقول أنا أمتلك الحق لوحدي، وإنما يتحقق حقه مع حقوق الآخرين، (واجعل نفسك ميزانا فيما بينك وبين غيرك وأحب لغيرك ما تحب لنفسك)، فكل حق فردي ضمن إطار حقوق المجتمع، لأنه ليس هناك حق خارج إطار المجتمع وخارج إطار النظام، وبالتالي فانه ليس حقّا، لان النظام العام كفلسفة وغاية يعتمد على إطار عام يشمل الجميع.

إن الحقوق تعدّ منتهكة في كل الأحوال إذا كانت خدمة لمصالح خاصة، أو فئوية، فهذه ليست حقوق وإنما عملية استئثار واحتكار وهيمنة وتسلط وخروج عن النظام العام وعن الشرعية، فالشرعية من الله سبحانه وتعالى، وهو الذي وضع الحقوق للجميع من دون استثناء، ولا يمكن لأحد أن يستأثر بهذا الحق ويقول إنه حقي، فهي ليست محاصصة وإنما هي نعمة من الله سبحانه وتعالى شاملة للجميع.

الحاكم المستبد غير شرعي

إن الحاكم المستبد هو حاكم غير شرعي، لأن شرعيته تكون منبعثة من احترام الحقوق وحمايتها، فأي انتهاك يقوم به هو خروج على الحق، لا يمكن لأي نظام يأخذ شرعيته من قوته الذاتية، ولا يمكن أن يفرض على الناس سلطته بالقوة المسلحة، فالنظام السياسي يستمد شرعيته من أسس مبدئية ثابتة تقوم بشكل مطلق على احترام الانسان وكرامته وحقوقه وحرياته، فلايمكن لأي نظام اذا أراد ان يكون شرعيا أن ينتهك الحريات ويصادر الحقوق، أو يستأثر بأموال الشعب، أو يقوم بشن حرب خارج إرادة الشعب والناس.

قواعد الحقوق في نهج الامام علي (ع)؟

إنها القواعد الإلهية الفطرية التي خلق الله سبحانه وتعالى من اجلها الانسان، احترام الحريات والحقوق، فمبعث شرعية الأنظمة السياسية كلها تأتي من خلال ضمان الحريات والحقوق.

الله اصل الحقوق

النقطة الأولى: إن الحقوق منبعها الله سبحانه وتعالى، فهو الذي أنعم على البشر بالكرامة والحرية والحقوق، وهذه الحقوق الموجودة عند الناس هي حق الله، ولا يمكن لأي حاكم أو أي قوي أو أي شخص لديه سلطة يقوم بمصادرة هذه الحقوق، لأنه ليس من حقه ذلك. فهذه الحقوق مطلقة وأصلية وفطرية، وليست نسبية تابعة لأهواء الحاكم، أو لأهواء حزب أو فئة معينة او فرد منفرد.

فعن الإمام علي (عليه السلام): (ثُمَّ جَعَلَ سُبْحَانَهُ مِنْ حُقُوقِهِ حُقُوقاً افْتَرَضَهَا لِبَعْضِ النَّاسِ عَلَى بَعْضٍ، فَجَعَلَهَا تَتَكَافَأُ فِي وُجُوهِهَا وَيُوجِبُ بَعْضُهَا بَعْضاً وَلَا يُسْتَوْجَبُ بَعْضُهَا إِلَّا بِبَعْضٍ)، أي أن الله سبحانه وتعالى منبع هذه الحقوق، لذا فهي أصلية، وفطرية وأوجبها لكل الناس، لبعض الناس على البعض، فهي كليّة جامعة ولا أحد يستطيع أن يمنعها، ولا يحق لإنسان أن يمنع إنسان من حق الحياة، وحق التعبير عن الرأي وحق العمل، وأية حقوق طبيعية فطرية للإنسان، ولا يحق لأي حاكم أن يمنع الناس من السفر، أو يمنعهم من الكتابة، أو من أي عمل آخر في إطار النظام العام والاطار العام والحقوق المجتمعية، فله كامل الحقوق والحريات بشرط أن لا ينتهك حقوق الآخرين وحرياتهم.

التكافل المتبادَل للحقوق

حقوق الآخرين متكافلة، فحقي يكمّل حق الآخر، وحق الآخر يكملني، لذلك يقول الإمام علي (عليه السلام) في تكملة حديثه: (لَا يَجْرِي لِأَحَدٍ إِلَّا جَرَى عَلَيْهِ وَلَا يَجْرِي عَلَيْهِ إِلَّا جَرَى لَهُ وَلَوْ كَانَ لِأَحَدٍ أَنْ يَجْرِيَ لَهُ وَلَا يَجْرِيَ عَلَيْهِ لَكَانَ ذَلِكَ خَالِصاً لِلَّهِ سُبْحَانَهُ دُونَ خَلْقِهِ لِقُدْرَتِهِ عَلَى عِبَادِهِ وَلِعَدْلِهِ).

فالحق لله فقط وهو العادل ووهب الحقوق للناس بمقتضى عدالته ورحمته، فالحقوق كلها نابعة من الله سبحانه وتعالى، لذلك فإن كل شيء يجري لك يجري عليك، وكل شيء يجري عليه سوف يجري عليك أيضا، فهذه كلها حقوق متقابلة متداخلة فيما بينها، وهذا هو معنى العدل الإلهي.

وهذا معنى قدرة الله سبحانه وتعالى ونعمته على الناس، لأنه أعطاهم نعمة الحقوق، فلا يحق لأي أحد أن ينتهك حق الله سبحانه وتعالى، لذلك فإن انتهاك حقوق الناس هو انتهاك لحقوق الله سبحانه وتعالى، لاحظ كيف تكون حماية الحقوق في الإطار التكويني العام، هذه هي الحماية الحقيقية، لأنه عندما تحارب حق الناس فإنك تحارب حق الله تعالى.

وقد أراد الإمام علي (عليه السلام) أن يضع هذا الشيء في أذهان الحكام، وفي أذهان الناس حتى تجري العدالة والمساواة فيما بين الجميع، ويتحقق النظام الصالح.

تكافؤ الفرص يحمي حقوق الجميع

النقطة الثانية: التكافؤ التكويني في الحقوق، يعني تكافؤ الفرص فيما بين الجميع، ليس لأحد أن يأخذ الفرص لوحده، ولا توجد فرصة للآخر، لكي يحيى حياة صالحة كالآخرين، فربما أنت تدخل مدرسة جيدة وتتعلم فيها لأنك لديك المال، لكن الشخص الذي لا يمتلك المال لا يستطيع أن يدخل المدرسة أصلا، فهل يسمى هذا تكافؤ الفرص؟

فهذا فقير لأنه لم يحصل على فرصة جيدة، ولو أنه حصل على فرصة جيدة لتقدَّم في حياته، ولكن هناك من يمنعه من أن يحصل على فرصة جيدة في حياته، فأهم قضية في الحقوق هي تكافؤ الفرص.

يقول الإمام علي (عليه السلام): (فجعلها تتكافأ في وجوهها)، أي أن أنه جعل الحقوق متكافئة في مختلف الاتجاهات، فهل تتصور أن أحدهم اليوم لو كانت لديه سلطة، مثلا يعمل في التجارة والاستثمار، لكن لأنه مرتبط بالسلطة وتوجد وراءه قوة، فإنه يحصل على امتيازات وإعفاءات من الجمارك، وتسهيلات خاصة خارج إطار القانون والنظام الضريبي الموجود على كل الناس، وهناك تاجر مسكين ليست له امتيازات خاصة حاله حال الناس، فهل هذا الفعل فيه حقوق وفيه شرعية، بل ان هذا الفعل هو أكبر انتهاك لحقوق الناس ولحقوق الله سبحانه وتعالى.

فكل شيء ليس فيه إرادة الله سبحانه وتعالى فهو فساد وانتهاك لحق الناس، حتى العقل يقول بذلك، والحقيقة لابد من وجود تكافؤ في الفرص لكي أكون متقدما كالآخرين.

خطر الفساد الديني

ينشأ الفساد الديني من خلال انتهاك الحقوق وعدم توازنها، فعندما تسيطر جماعة على السلطة، وينتهكون حقوق الناس، فإنهم يحاولون ان يشرعنوا أعمالهم من خلال بوابة الدين، فكل فرد منهم يبرر عمله وسلوكه الخاطئ في سلب حقوق الناس وتضييع فرصهم. فالفساد الديني هو من نتائج عدم توازن الحقوق التي تحتاج إلى اقتناع والتزام ورعاية، لبناء الحياة الصالحة من خلال المساواة في تكافؤ الفرص.

الحقوق المتبادَلة

النقطة الثالثة: الحقوق المتبادَلة، أي الحقوق فيما بين الجميع، فعن الإمام علي (عليه السلام): (وَلَكُمْ عَلَيَّ مِنَ الْحَقِّ مِثْلُ الَّذِي لِي عَلَيْكُمْ...)، فكما لكم الحق لي الحق، وكما لي الحق لكم الحق، وهذا نوع من التبادل في الحقوق والموازنة بينها، وهذه الكلمات تعبير عن قيم الإنصاف والعدالة والاحترام.

التوازن التكويني في الحقوق

النقطة الرابعة: التوازن التكويني المتبادَل، وهذه النقاط التي نذكرها يوجد فيها نوع من التداخل فيما بينها، ولكن نحاول أن نبحثها لكي تتضح أوجه الحقوق، كما قال (عليه السلام): (تتكافأ في وجوهها)، لأن كل حق له جوانب واوجه متعددة.

وعنه (عليه السلام): (وَيُوجِبُ بَعْضُهَا بَعْضاً وَلَا يُسْتَوْجَبُ بَعْضُهَا إِلَّا بِبَعْضٍ)، يعني الحق الذي يتحقق لك فإنه يتحقق من خلال حقك، ويتحقق حقك من خلال إحقاق حقي، وهذا نوع من المعادلة والتوازن في الحقوق.

بعض الناس يذهبون وراء بعض المنافع، فمنهم من يحصل على الامتيازات وبعضهم لا يحصل عليها، بالنتيجة فحتى هذا الذي يحصل على الامتيازات سوف يخسرها، لأن الشخص الآخر لم يحصل على ما يستحقه، (ويستوجب بعضها ببعض)، فلكي يتحقق حقك ويكون محميا، لابد أن يكون حق الآخر محميا أيضا، فيقوم بعض الحقوق على بعضها، ولايمكن ان يتحقق البعض دون تحققها جميعا معا.

الحقوق تقوم على بعضها

لو أننا نلاحظ بناء المجتمع، فإنه يشبه بناء البيت، يقوم على أعمدة متساوية، وكل عمود يستوجب وجود العمود الثاني، فإذا لم يتواجد أحد الأعمدة فإن البيت سوف يتعرض للانهيار، لذلك فإن كل الحقوق مثل أعمدة البيت، وهي الأعمدة التي تحمي النظام العام، وتحقق الأمن والاستقرار.

ولذلك فإن الأشخاص الذين يستأثرون بالامتيازات سوف يسقطون، من قبل هؤلاء الذين لم يحصلوا على حقوقهم، لأن أي حق يستوجب وجود الحق الثاني، أي أن الحق يقوم على الحق الآخر، فالإنسان يعيش في مجتمع ما، وإذا أراد أن يكون المجتمع مستقرا لابد أن يكون متوازنا في الحقوق، وهذه معادلة ميكانيكية حتمية، كما في حالة أي جهاز، فكل قطعة في الجهاز تعتمد على القطعة الثانية، وهي حالة من الوجوب والاعتماد المطلق فيما بين أفراد المجتمع، من أجل حماية الحق العام للجميع.

الحقوق ليست في الشعارات

النقطة الخامسة: الحقوق في التطبيق والعمل وليست في الشعارات، عندما ندخل اليوم في الانترنيت وفي القنوات الفضائية وفي كل مكان، سوف ترى شتى الأخبار عن احترام حقوق الانسان، ولكن كلها شعارات لا يرافقها التطبيق، فهناك الكثير من الاعدامات والتعذيب في مختلف الدول، دون أن يتكلم أحد، قد نجد هناك من يستنكر هذا العمل، لكن كل هذا عبارة عن شعارات.

الجميع يفكر في مصالحه الخاصة، ولا يفكر بالإنسان ولا بحق الإنسان في الحياة، والإمام علي (عليه السلام) يشير إلى هذه القضية، ويخاطب المعنيين للعمل من أجل ضمان وحماية حق الناس، وليس مجرد شعارات تُرفَع لذرّ الرماد في العيون.

فعنه (عليه السلام): (فَالْحَقُّ أَوْسَعُ الْأَشْيَاءِ فِي التَّوَاصُفِ وَأَضْيَقُهَا فِي التَّنَاصُفِ) فعندما يأتي وقت العمل ويستوجِب التناصف، فإن الجميع لا يعبأ بذلك ولا علاقة له بهذه القضية، لأنهم خالين من الإنصاف، نعم يتكلم بحقوق الإنسان، ولكن إذا تعارضت الحقوق وكان الحق عليه فإنه لا يكون منصفا، وهذا من أكبر الأضرار عليه وعلى المجتمع.

إن الله تعالى لا يرضى بذلك، لهذا يجب أن يكون الإنسان منصفا في عمله، من خلال احترامه لحقوق الآخرين، فالحقوق عند الإمام علي تُصان في العمل والإنصاف والإحسان والتعاون والاحترام، وليس فقط بالشعارات والكلمات.

حماية الحقوق تحمي نظام الحكم

النقطة السادسة: توازن الحقوق نظام للحكم المتوازن، فإذا أرادوا أن يكون نظام الحكم متوازنا، فلابد أن يوازنوا في قضية الحقوق، ولا يكون هنالك اختلال، لأنه أي اختلال في الحقوق يؤدي إلى اختلال نظام الحكم، والنظام السياسي.

فليست هناك امتيازات للحاكم بل حقوق لتحقيق حقوق المحكومين ومن ثم التزامهم بالواجبات، والنتيجة تظهر في التآلف المجتمعي وكرامة واحترام كل فرد فرد، وبناء الثقة في النظام السياسي.

هذه أهم نقطة في استقرار النظام السياسي، ولا يجب أن يعتمد النظام السياسي على القوة المسلحة، ولا على الجيش ولا على الشرطة ولا على البنك المركزي، ولا على وزارة المالية، ولا على وزارة الدفاع، بل يعتمد على توازن الحقوق، وأهم نقطة في البرلمان أنه لابد أن يكون مشروع لحماية حقوق الناس جميعا، لكي يتحقق النظام العام.

ما هي القوانين التي شًرِّعت في مختلف دول العالم لحماية حقوق الناس؟، لا شيء، كل ما يتم تشريعه هو لحماية مصالح الفئات الحاكمة، أو الأحزاب، أو اللوبيات، لذلك فإن هذا النظام مختلّ، وغير متوازن، وإذا حدثت أية مشكلة أو أزمة يرميها في وجه الناس المساكين الذين يعيشون المشكلات بسبب هذا النظام المختلّ.

وعن الإمام علي (عليه السلام): (وَأَعْظَمُ مَا افْتَرَضَ سُبْحَانَهُ مِنْ تِلْكَ الْحُقُوقِ حَقُّ الْوَالِي عَلَى الرَّعِيَّةِ وَحَقُّ الرَّعِيَّةِ عَلَى الْوَالِي فَرِيضَةٌ فَرَضَهَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ لِكُلٍّ عَلَى كُلٍّ فَجَعَلَهَا نِظَاماً لِأُلْفَتِهِمْ وَعِزّاً لِدِينِهِمْ)، فالنظام العام المتوازن المتعايش يتحقق من خلال كون الحاكم محافظا على حقوق الناس، ولا يشرع قوانين خاصة لحماية مصالحه ولا امتيازات خاصة له، ولا يكون لديه أفواج حماية، فكل مسؤول تجد لديه عشرات المركبات تخرج وراءه ومعه.

المسؤول الذي يقوم بهذا الفعل يريد أن يقول للناس أنا أفضل منكم، وحقي أكبر من حقوقكم، وحين وصلتُ إلى السلطة فإن الله هو الذي اختارني كما قال معاوية الذي يقول لو لم يختارني الله لما كنتُ موجودا في هذا المركز أو السلطة، فشرعن هذا الأمر لنفسه وظل يقول بأن الله هو الذي اختارني للسلطة، وهو الذي أتاح لي حق الحماية وحق مواكب السيارات وبناء القصور والأموال، كل هذا حقي، ولكن هذا كله انتهاك لحقوق الناس وحقوق الله.

الرفاه نتيجة التوازن في الحقوق

لذلك فإن هذه الدولة فاسدة، لأن الدولة التي ليس فيها حقوق متوازنة متساوية متكافئة، ليس فيها واجبات من قبل المواطنين، لأن المواطنة الحقيقية تنبع من الحقوق والواجبات، فللمواطن حق وعليه واجب، الكلّ للكل (لِكُلٍّ عَلَى كُل) كما قال الإمام علي (عليه السلام)، فالتوازن ينشأ من خلال المساواة في الحقوق والواجبات.

لا مشكلة في أن يعيش الحاكم حياة مرفّهة، ولكن يجب أن يكون ذلك من خلال احترام حقوق الناس، والرفاه يأتي من خلال التوازن في الحقوق، حيث تزدهر البلاد، ويعم الأمن والاستقرار عندما تتحقق الحقوق.

إنها مشكلة حين يبقى الحاكم متأرجحا في عالم اللاشيء، وفي عالم اللاستقرار، وفي عالم اللا إطمئنان نحو المستقبل، لأن حقوق الناس منتهَكة والآخرون مستأثرون بالسطلة، فإذا أراد الحاكم أن يحقق نظاما آمنا متعايشا منسجما، عليه أن يعطي الحق للجميع بحيث يكسب الجميع.

وللبحث تتمة...

* سلسلة حوارات تبث على قناة المرجعية تحت عنوان (جواهر الأفكار)

اضف تعليق


التعليقات

محمد علي
مصطلح "الفساد الديني" يضع الدين في قفص الاتهام ويجعل الفاسد بعيداً، الدين لا يطاله الفساد مطلقاً، إنما هي في اعمال الانسان وفكره وسلوكه. حتى تشبثه بالدين فهو فساد من نوع آخر. مع الشكر الجزيل2022-06-27