أ/ العُمر المديد الذي عاشهُ الإِمام جعفر بن محمَّد الصَّادق (ع) قياساً ببقيَّة أَئمَّة أَهل البيت (ع) [وُلد في ١٧ ربيع الأَوَّل عام ٨٢ هـ واستُشهدَ في ٢٥ شوال عام ١٤٨ هـ] منحهُ فرصةً كبيرةً لأَداءِ دَور تكريس التَّأسيس وتعميق التَّرسيخ وتثبيت التَّمكينِ لمدرسةِ أَهل البيت (ع) أَكثر من غيرهِ من الأَئمَّة حتَّى سُمِّيَ أَتباع المدرسة بـ [الجعفريِّين] نسبةً لهُ (ع).

ولذلكَ نُلاحظ أَنَّ تُراثهُ العلمي من أَكثر ما اعتمدَ عليهِ فُقهاء المدرسة للتَّفصيلِ في مجالاتِ الفقهِ والأُصولِ وغيرها من العلومِ الدينيَّةِ تحديداً.

كما أَنَّ عهدهِ الذي شهِد نِهاية دَولة وبِداية أُخرى [سقُوط الدَّولة الأَمويَّة وقِيام الدَّولة العباسيَّة] وما رافقها من حالةِ تراخي قبضة السُّلطة السياسيَّة والإِنفلات الأَمني وانشغالِ القادمِ الجديد بتصفيةِ مُخلَّفات وإِرث الذَّاهب القديم، إِنَّ كُلَّ ذلكَ منح الإِمام (ع) حُريَّة الحركة التي خلقت لهُ فُسحةً أَوسع وأَكبر.

ب/ إِنَّ ما يُحدِّد مسارات دَور كُلَّ إِمامٍ من أَئمَّة أَهل البيت (ع) مع وحدةِ الهدف الرِّسالي هو طبيعةِ التحدِّيات التي تُواجهها الأُمَّة في عصرهِ، فنُلاحظ أَنَّ مسارات وأَولويَّات دَور أَميرُ المُؤمنينَ(ع) تختلف عن الحسنِ السِّبط (ع) وتختلف عن الحُسين السِّبط الشَّهيد (ع) وتختلف عن عليِّ بن الحُسين زَين العابدين السجَّاد (ع).

وهكذا حتَّى ننتهي إِلى الإِمام الحُجَّة المُنتظر (عج).

فما هي طبيعة التحدِّيات التي واجهتها الأُمَّة في عصرِ الصَّادقِ (ع) والتي حدَّدت مسارات وأَولويَّات دورهِ؟!.

١/ المُدَّعُون للإِنتماء للمدرسةِ كذِباً وزوراً وبُهتاناً.

وهؤُلاء عالجَ الإِمامُ (ع) حالتهُم المريضة برسمِ وتحديدِ معالِم الإِنتماء الحقيقي، وفضحِ الإِنتماءات الكاذِبة والمُنافقة لعزلِ المُدَّعين عن المُنتمين الحقيقيِّين، لأَنَّ اندساسِ المُدَّعين الكذَّابين في صفوفِ المُنتمِين الحقيقيِّين يُشوِّه صُورة المدرسة ويُساهم في تضليلِ الرَّأي العام ويستدرِج المُغفَّلين الذين تخدعهُم الشِّعارات والرِّوايات والخِطابات، ويقف حجر عثرة بوجهِ الرِّسالة الحقيقيَّة التي يسعى الصادقون لتبليغها.

ولقد جاءت حدُود ومعالِم الإِنتماء الحقيقي الصَّادق هذهِ من خلالِ الوصايا التي قالها الصَّادق (ع) لحواريِّيه من أَمثالِ [عبد الله بن جُندُب] و [مُحمَّد بن النُّعمان الأَحول] والمعرُوف بـ [مُؤمن الطَّاق] وآخرُون.

٢/ وبسببِ الفراغ السِّياسي والفَوضى العارِمة التي مرَّ بها المُجتمع، والتي ساهمت في خلقِ نوعٍ من الحريَّة الفكريَّة، طفت على السَّاحةِ كُلَّ أَنواعِ الفِرق والمذاهب والمَدارس التي تنتمي من أَقصى اليمين إِلى أَقصى اليسار بما فيها فِرق الزَّندقة والشِّرك وغيرِها.

ولقد عالجَ الإِمام (ع) العِلاقة مع الآخر بالحِوار والنِّقاش والجِدال بالَّتي هي أَحسن، من دونِ أَن يلجأَ أَبداً إِلى لُغةِ التَّخوين والتَّكفير والتَّسقيط والتَّشهير والدَّم وانتهاكِ الأَعراض أَو إِلى لُغةِ التَّرهيبِ والعُنفِ والقتلِ واغتيالِ الشخصيَّة، كما لم يلجأ (ع) إِلى الذُّباب الأَليكتروني، فلم يكُن عندهُ [ذيُولٌ وأَبواقٌ] تُلاحِقُ الآخر لتسقيطهِ والتَّشهيرِ بهِ ظُلماً وعُلوّاً، ففي منهجِهِ (ع) يُعَدُّ الحِوار سِلاحُ العالِم الواثِق من نفسهِ صاحب الدَّليل والبُرهان العقلي والنَّقلي القوي، أَمَّا أَيَّ سلاحٍ آخر فهو أَداةُ أَنصاف المُتعلِّمين و [العُلماء] الفارغين [الدَّمج] غَير الواثقين بأَنفسهِم وبعلمهِم ومنطقهِم.

يذكر التَّاريخ أَنَّ الإِمام (ع) حاورَ كُلَّ زُعماء المذاهب والمَدارس بِلا استثناءٍ، ولقد كانت تطُولُ حِواراتهِ لدرجةٍ أَنَّهُ كان (ع) يبدأ أَحياناً مجالس الحِوار من بعدِ صلاةِ العِشاء وحتَّى صلاة الفَجر من دونِ كللٍ أَو ملَلٍ، وقد تركَ (ع) أَثر علمهِ ومنطقهِ على كُلِّ مَن كانَ يحاورهُ مهما كانت خلفيَّتهِ الفكريَّة واعتقاداتهِ، حتَّى عُدَّ (ع) أُستاذ كُلَّ زُعماء المذاهب الإِسلاميَّة الأُخرى سواءً بشكلٍ مُباشر أَو غَير مُباشر، فلقد كان درسهُ في المسجدِ الجامعِ هو الأَكبر والأَوسع [كمّاً ونَوعاً] من بينِ كُلِّ الدُّروسِ، حتى قالَ أَكثر من [٤] آلاف طالِب عِلم [حدَّثني جعفر بن مُحمَّد].

ولمزيدٍ من المعرِفة بهذا الصَّدد، أَنصح بقراءةِ السِّفر العظيم الذي كتبهُ العلَّامة المرحُوم [أَسد حيدر] وهو بعنِوان [الإِمام الصَّادق (ع) والمذاهب الأَربعة] بأَربعةِ مُجلَّداتٍ غنيَّةٍ جدّاً.

٣/ النُّهوض بالمُجتمع بالعلِمِ والمعرِفة، بعدَ أَن سعى الأَمويُّون لتجهيلِ الأُمَّة وإِجبارها على تبنِّي النَّظريَّات المُنحرفة التي تحثُّ على التَّسليمِ لفكرةِ السُّلطةِ مِن دونِ نقاشٍ، وعلى طاعةِ الظَّالم وعدمِ القيامِ بوجههِ مهما فَعل، سواءً من خلالِ تبنِّي الدَّولة لنظريَّة [الجبر والتَّفويض] التي أَشاعها البِلاط الأَموي وثقَّفَ عليها منذُ عهد طاغية الشَّام الطَّليق إِبنُ الطَّليق مُعاوية بن أَبي سُفيان، أَو من خلالِ عمليَّة خلقِ الأَحاديثِ النبويَّة الشَّريفة وتفسيرِ القُرآن الكريم بما يخدِم السُّلطة الظَّالِمة.

٤/ توحيد المُجتمع الذي مزَّقتهُ الفِتن والصِّراعات السياسيَّة والإِحن والثَّارات والتَّصفيات بين الخصُوم من مختلفِ التيَّارات الفكريَّة والسياسيَّة وغيرِها، فضلاً عن تلاطُم أَمواج الظُّلم والإِرهاب.

ولقد عالجَ الإِمام (ع) كُلَّ ذلكَ بالأَخلاق وحُسن السِّيرة والنُّموذج، إِذ ظلَّ (ع) ينشر ثقافة التَّعايش والوِئام والعَفو والصَّفح والتَّجاوز للتَّخفيفِ من حدَّةِ روح الإِنتقام والتشفِّي التي لبِست المُجتمع من قمَّةِ رأسهِ إِلى أَخمصِ قدمَيهِ.

٥/ ولتحصينِ المُجتمعِ [الشِّيعي تحديداً] من خطرِ الهزيمةِ أَو الإِنجرافِ والذَّوبانِ في المُستنقعاتِ التي ولَّدتها التحدِّيات الخطيرةِ التي أَشرنا إِليها، إِهتمَّ الإِمام (ع) بعمليَّةِ تكريسِ وترسيخِ القِيمِ والمفاهيمِ الرِّساليَّةِ الخاصَّة بمدرسةِ أَهلِ البيتِ (ع) لتسليحِ أَتباعِها بما يحتاجُونهُ من علُومٍ تُمكِّنهُم من تحصينِ الذَّاتِ ومواجهةِ الآخرِ بالحوارِ والمنطقِ، حتى لقد إِنتشرَ تلامذةِ الإِمامِ (ع) في الأَصقاعِ وكلُّهُم عُلماء فحُول في إِختصاصاتٍ عدَّةٍ في نوعَي العلُوم كما يصفُها رَسُولُ الله (ص) {العِلمُ عِلمان؛ عِلمُ الأَديان وعِلمُ الأَبدان}.

ومازالت البشريَّة، وستظلُّ، مدينةً، وهي تعترِفُ، لصادقِ أَهْلِ البيتِ (ع) كَونهُ أَسَّسَ لكُلِّ العلُومِ الحديثةِ، ولعلَّ في كتابِ [تَوحيد المُفضَّل] الذي حيَّر العُلماء بما فيهِ من علومٍ يعُودُ تاريخها إِلى قُرابة [١٤] قرنٍ، نمُوذجٌ.

اضف تعليق