من الضروري ان يطالب الانسان بحقه ويفضح سياسة الطغاة والسلطات الظالمة، دين الاسلام يحث الانسان المسلم على حفظ كرامته والدفاع عن حقه بطريقة سليمة، بعيدا عن الكلمات والألفاظ البذيئة إن استطاع، كما يقول الرسول صلى الله عليه واله: أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر.

قد يظن البعض ان فاطمة سلام الله عليها كانت تبحث عن الأموال كما كتب بعض الجهلاء بأن فاطمة فقدت حياتها لأنها كانت تبحث عن الأموال، ولكن الهدف من المطالبة بفدك هو كشف الغطاء عن وجوه المنافقين اللذين ظنوا أنهم يحسنون صنعاً، وكما ورد في كتاب من فقه الزهراء أن سيدة نساء العالمين كانت تهدف من موقفها وخطبتها بالدرجة الأولى -هدفين هما أهم من الجانب المادي: أحدهما كشف القناع عن الحقيقة واثبات ان الحق في امر الخلافة مع علي عليه السلام عبر الاستدلال والمطالبة بحقه.

ثانيهما: نتائج معنوية وتاريخية عبر فضح الغاصبين الى يوم القيامة ورسم المقياس لمعرفة الحق عن الباطل، وتربية الأمة على التصدي للجور وعدم السكوت عن الحق، والتضحية بكل غال ونفيس في سبيل ذلك، وقد حققت عليها السلام كلا الهدفين بالاضافة الى تحقق الجانب المادي بعد حين كما يدل على ذلك رد جماعة من الحكام فدك وإن اغتصبها آخرون *١

هكذا بينت سلام الله عليها مظلومية آل النبي وكشفت القناع عن وجه الظالمين، وأثبتت ان الحق لعلي امير المؤمنين عليه السلام، وفضحت الغاصبين ورسمت ميزان الحقيقة للأجيال وأعطت خير نموذج للتصدي للجور والظلم.

إضافة الى ذلك فقد كان دفاعها عن حق امير المؤمنين أثر في عمق التاريخ، كي يعرف الأجيال ما حدث حينذاك، قد يقول القائل ما الجدوى من المطالبة بالحق والمظلوم يعرف انه لا يستطيع ان يأخذ بحقه مهما فعل؟، ولكن كما يقول العلماء يستحب وقد يجب ان يطلب المظلوم حقه حتى وان علم بعدم نجاحه في التوصل للحق وإحقاقه، لأن المطالبة بالحق تسبب في فضح الظالم وأداء الواجب واتمام الحجة، كما طالبت سيدتنا فاطمة سلام الله عليها وهي كانت تعرف جيدا بأن القوم لا يعطونها حقها، ولكن طالبت بحقها مرارا وتكرارا في تلك المدة القصيرة التي بقيت بعد استشهاد النبي صلى الله عليه واله.

من الفوائد الأخرى للمطالبة بالحق بعد فضح الظالم وازعاجه ومضايقته، سوف تسبب هذه المطالبة بأن يخاف الظالم ويتراجع خطوات الى الوراء كي لا يتعدى على حقوق الاخرين ولا يقدم على مراتب جديدة من الظلم، ولا يطلب المزيد ويسعى كي يرجع صورته الى ما كانت كما فعل الخلفاء وذهبا الى بيت فاطمة سلام الله عليها ليحسنوا الأمور ويرجعوا الماء الى مجراه كما روى ابن قتيبة في كتابه (الإمامة والسياسة 1/13): ((فقال عمر لأبي بكر: انطلق بنا إلى فاطمة, فإنا قد أغضبناها, فانطلقا جميعاً, فاستأذن على فاطمة, فلم تأذن لهما, فأتيا علياً فكلماه, فأدخلهما عليها, فلما قعدا عندها, حولت وجهها إلى الحائط, فسلما عليها, فلم ترد عليهما السلام... فقالت: أرأيتكما إن حدثتكما حديثاً عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) تعرفانه وتفعلان به؟ قالا: نعم, فقالت: نشدتكما الله ألم تسمعا رسول الله يقول رضى فاطمة من رضاي وسخط فاطمة من سخطي, فمن أحب فاطمة ابنتي فقد أحبني, ومن أرضى فاطمة فقد أرضاني, ومن أسخط فاطمة فقد أسخطني)؟، قالا: نعم, سمعناه من رسول الله, قالت: فإني أشهد الله وملائكته أنكما اسخطتماني, وما أرضيتماني, ولئن لقيت النبي لأشكونكما إليه. فقال ابو بكر: أنا عائذ بالله تعالى من سخطه وسخطك يا فاطمة, ثم انتحب أبو بكر يبكي حتى كادت نفسه أن تزهق, وهي تقول والله لأدعون الله عليك في كل صلاة أصليها. ثم خرج باكياً, فاجتمع إليه الناس فقال لهم: يبيت كل رجل منكم معانقاً حليلته مسروراً بأهله, وتركتموني وما أنا فيه, لا حاجة لي في بيعتكم, أقيلوني بيعتي...).

تركت ابنة رسول الله هذه الدنيا وهي في تلك الحالة التي يرثى لها، مغصوب حقها مكسور ضلعها، ولكن لا زال صوت المظلومية يعلو في آذان من يبحث عن الحق، ليعرف الجميع ان الاهتمام بقضية فدك معلم من معالم الدين كما احتج امير المؤمنين عليه السلام لاثبات ان فدك ملك الزهراء*٢ عليها السلام، وكما طالب الامام الكاظم عليه السلام بفدك*٣ وورد في الروايات ان الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء سلام الله عليها تشكو لأبيها في يوم القيامة امر فدك *٤.

هذه الدنيا أقصر وافنى من ان يعذب الظالم فالموعد سيكون يوم القيامة...

كما قال رسول الله صلى الله عليه واله: (من أخذ أرضا بغير حق كلف ان يحمل ترابها الى المحشر)*٥، فما بال من سلب راحة الناس وأموالهم وغصب حقوق غيره؟!.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هامش:
1- بحار الانوار ج٢٢ص٢٩٥ب٧ح١.
2- العوالم ومستدركاته مجلد فاطمة الزهراء عليها السلام ج١ص٧٥١باب احتجاج امير المؤمنين بالكتاب والسنة.
3- العوالم ومستدركاته مجلد فاطمة الزهراء عليها السلام ج٢ص٧٧٢.
4- العوالم ومستدركاته مجلد فاطمة الزهراء عليها السلام ج٢ص٧٤٩.
5- غوالي الئالي ج٣ص٤٧٤باب الغصب ح٦.

اضف تعليق