آراء وافكار - وجهات نظر

إمبراطوريات شريرة

الظلال المديدة للاستعمار البريطاني
بقلم: لورين بينتون

لربما تفككت معظم الإمبراطوريات الأوروبية في القرن العشرين، لكن إرثها باق. حينما رفض الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تسمية غزوه في فبراير (شباط) لأوكرانيا بالحرب، فقد كان كمن يقرأ نصاً إمبريالياً مكتوباً. من وجهة نظر بوتين، لم تكن أوكرانيا قط دولة قومية حقيقية، بل كانت جزءاً سابقاً من الإمبراطورية الروسية دمجت لاحقاً في إمبراطورية منافسة، تهيمن عليها الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون الغربيون. من خلال وصف الغزو بأنه "عملية عسكرية خاصة"، قدم بوتين الحرب على أنها أحد أعمال التأديب والانضباط الإمبريالي، وليس عدواناً عسكرياً.

في الواقع، تثير تصرفات بوتين وخطابه بعض الأسئلة غير المريحة لسكان الإمبراطوريات السابقة. قد يتساءلون بشكل عقلاني عن مدى قدرة دولة ما بعد إمبراطورية أن تحرر نفسها من تاريخ من التجاهل للتطلعات السياسية لدى الشعوب الأقل قوة. ويكمن جزء من الإجابة في الدرجة التي اعتبر فيها السلوك السيئ للإمبراطوريات مجرد مرحلة محدودة أو شيء أعمق يتمثل بميل هيكلي نحو العنف المنظم والظالم. ويكمن جزء آخر من الإجابة في مدى وجود أي اختلاف له مغزى بين الإمبراطوريات التي تصف نفسها بأنها ليبرالية مع ادعاءاتها بالولاء لسيادة القانون من الناحية النظرية، وبين الإمبراطوريات غير الليبرالية التي تغاضت عن الاستخدام التعسفي للقوة مع عدم معاقبة الجهات الفاعلة في الدولة.

في ذلك السياق، يقترح الكتاب الجديد الشامل بقلم المؤرخة كارولين إلكينز، بعنوان "إرث العنف" Legacy of Violence، بعض الإجابات المفاجئة. بالنسبة إلى إلكينز، يشكل مصطلح "الإمبريالية الليبرالية" في الإمبراطورية البريطانية تناقضاً لفظياً. زعمت الحكومة البريطانية أن نشر الحكم الرشيد والحماية المتساوية بموجب القانون البريطاني شكلا هدفين صريحين سعت إمبراطوريتها إلى تحقيقهما، لكن لم يكن هناك شيء يمت لليبرالية بصلة حقاً في إمبراطورية غارقة في الاستخدام المنهجي للقوة الموجه من قبل الدولة. كتبت إلكينز، "لم يكن العنف مجرد عامل مساهم في إنشاء الإمبراطورية البريطانية، بل كان مستوطناً في هياكل الحكم البريطاني وأنظمته". والجدير بالذكر أن كشفها المخيف للعنف في الإمبراطورية البريطانية، من توسع "شركة الهند الشرقية" في الهند خلال القرن الثامن عشر إلى القمع الوحشي لانتفاضة شعب الـ"ماو ماو" في كينيا في القرن العشرين [حدثت بين عامي 1952 و1960، وأطلقت على نفسها اسم "جيش الأرض والحرية في كينيا"]، يعرض مثلاً تلو الآخر عن العواقب المروعة للحكم الإمبراطوري.

واستطراداً، توضح إلكينز كيف سهل قانون الإمبراطوري العنف وكيف انتشرت ممارسات القمع في أنحاء الإمبراطورية، بيد أنها ليست من محبي الدقة في التفاصيل. وفي حرصها على الكشف عن الجانب المظلم للإمبراطورية، لا تولي اهتماماً كبيراً للطرق التي أصبح بها القانون أيضاً مورداً للفئات الضعيفة وساحة معركة للحركات المناهضة للإمبراطورية. بطريقة موازية، تظهر إلكينز الإمبراطورية البريطانية أيضاً بأنها أكثر انسجاماً من الناحية الأيديولوجية وتماسكاً من الناحية السياسية، مما كانت عليه. واستكمالاً، يقدم الكتاب تصحيحاً مفيداً للرأي الذي دافع عنه المؤرخ الاسكتلندي نيال فيرغسون واللاهوتي نايجل بيغار، بأن إرث الإمبراطورية البريطانية كان إيجابياً بشكل كبير. في المقابل، يتمثل الجزء غير المرضي لدى إلكينز هو وصف الإمبراطورية كقوة خبيثة على الدوام. وهذا الاختيار لا يعد صحيحاً، بل يخلق تشوهات غير مناسبة. على وجه الخصوص، يؤدي ذلك إلى مقارنة مشكوك فيها بين ما يسمى الإمبريالية الليبرالية في الإمبراطورية البريطانية والفاشية في ألمانيا النازية، ومبالغة في تقدير قوة أيديولوجية لم تكن واضحة قط بالدرجة التي تريد إلكينز أن تبينها.

الحصيلة الدموية للإمبراطورية

تأخذ إلكينز القراء في جولة حول الفظائع البريطانية، لذا تجد مقتطفات تتناول فضيحة الإمبراطورية البريطانية الحديثة كلها. وتستكشف الكاتبة اختراع معسكرات الاعتقال في عام 1900 أثناء "حرب البوير"، حينما جمع البريطانيون نحو 200 ألف من الأفارقة السود والأفريكانيين، بما في ذلك الآلاف من غير المقاتلين، في معسكرات قاتلة في ما يعرف الآن بجنوب أفريقيا. وشهدت السنوات التي تلت ذلك أعمالاً انتقامية وحشية في إيرلندا. في الواقع، قوبلت انتفاضة عيد الفصح عام 1916 بقمع شديد، إذ عمدت القوات البريطانية التي عملت بموجب الأحكام العرفية، إلى إعدام 15 إيرلندياً رمياً بالرصاص واحتجزت ما لا يقل عن 1500 مدني. كذلك جرت التعمية على مذبحة مدينة "أمريتسار" الهندية في عام 1919، حينما أطلقت القوات البريطانية النار على متظاهرين مدنيين عزل، ما أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 400 وجرح نحو 1,500. في الوقت نفسه تقريباً، عمل البريطانيون على تحسين تكتيكات الشرطة العنيفة في فلسطين، ما أدى إلى قمع واسع النطاق للثورة العربية في ثلاثينيات القرن الماضي، ثم طبقت تقنيات مصقولة في أنحاء الإمبراطورية وكان أثرها مدمراً في انتفاضة الـ"ماو ماو" في كينيا خلال خمسينيات القرن العشرين، حينما قمع البريطانيون تلك الحركة بحملة قاسية من الاعتقالات والاحتجاز والتعذيب. قتلت السلطات الإمبراطورية أو شوهت أو عذبت، نحو 90 ألف كيني وأخذت نحو 160 ألفاً منهم إلى معسكرات الاعتقال.

واستطراداً، إن السرد المتواصل لمثل تلك الأفعال يجعل القراءة قاتمة، لكن الكتاب يرقى إلى أكثر من مجرد فهرس للفظائع. وبعيداً من بعض الحالات غير الاعتيادية، تؤكد إلكينز أن جهاز الدولة الجشع العازم على المراقبة والقمع والنزعة العسكرية خطط ونسق أعمال العنف الرسمي. واستطراداً، حمل تحرك الرجال والأفكار تلك الممارسات إلى جميع أنحاء الإمبراطورية، وساعدت سياسات القمع العنيف على توحيد المستعمرات المتباينة سياسياً وثقافياً. وفي الوقت نفسه، حددت الأحكام العرفية وغيرها من تدابير الطوارئ عنف الدولة على أنه ضروري وصادقت عليه.

،، سهل القانون الإمبريالي العنف والقمع في أرجاء الإمبراطورية البريطانية ،،

في الحقيقة، تعتبر إلكينز فعالة بشكل خاص في تتبع طريقة تحرك المسؤولين عبر الإمبراطورية، وطرق جلبهم تكتيكات قمع جديدة. ومثلاً، جند اللواء هنري تيودور قدامى المحاربين في "حرب البوير" لإنشاء قوة شبه عسكرية في إيرلندا عام 1920 قبل تطبيق خبرته الفظيعة في فلسطين. في المقابل، قمع تشارلز تيغارت القومية الهندية بصفته مفوضاً للشرطة في كالكوتا الهندية أثناء حقبة العشرينيات من القرن العشرين قبل أن يشرف على بناء مجموعة من مراكز الشرطة المحصنة وسياج حدودي في مناطق الانتداب البريطاني لفلسطين. كذلك، جلب الجنرال جيرالد تمبلر أساليب التعذيب والقمع من فلسطين إلى مالايا [ماليزيا حاضراً]، فيما طور الكولونيل آرثر يونغ تكتيكات الشرطة في مالايا قبل تطبيق ما تعلمه في كينيا. وكتبت إلكينز أن ضابط الاستخبارات العسكرية فرانك كيتسون "شق طريقه عبر كينيا وملايا وقبرص وعمان وعدن" قبل أن يترقى إلى رتبة جنرال في إيرلندا الشمالية.

واستطراداً، يتمثل أحد الإنجازات البارزة للكتاب في إصراره على معاملة إيرلندا كجزء لا يتجزأ من الإمبراطورية. في الواقع، اعتبرت إلكينز أن إيرلندا كانت تتمتع "بوضع غامض"، إذ اعتبرت رسمياً مكاناً داخل المملكة المتحدة ولكنه يكون خارجها حينما "يتعلق الأمر بمسألة سيادة القانون والحريات المدنية". وتظهر الكاتبة أن إيرلندا كانت بمثابة ساحة اختبار للأساليب الجديدة في العنف الإمبراطوري، ومكاناً لتطبيق التقنيات الوحشية التي جرى تطويرها في أماكن أخرى.

إضافة إلى ذلك، ظهرت في الوطن أيضاً الممارسات القاسية المستخدمة للسيطرة على البقع الساخنة في الإمبراطورية. وقد خضعت السلطات الاستثنائية المطبقة في الإمبراطورية في زمن الحرب للتعديل في المملكة المتحدة من أجل قمع المعارضة، على غرار ما حدث حينما صدر قانون في عام 1939 يسمح بالاحتجاز من دون محاكمة للمواطنين البريطانيين المتهمين بتهديد الأمن القومي. كذلك، أدت الجهود التي بذلتها المملكة المتحدة في فترة ما بعد الحرب [العالمية الثانية] من أجل التموضع في النظام الدولي الجديد، إلى تحفيز السياسات المحلية الإقصائية في موضوع الهجرة والمواطنة. وعكست التشريعات البرلمانية في عامي 1962 و1971 تزايد العنصرية في المجتمع البريطاني، وغيرت حالة المواطنة الخاصة بالأشخاص الذين يعيشون في المستعمرات آنذاك والمستعمرات السابقة ذات الغالبية غير البيضاء.

وثمة ما يثير الاهتمام بشكل خاص هو السرد في نهاية الكتاب عن جهود الحكومة البريطانية الأخيرة الرامية إلى إخفاء سجل العنف الإمبريالي. في عام 2009، رفع خمسة كينيين سجنوا وعذبوا في أعقاب انتفاضة شعب الـ"ماو ماو" قضية ضد الحكومة البريطانية بسبب معاناتهم أثناء الاحتجاز. في عام 2011، أصدرت الحكومة البريطانية إعلاناً صادماً أنها، مع حصول مستعمرة تلو الأخرى على الاستقلال في القرن العشرين، تخلصت من كميات كبيرة من الوثائق التي توضح بالتفصيل أهوال عنف الدولة في كينيا وأجزاء أخرى من الإمبراطورية.

على الرغم من أن إلكينز تعرضت لانتقادات بسبب المبالغة في تضخيم الأساليب القاسية المستخدمة من قبل البريطانيين في كتابها "الحساب الإمبراطوري، القصة غير المروية لغولاغ البريطاني في كينيا" Imperial Reckoning: The Untold Story of Britain"s Gulag in Kenya الذي فاز بجائزة "بوليتزر" في عام 2006، إلا أنه يمكن أن يغفر لها ذلك لأنها أسهبت في الحديث عن دورها كشاهدة خبيرة في القضية. وقد أثبتت الوثائق السرية المكتشفة أنها على حق.

القانون والنظام

يمثل قرار المحكمة عام 2012 لمصلحة المدعين في قضية الـ"ماو ماو" لحظة نادرة في الكتاب، طبق فيها القانون البريطاني بشكل مختلف عن مجرد كونه غطاء للقمع العنيف الذي تمارسه الدولة، إذ يسلط الكتاب الضوء على الطريقة التي يعمل بها القانون لإضفاء الشرعية على السلطة الإمبريالية. وقد أوضحت إلكينز مراراً وتكراراً أن الأحكام العرفية وتدابير الطوارئ الأخرى سمحت بتعليق تدابير الحماية الأساسية، على غرار أمر المثول أمام المحكمة، لرعايا الإمبراطورية.

وفي سياق متصل، سبق أن تتبع مؤرخون آخرون، من بينهم عدة مؤرخين ذكرتهم إلكينز، الطريقة التي فتحت بها الأحكام العرفية أبواب القمع العنيف في الإمبراطورية البريطانية، بيد أن الحوادث التاريخية كشفت أيضاً أن إعلان الأحكام العرفية أثار نقاشات مكثفة حول الدستور الإمبراطوري. في الواقع، حث منتقدو الإمبراطورية بشكل متكرر على فرض قيود على طريقة استخدام القانون لتعزيز مصالح النخب الاستعمارية وإطلاق العنان للسلطة التعسفية. في المقابل، تتجاهل إلكينز هذا التاريخ الموثق جيداً الذي يتناول الجدال في شأن القانون والعدالة في الإمبراطورية، لتقدم بدلاً من ذلك سرداً مبسطاً عن تعليق الحقوق بشكل دوري.

وتستخدم إلكينز مصطلح "الفوضى المشرعنة" لتصوير ظاهرة "العنف الاستثنائي الذي تديره الدولة". وتردد هنا آراء رجل القانون الألماني كارل شميت، ناقد الليبرالية وعضو الحزب النازي، والفيلسوف الإيطالي المعاصر جورجيو أغامبين. وقد طور أغامبين فكرة أن "حالات الاستثناء" تطلق العنان للقوة الكبيرة التي تتمتع بها الدولة ثم تصبح تدريجياً هي القاعدة. وتطبق إلكينز هذه الفكرة في تحليل اللحظات "الاستثنائية" أو "الأزمات في الشرعية" التي أجاز القانون خلالها العنف الشديد في الإمبراطورية، ثم جعل هذا العنف يبدو أمراً روتينياً.

من غير المرجح أن تستمر تسمية "الفوضى المشرعنة"، ليس لأنها صعبة النطق فحسب. من خلال تسليط الضوء على العنف الاستثنائي، تمكنت إلكينز من معارضة حجتها الأساسية بأن العنف في الإمبراطورية البريطانية كان روتينياً ومنهجياً. في بعض الأحيان، تبدو مدركة لأوجه التعارض، إذ تقر بأن إعلان الأحكام العرفية ينتمي إلى نمط أوسع يجري فيه تفويض السلطة القانونية في الإمبراطورية إلى المسؤولين المحليين والنخب الاستعمارية والقادة العسكريين. وقد امتد هذا التنظيم إلى ما يتخطى اللحظات الاستثنائية، وضاعف فرص العنف الشديد. وعلى الرغم من ذلك، تعود إلكينز مراراً وتكراراً إلى استخدام لغة الاستثنائية.

واستكمالاً، يغيب عن هذا النهج التاريخ القانوني الأوسع للإمبراطورية. لقد عمل مؤرخون من بينهم روهيت دي، وليزا فورد، وريتشارد روبرتس، وروبرت ترافرز، على تتبع الاستخدام المكثف للقانون واللغة القانونية من قبل الرجال والنساء العاديين في الإمبراطورية من أجل حماية حقوقهم وتعزيز رؤاهم الخاصة للعدالة. في ذلك الإطار، تقدم أشخاص مستعمرون بالتماسات أو رفعوا دعوى قضائية للدفاع عن الممتلكات، وحاربوا من أجل توسيع نطاق اختصاص إجراءات القانون العام [بمعنى القانون المستند إلى الأعراف والتقاليد السائدة، خلافاً للقانون المستند إلى النصوص القانونية]، كإجراء المحاكمة أمام هيئة من المحلفين. وفي سياق متصل، عمد المدانون السابقون في المستعمرات التي كانت عرضة للعقاب، إلى الانخراط في تحركات قضائية بهدف استعادة حقوقهم القانونية. وقد وجد الشهود والمدعى عليهم من السكان الأصليين ممن لم يسمح لهم بالإدلاء بشهاداتهم في المحاكم الاستعمارية، طرقاً لتقديم الأدلة. وأصبح السكان المحليون كتاب عدل ومحامين، إضافة إلى ذلك، عدلت النخب الاستعمارية لغة الليبرالية في سياق سعيها إلى إلزام الحكومة بوعدها بتأمين الحماية الدستورية. وتجدر الإشارة إلى أن استخدام القانون والخطاب الليبرالي للاعتراض على الحكم الإمبراطوري أو تغييره قد يقع خارج نطاق هذا الكتاب، لكن من دون الاعتراف به ضمن هذا السياق، قد تصبح "الفوضى المشرعنة" مجرد شعار (وهو شعار محرج في ذلك الموضوع).

ألغاز الليبرالية

تتفاقم المشكلات حينما تحاول إلكينز قياس التأثير العالمي للإمبريالية الليبرالية. على الرغم من ظهور ذلك المصطلح [الإمبريالية الليبرالية] في جميع أنحاء الكتاب، إلا أن إلكينز لا تعرفه بدقة. وتشير الكاتبة إلى الادعاءات التي قدمها عدد من الليبراليين بأن الإمبراطورية كانت قوة تحضر مكرسة للحكم الرشيد. وتلفت أيضاً إلى أنه بينما تركزت الليبرالية الكلاسيكية على فكرة موافقة المحكومين، نشأت الإمبراطورية البريطانية من خلال الغزو أو غيره من الوسائل التي أوجدت حكماً من دون موافقة المحكومين. وكذلك تقارن إلكينز النموذج الليبرالي للحكومة باعتباره رقابة على العنف، مع واقع العنف كسياسة حكومية رسمية في الإمبراطورية.

ومن خلال الاستمرار في هجومها الذي لا هوادة فيه على الليبرالية في الإمبراطورية، تعين على إلكينز إزالة تعقيد تاريخ الإمبراطورية. وقد بدأت ذلك مع اتهام وارين هاستينغز، أول حاكم عام في البنغال، بالفساد في الهند في أواخر القرن الثامن عشر، ثم تبرئته، إذ قاد السياسي المحافظ إدموند بيرك تلك المحاكمة، وظهر في كتاب إلكينز كبطل مؤيد للمساءلة الإمبراطورية، بيد أن بيرك لم يكن مصلحاً. واعتبر نموذجاً غريباً للانضباط الإمبراطوري، وأراد كبح جماح سلطة "شركة الهند الشرقية" من خلال إخضاعها بقوة أكبر للبرلمان، وعلى وجه التحديد، مجلس اللوردات. وبطريقة موازية، تتجاهل إلكينز أيضاً جانباً رئيساً من دفاع هاستينغز يتمثل بجهوده في الهند للاعتراف بالقانونين الهندوسي والإسلامي والحد من صلاحيات "شركة الهند الشرقية". في الواقع، إن ضعف تناول إلكينز لمحاكمة هاستينغز لا يكمن في أنها أخطأت فهم دور الشرير ودور البطل، بل إن توصيفات مماثلة تبالغ في تبسيط تلك المعارك القانونية وتتغاضى عن الالتباسات في العلاقة بين الليبرالية والإمبراطورية.

واضطرت إلكينز إلى الابتعاد عن قصة مباشرة عن التورط الليبرالي في العنف الإمبراطوري حينما تتبعت النقاشات حول دستورية القمع في جامايكا في أعقاب "ثورة خليج مورانت" في عام 1865، إذ أمر الحاكم [الحاكم البريطاني في جامايكا] إدوارد إير باعتقال جورج ويليام غوردون، أحد أبرز المنتقدين للحكومة الاستعمارية. وألقى القبض على غوردون في جزء من الجزيرة لا يطبق الأحكام العرفية ثم نقل إلى خليج مورانت، حيث خضع لمحكمة عسكرية وأدين وشنق. في لندن، ناضل [الفيلسوف البريطاني الليبرالي] جون ستيوارت ميل وغيره من الليبراليين من أجل التوفيق بين العدالة غير المتكافئة وغير المتساوية للإمبراطورية انطلاقاً من رؤيتهم عن حكومة مكرسة لحماية جميع مواطنيها ورعاياها. وتتوقف إلكينز عند هذه النقطة لتعلق على التوترات بين الليبرالية والإمبريالية.

لكن هذا هو كل الفرق الدقيق الذي يمكن أن يتوقعه القراء. بالنسبة إلى إلكينز، لم تقدم الليبرالية أبداً أي أداة توجيه فعالة في ضبط السلطة، إذ اكتفت بالعمل على تزيين العنف الإمبراطوري بملابس الإصلاح. وكتبت إلكينز أنه بحلول الوقت الذي وصلت فيه الإمبريالية الليبرالية إلى حالة "النضج" في فلسطين، كانت الدولة الإمبريالية في الواقع تعمل "تحت غطاء من سيادة القانون يكاد لا يستر عورتها".

في الحقيقة، إن صورة الدولة الإمبراطورية التي تظهر في الكتاب تجسد في القوة المطلقة التي لا تقاوم. ويتعثر هذا التوصيف عندما تصل القصة إلى نهاية الإمبراطورية، إذ إن إلكينز لم تقدم أي سبب مقنع لانهيار الإمبراطورية. لقد تتبعت الحركات المناهضة للإمبريالية في أنحاء الإمبراطورية في عقود ما بعد الحرب، مشددة على الحملات العنيفة أكثر من الحملات السلمية، لكن آثار تلك الحركات تتضاءل من حيث الأهمية عند مقارنتها بالقوة الساحقة للقمع البريطاني. في النهاية، وفق ما كتبته إلكينز، انهارت الإمبراطورية البريطانية حينما "لم يستطع المركز القمعي الصمود".

في نهاية المطاف تكشف التناقضات في الرواية أوجه القصور لمفهوم "الإمبريالية الليبرالية" بالمعنى الذي استخدمته إلكينز. في ذلك السياق، كانت الإمبراطورية موقعاً لصراع أدت فيه الليبرالية دوراً غير متناسق. في غضون ذلك، جاء العنف الرسمي منسقاً بشكل متزايد ولكنه لم يكن فاعلاً جداً في إخماد المعارضة والتمرد. وبحسب ما يتبين من تاريخ الحركات الناجحة المناهضة للإمبريالية، لم يكن عنف الإمبراطورية قوة شمولية، ولم تكن ليبراليتها خدعة كاملة.

الإمبراطورية غير الليبرالية

إن وصف إلكينز للإمبريالية الليبرالية كقوة طاغية يجعلها قريبة جداً من تسمية الإمبراطورية البريطانية بالفاشية. تستشهد إلكينز مراراً وتكراراً بأقوال مراقبين معاصرين قارنوا الإمبرياليين البريطانيين بالنازيين. هناك كثير من تلك الاقتباسات (لقد أحصيت 15 منها) وبعضها ربط بالسياق بشكل خفيف فبدا كأنه يمثل وصفاً تاريخياً. في الحقيقة، إن تلك المنهجية، إذا كان يمكننا أن نطلق عليها تلك التسمية، تحجب حقيقة أن منتقدي الإمبراطورية أجروا المقارنة لأنها ستصدم جمهور ما بعد الحرب البريطاني الذي ما زال يعاني تبعات الحرب مع ألمانيا النازية.

وتذهب إلكينز إلى أبعد من ذلك من خلال التلميح إلى روابط مباشرة غير محددة بين الإمبريالية الليبرالية والنازية. في ملاحظة ختامية، كتبت، "وفق ما سنرى، إن أوجه التشابه بين الإمبراطورية البريطانية والأنظمة الشمولية ترجع جزئياً إلى أن المسؤولين النازيين استوحوا من القوانين والممارسات الإمبراطورية البريطانية". في الواقع، لقد بحثت بجدية عن ذلك الدليل. وإلى جانب الرجوع إلى كتاب "كفاحي" Mein Kampf الذي سلط الضوء على إعجاب أدولف هتلر بالإمبراطوريات، يبدو أن الدليل يتكون أساساً من ادعاء إلكينز بأن التوسع الإمبراطوري الألماني نحو الشرق يمثل نسخة معدلة عن الإمبريالية الليبرالية لأنه ألغى سيادة الأنظمة المهزومة.

وتستشهد إلكينز بالمؤرخ مارك مازور، الذي جادل بشكل مقنع بأن ألمانيا كانت دولة إمبريالية، ولكن خلافاً لمازور، فإن إلكينز تستخدم تسمية الإمبراطورية من دون تحليل المؤسسات والممارسات المحددة لألمانيا النازية. ثمة فارق واضح. إنها تقدم أدلة قليلة لدعم ادعاءاتها بأن ألمانيا كانت تعيد استخدام التكتيكات الإمبريالية البريطانية في "دمج الدول ذات السيادة في الإمبراطورية النازية وإطلاق العنان لممارسات الإبادة الجماعية".

في بعض الأوقات، تتراجع إلكينز عن المساواة بين الإمبريالية الليبرالية والنازية، مشيرة مثلاً ومع تقليل كبير من الأهمية، إلى أنه "لم يكن هناك أي شيء إصلاحي في شأن الطموحات الإمبريالية النازية". وتقر إلكينز أيضاً، أنه في النازية، "الهيمنة العرقية كانت في غاية حد ذاتها"، ولكن يبقى التشابه مستمراً. وتقول إن ألمانيا النازية "وصلت إلى أوروبا الشرقية... بقدر ما سيطرت بريطانيا وفرنسا على مساحات شاسعة من أفريقيا". من بعض النواحي، تظهر الإمبريالية الليبرالية كقوة أكثر ديمومة وتدميراً من الفاشية. وتؤكد إلكينز أن الإمبريالية الليبرالية كانت أفضل من النازية في تغيير شكلها للتكيف مع الظروف السياسية الجديدة، وفي الواقع كانت جيدة جداً في ذلك لدرجة أن انتقادات العنف الإمبريالي نادراً ما لازمتها. إذاً، كان للإمبريالية الليبرالية "مرونة أيديولوجية لم تتمتع بها الفاشية النازية".

واستطراداً، فإن عبارات من هذا النوع تستبدل بالتاريخ التلميح. وبينما تركز إلكينز على رفع مكانة الإمبريالية الليبرالية إلى أعلى درجات الشر، تضيع النقطة الرئيسة المدعومة جيداً بأن العنف القانوني الموجه من قبل الدولة كان منظماً في الإمبراطورية البريطانية في القرن العشرين، بالتالي تعد أجندة إلكينز مثيرة، لكنها فشلت في إعطاء تقييم دقيق للإمبراطورية وإرثها. وسيتطلب هذا المشروع استعراض الآثار المؤسساتية الأوسع المترتبة على الإمبريالية البريطانية وتحليل نظام عالمي استمر لقرون كانت فيه الإمبراطوريات كيانات سياسية مهيمنة.

وبالتالي، يستحق العنف الرسمي في الإمبراطورية البريطانية دراسة عن كثب، وتقدم إلكينز مساهمة مهمة في كشف تاريخها الخفي. وعلى الرغم من ذلك، يمكن أن يكون منظور الإمبريالية الليبرالية مشوهاً أيضاً. فوفق ما أظهرته ألمانيا في الأربعينيات من القرن الماضي، وبحسب ما أثبتت روسيا مرة أخرى اليوم، قد تحتضن الإمبراطوريات الطموحة أسوأ أنواع العنف من دون أي ادعاء بالالتزام بسيادة القانون. في ذلك الإطار، كانت الرؤى الليبرالية للإمبراطورية تنمي العنف الإمبراطوري وتنتقده. وهي لا تملك مفتاحاً فريداً لفهم الأعمال الوحشية التي ترتكبها الدولة.

ختاماً، يجب على القراء بالتأكيد تنفيذ دعوة إلكينز إلى الكشف عن منطق العنف وأنماطه في التاريخ الإمبراطوري. وينبغي عليهم أيضاً أن يتابعوا اندفاع إلكينز في طرح سؤال عن الكيفية التي جعلت، وما زالت، العنف الإمبريالي "منظماً ومعتمداً ومفهوماً". ولكن، في الوقت نفسه، ينبغي ألا يتبعوها في الأمور الأخرى.

* لورين بينتون أستاذة التاريخ في قسم "بارتون أم بيغز" وأستاذة القانون في "جامعة ييل" ومؤلفة مشاركة، مع ليزا فورد، لكتاب "الغضب من أجل النظام، الإمبراطورية البريطانية وأصول القانون الدولي، 1800- 1850"
** مترجم عن نشرية فورين آفيرز يوليو (تموز)/ أغسطس (آب) 2022
https://www.independentarabia.com

اضف تعليق