بقلم رايتشل بيركويتز

أكثر من ملياري شخص حول العالم، ومن بينهم 340 مليون طفل، يعانون مشكلة نقص المغذيات الدقيقة، هذه المشكلة، التي تنشأ عن نقصٍ في الفيتامينات والمعادن، قد يترتب عليها عواقب صحية خطيرة، ولكن تشخيص نقص كهذا تشخيصًا مبكرًا، مما يتيح وضع خطة علاج فعالة وقادرة على تدارُك المشكلة قبل فوات الأوان، يتطلب سحب عينات دم من المريض وإخضاعه لاختبارات معملية، وكلها إجراءات باهظة الثمن وتستغرق وقتًا طويلًا.

وفي هذا الصدد، تطرح دراسة جديدة نهجًا آخر يمكن اتباعه في التنبؤ بمشكلة نقص المغذيات الدقيقة على نحوٍ أكثر كفاءةً من التشخيص المبكر؛ إذ استخدمت عالِمة الحاسوب إليزابيث بوندي وزملاؤها في جامعة هارفارد كُلًّا من الذكاء الاصطناعي وبيانات متاحة للجمهور كانت قد جُمعت عن طريق الأقمار الصناعية في وضع نهج يمكن التعويل عليه في تحديد المناطق الجغرافية التي يُعتبر السكان فيها أكثر من غيرهم تعرضًا للإصابة بمشكلة نقص المغذيات الدقيقة، إن تحليل البيانات على النحو الذي يُمليه هذا النهج قد يكون من شأنه تمهيد الطريق للتدخل المبكر فيما يتعلق بمشكلات الصحة العامة.

وتستطيع نُظُم الذكاء الاصطناعي المتاحة حاليًّا استخدام البيانات الواردة من الأقمار الصناعية في التنبؤ بمشكلات الأمن الغذائي في مواقع جغرافية بعينها، لكنها عادةً ما تعتمد في ذلك على البحث عن سمات قابلة للرصد بشكل مباشر؛ فعلى سبيل المثال، يمكن وضع تقدير لمستوى الإنتاج الزراعي في مكانٍ ما بناءً على كثافة الغطاء النباتي الذي يجري رصده في ذلك المكان، في المقابل، يصعب حساب مدى توافر المغذيات الدقيقة في مكانٍ ما على هذا النحو، ولكن بالاطلاع على أبحاث بيَّنت أن المناطق القريبة من الغابات عادةً ما تتمتع بتنوع غذائي أكبر من غيرها، اهتدت بوندي وزملاؤها إلى فكرة العمل على رصد علامات قلما تطرق إليها أحد في سياق التنبؤ بمشكلات سوء التغذية، وبالفعل، بيَّن عملهم أن الجمع بين بياناتٍ كتلك المتعلقة بكثافة الغطاء النباتي وظروف الطقس ومدى توافُر المياه يمكن أن يساعد في التنبؤ بالأماكن التي قد يفتقر فيها السكان إلى الحديد أو فيتامين ب 12 أو فيتامين أ.

فحص أعضاء الفريق القياسات الأولية التي حسبتها الأقمار الصناعية، وتشاوروا مع مسؤولي الصحة العامة، ثم استخدموا الذكاء الاصطناعي في فرز البيانات وتحديد السمات الرئيسية التي تنذر بمشكلات نقص المغذيات الدقيقة؛ فعلى سبيل المثال، يُعد وجود سوق للمواد الغذائية -وهو ما يمكن الاستدلال عليه من خلال فحص المباني والطرق المرئية عبر الأقمار الصناعية- مؤشرًا ضروريًّا للتنبؤ بدرجة المخاطر التي تهدد مجتمعًا ما، وقد ربط الباحثون هذه السمات بعد رصدها بنقصٍ في مغذيات محددة لدى سكان أربع مناطق في مدغشقر، واستخدم الباحثون أيضًا بياناتٍ ترصد مؤشراتٍ حيويةً حقيقية (مستمدة من نتائج فحص عينات دم في عدد من المختبرات)، وذلك بغية تدريب برنامج الذكاء الاصطناعي الذي استحدثوه واختبار مدى فاعليته.

ومن الجدير بالذكر أن التنبؤات الخاصة بنقص المغذيات الدقيقة على المستوى الإقليمي لدى السكان الذين لم تشملهم بيانات التدريب قد تطابقت في دقتها مع دقة التقديرات المستندة إلى الدراسات الاستقصائية التي يُجريها مسؤولو الصحة العامة المحليون، بل كانت أكثر دقةً منها في بعض الأحيان، تقول بوندي: "يستعرض عملنا طريقةً تتيح إمكانية تحديد الفئات المعرضة للخطر من السكان، ومن ثَمَّ استهدافهم وإمدادهم بالدعم الغذائي الذي قد يكون مُكمِّلًا... لإجراءات أخرى تكلفتها أكبر ونطاقها أوسع"، وقد جرى عرض هذه الدراسة بالتفصيل خلال الاجتماع الافتراضي لـ«رابطة تطوير الذكاء الاصطناعي» Association for the Advancement of Artificial Intelligence في عام 2022.

وتقول كريستين إكينجا، عالِمة الأوبئة بجامعة إيموري، التي لم تشارك في الدراسة: "[تطرح هذه الدراسة] مساهمةً جديدة، تُسلِّط الضوء على ما يمكن للذكاء الاصطناعي أن يقدمه في مجال النهوض بالصحة العامة"، وتضيف أن جمع البيانات الصحية في الأماكن ذات الموارد المنخفضة أحيانًا ما يكون محفوفًا بالصعوبات، نظرًا إلى القيود المتعلقة بالتكلفة والبنية التحتية، ولكن "مؤلفي الدراسة قد برهنوا على صحة وسيلة يمكنها التغلب على هذه التحديات".

ويهدف الباحثون إلى برمجة تطبيق يمكنه توسيع نطاق هذا التحليل ليشمل بلدانًا أخرى تتيح بيانات الأقمار الصناعية للجمهور، وتقول بوندي: "نأمل أن يتيح هذا التطبيق لمسؤولي الصحة العامة التفاعل مع الرؤى التي يستنتجها نظامنا [أي نظام التطبيق الذي استحدثوه]، وأن يساعد على توجيه عمليات التدخل".

اضف تعليق