آليات وسبل الوصول إلى الثروة والغنى

كيف تُصبح من الأغنياء.. وكيف تُخرج أحبابَك من دائرة الفقر؟ ج٢

أهل البيت يريدون أن نكوّن مجتمعاً شيعياً غنياً متماسكاً يستهدف العزة والكرامة في الدنيا قبل الآخرة، وأنّ آليات ذلك إضافة إلى السمكة، الشبكة التي تعني الخبرة والحرفة ونوع السوق، ثم الحاضنة التي تشمل العوامل الغيبية كالدعاء والعوامل المادية الظاهرية كشبكة العلاقات الواسعة، وإعمار البلاد وثراء الشعوب هي من مؤشرات...

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة على سيدنا محمد وأهل بيته الطاهرين، سيما خليفة الله في الأرضين، واللعنة على أعدائهم أجمعين، ولا حول ولاقوه إلا بالله العلي العظيم.

قال الله العظيم في كتابه الكريم: (وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ‏)[1]، و(وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً)[2].

المقدمة: يتناول البحث الغنى والثروة، كأستراتيجية يجب أن يستهدفها المؤمنون كسبيل إلى العزة والكرامة وإعمار الدنيا والآخرة، ويستشهد بالآيات والروايات أولاً، ثم يتطرق إلى آليات وسبل الإثراء والغنى مشيراً إلى معادلة السمكة، موسّعاً الكلام عن الشبكة وأنها تعني فيما تعني الخبرة والحرفة، ناقلاً بعض التجارب الحية الواقعية عن بعض طرق الحصول على الخبرة والإثراء المستحكم، ثم يتناول البحث العامل الثالث وهو الحاضنة والتي تتنوع بين حاضنات مادية، كنوع السوق المستهدفة وجغرافيا الموقع الاستثماري، وحاضنات معنوية مشيراً إلى معادلة البداء الإلهية كعامل حاسم في الإثراء، مستشهداً ببعض القصص التاريخية والمعاصرة الرائعة، ثم ليتطرق إلى العلاقات الواسعة كحاضنة من أهم الحواضن الاستراتيجية، منوّهاً إلى أن العلاقات هي الأساس الرئيس لأي عمل وتطور، إضافة إلى ما لاكتساب الأخ في الله من الأجر العظيم، ليختم بدعاء مجرب لطلب الرزق.

ونقرأ في آخر زيارة أمير المؤمنين (عليه السّلام)، ليلة المبعث الشريف (27 رجب)، والمسمّاة بليلة المحيا، وتقرأ يوم المبعث أيضاً: (اللَّهُمَّ وَاجْعَلْنِي مِنْ شِيعَتِهِ، وَتَوَفَّنِي عَلَى دِينِهِ، اللَّهُمَّ أَوْجِبْ لِي‏ مِنَ الرَّحْمَةِ، وَالرِّضْوَانِ، وَالْمَغْفِرَةِ، وَالْإِحْسَانِ، وَالرِّزْقِ الْوَاسِعِ الْحَلَالِ الطِّيِّبِ، مَا أَنْتَ أَهْلُهُ، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ)[3].

وفي دعاء ليلة المبعث: (وَرِزْقاً وَاسِعاً غَيْرَ مَمْنُونٍ وَلَا مَحْظُورٍ، فَارْزُقْنِي، وَبَارِكْ لِي فِيمَا رَزَقْتَنِي، وَاجْعَلْ غِنَايَ فِي نَفْسِي، وَرَغْبَتِي فِيمَا عِنْدَكَ، بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ)[4].

التشبيك بين عالمي الدنيا والآخرة

واللافت للنظر في الدعاء هو التشبيك الجوهري بين الدنيا والآخرة، بين (رَغْبَتِي فِيمَا عِنْدَكَ) و(رِزْقاً وَاسِعاً...) وبين طلب (الرحمة، والرضوان، والمغفرة، والإحسان)، و(الرزق الحلال الطيّب الواسع)، حتّى فكأنّهما وجهان لعملة واحدة، وكأنّهما كجناحي الطائر، والآية الشريفة كالصريحة في ذلك: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً).

بل إن الحضّ في الدعاء والطلب فيه أقوى وأعمق من مجرّد طلب الرزق الحلال، إذ يترقّى إلى:

أ- طلب الرزق الحلال الواسع، ولسعة الرزق درجات، وكلّما كانت الدرجة أعلى كانت مطلوبة أكثر.

ب- طلب الرزق غير الممنون، أي أن يجري الله تعالى رزقك على يد من لا يمنّ عليك، بل يمنحك إياه بكمال العِزّة، والكرامة، والتقدير، والاحترام، سواء من الشريك، أم من المستورد منك، أو المصدّر لك، أم من الرئيس، أو من الشركة الأخرى، أو الدولة الأخرى.

ج- طلب الرزق غير المحظور، بأن يستمرّ مغدقاً مونقاً على مرّ الأيّام، والأسابيع، والشهور، والسنين، دون توقّف، أو تعثّر، أو تقطّع، أو تناقص.

واللافت أيضاً تشبيك طلب الرقي المادّي والتكامل الاقتصادي بغنى النفس والرقي الروحي (وَاجْعَلْ غِنَايَ فِي نَفْسِي)، إذ قد يمتلك الإنسان أطناناً الذهب، ومليارات من الدولارات، وقصوراً فخمة، ويخوتاً باهظة الثمن، أو حتَّى أسطول طائرات، وأسواقاً عملاقة، لكنَّه يبقى في نفسه شحيحاً فقيراً، ظامياً لا يروى أبداً، لذلك تجده لا ينفق أبداً، بل تجده ممن لا يملأ عينه إلَّا تراب القبر، فمهما حصل على أموال وثروات (أو قوَّة وسلطة، أو مكانة وشهرة)، إلَّا أنَّه يبقى معطَّشاً للمزيد ثم المزيد، فهو كمن يشرب من ماء البحر، كلَّما ازداد شرباً ازداد عطشاً.

والحاصل: أنه حيث أراد الله تعالى للإنسان كرامة النفس وغناها إلى جوار الكرامة الاقتصاديَّة والغنى المادي، تجد الأدعية توجِّهنا نحو طلب الرزق الواسع إلى جوار طلب غنى النفس، بل إنَّ الغنى المادّي دون غنى النفس شقاء وتعاسة، إذ إنَّ هذا النوع من الأغنياء لا يشبع ولا يروى أبداً، بل قد تجد الفقير الَّذي يتحلَّى بالقناعة أسعد منه حالاً، وبما لا قياس.

واللافت أيضاً تشبيك الوصيّ (عليه السلام) بالنبيّ (صلى الله عليه وآله)، حتَّى إنَّك مأمور بزيارة أمير المؤمنين ليلة مبعث رسول ربّ العالمين.. لماذا؟ لأنَّه الامتداد، وبه بقاء الرسالة، بل لأنَّه نفسه بصريح قوله تعالى: (وَأَنْفُسَنا)[5].

الخير في جمع المال من الحلال

بل ورد عن الإمام الصادق (عليه السّلام): (لَا خَيْرَ فِي مَنْ لَا يُحِبُّ جَمْعَ الْمَالِ مِنْ حَلَالٍ، يَكُفُّ بِهِ وَجْهَهُ، وَيَقْضِي بِهِ دَيْنَهُ، وَيَصِلُ بِهِ رَحِمَهُ)[6]، فمن لا يحبّ جمع المال من الحلال لا خير فيه، ولكن من دون أن يستهدف المال لأنَّه مالٌ، بل يلاحظه طريقيّاً للأهداف التالية:

الأهداف الخمسة لجمع المال

الهدف الأول: (يَكُفُّ بِهِ وَجْهَهُ)، ويصونه عن الاستجداء من هذا وذاك.

الهدف الثاني: (وَيَقْضِي بِهِ دَيْنَهُ)، فلا يخلف وعده ولا يفقد مصداقيته.

الهدف الثالث: (وَيَصِلُ بِهِ رَحِمَهُ)، وهو هدف اجتماعي سامي، لكنّ الأمر لا يتوقّف عند هذا الحدّ، بل يتطوّر إلى دائرةٍ أوسع أشار إليها الحديث التالي الذي رواه عبد الله بن أبي يعفور قال: (قَالَ رَجُلٌ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): وَاللَّهِ إِنَّا لَنَطْلُبُ الدُّنْيَا وَنُحِبُّ أَنْ نُؤْتَاهَا.

فَقَالَ: تُحِبُّ أَنْ تَصْنَعَ بِهَا مَاذَا؟

قَالَ: أَعُودُ بِهَا عَلَى نَفْسِي وَعِيَالِي، وَأَصِلُ بِهَا، وَأَتَصَدَّقُ بِهَا، وَأَحُجُّ وَأَعْتَمِرُ.

فَقَالَ (عليه السلام): لَيْسَ هَذَا طَلَبَ الدُّنْيَا، هَذَا طَلَبُ الْآخِرَةِ)[7].

الهدف الرابع: هو التصدق بها على الفقراء والمساكين: الجيران وغيرهم، أهل بلدتك وغيرهم، كلما أمكنك: على القريب والبعيد، والصديق والمنافس، وحتى العدو في بعد الإنفاق الإنساني.

واللطيف أنَّ الرواية تعتبر الثراء والغنى لأجل التوسعة على النفس والعيال، وإيصال الأخرى من طلب الآخرة لا من طلب الدنيا!.. ومن هنا نعرف خطأ من يتوهم أنَّ الدنيا والآخرة ضدّان لا يجتمعان، وأنَّ المؤمن الصالح هو الفقير المعدم وإن كان قادراً على الإثراء والغنى، بل (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زينَةَ اللَّهِ الَّتي‏ أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَ الطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ)[8].

وأما الهدف الخامس، فقد أشارت إليه الرواية التالية: فعن عمرو بن سيف الازدي عنه (عليه السلام) أنّه قال: (لَا تَدَعْ طَلَبَ الرِّزْقِ مِنْ حِلِّهِ، فَإِنَّهُ أَعْوَنُ لَكَ عَلَى دِينِكَ، وَاعْقِلْ رَاحِلَتَكَ وَتَوَكَّلْ)[9]، إذ بالأموال يمكن لك نصرة الدين، ببناء المساجد والحسينيات والمدارس والمكتبات، ومعاهد التعليم والتدريب، والمياتم، وحتى ببناء المعامل والمصانع، وتشييد السدود والجسور والطرق والأنفاق، ونحوها من أنحاء عمران الأرض (هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فيها)[10].

وورد عن السكوني، عن أبي عبد الله، عن آبائه (عليهم السلام): قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (نِعْمَ الْعَوْنُ عَلَى تَقْوَى اللَّهِ الْغِنَى)[11].

وعن ذريح المحاربي، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: (نِعْمَ الْعَوْنُ عَلَى الْآخِرَةِ الدُّنْيَا)[12]، وعن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: (نِعْمَ الْعَوْنُ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ)[13].

ومن الطريف ما نقل عن سلمان المحمدي، عن كتاب الغايات، إذ قيل لسلمان (عليه السلام): (أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟

قَالَ: الْإِيمَانُ بِاللَّهِ وَخُبْزٌ حَلَالٌ)[14].

أي اكتساب الخبز الحلال، فهما كجناحي الطائر.

بل ورد عن أبي عبد الله (عليه السلام): (غِنًى يَحْجُزُكَ عَنِ الظُّلْمِ خَيْرٌ مِنْ فَقْرٍ يَحْمِلُكَ عَلَى الْإِثْمِ)[15].

أقول: المقصود من كلمة (خير) ما له الفضل، لا الأفضلية[16].

ويؤكد ذلك كله الرواية التالية:

عن جميل بن صالح، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، في قول الله عز وجل: ( (رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً)، قَالَ: رِضْوَانُ اللَّهِ وَالْجَنَّةُ فِي الْآخِرَةِ، وَالسَّعَةُ فِي الرِّزْقِ وَالْمَعَايِشِ، وَحُسْنُ الْخُلُقِ فِي الدُّنْيَا)[17]، ولعلّ الفرق بين الرزق والمعايش أن المراد بـ (الرزق) السمكة والمراد بـ (المعيشة) الشبكة، فالرزق هو لقمة العيش والسيولة، والمعيشة ما به تعيش وهو رأس المال أو المتجر والمصنع والمعمل.

الثراء مطلوب

ومن ذلك كله نعرف أنَّ المطلوب هو أن يكون اتباع أهل البيت (عليهم السلام) أثرياء أغنياء سعداء كرماء، لا أن يكونوا فقراء وتعساء، والمطلوب أن تكون بلاد المسلمين عامرة متطورة… لا أن تكون خراباً ويباباً وجدباً.

تقييم الحكومات الإسلامية بمدى إعمارها للبلاد

كما أننا من ذلك نعرف أيضاً أنَّ على كل واحد منّا أن يسعى نحو الثراء الطريقي وأن يشجع الناس عليه.

كما نعرف أنّ الحكومات الإسلامية تقيّم، لا بمجرد بناء المساجد، وطباعة القرآن الكريم، والدعوة والإرشاد فقط، بل وتقيّم كذلك، وإلى جوار ذلك، بمقدار إعمارها بلاد الإسلام ونهوضها بالزراعة والصناعة إلى أعلا درجاتها حتى تبلغ أعلى من أعلى الدول المتقدمة.

ومن ذلك يظهر أيضاً أنّ انتشار ظاهرة الفقر والبطالة والتضخم في بلاد الإسلام يشكل أكبر إدانة للحكومات الإسلامية، وأنها جريمة لا تقل فداحةً عن ترويج الزنا وشرب الخمر وقتل النفوس البريئة، فإنّ الفقر، الذي تتسبّب به حكومة غير كفوءة، هو المبعث للأمراض والكثير من الجرائم، وكذلك البطالة والتضخم… وراجع تفصيل ذلك في كتاب (التنمية الاقتصادية في نصوص الإمام علي عليه السلام).

ومن ذلك نعرف أيضاً أنَّ من مسؤولية رجال الدين، وكذا كل مسلم، طبيباً كان أم محامياً، أم صحفياً، أم مهندساً، أم تاجراً، أم بقالاً وعطّاراً ومزارعاً… إلخ، النهوض بالوضع الاقتصادي لأنفسهم وعوائلهم، وأقربائهم وأصدقائهم، ولشعوبهم، كلّ بقدر همته وبحسب طاقاته… وكلما ازداد المرء همةً ازداد توفيقاً.

ومن أجل ذلك كله، اضطلع السيد الوالد (قدس سره) بكتابة العديد من الكتب الاقتصادية، كان من بينها: (الفقه: الاقتصاد) و(الفقه المال أخذاً وعطاءً وصرفاً)، والذي اقتبسنا منه الكثير من الأحاديث والأفكار.

آليات وسبل الوصول إلى الثروة والغنى

بعد ذلك كله، يأتي السؤال المفتاحي: ما هو طريق المؤمن الرسالي نحو الثراء والغنى؟

والجواب: سبق أن هنالك أربعة مراحل متدرجة:

السمكة

أولاً: الحصول على السمكة ولقمة العيش وقوت اليوم، وهو أضعف الإيمان، ولكنه لا يشكل الحل، ولا هو المفتاح، وقد سبق بعض الكلام عن ذلك.

الشبكة: الخِبرة والحِرفة

ثانياً: الحصول على الشبكة التي ترمز إلى الخبرة والمهارة، ورأس المال والحِرفة والصنعة، وبذلك تضمن لنفسك وعائلتك مصدراً يدّر عليك الرزق ما دمت حياً، وينتقل بعدك إلى أبنائك ما دمت أورثتهم الخبرة ورأس المال ونحوهما.

والخبرة أساس رئيس في أي عمل استثماري، أو تجاري، أو إنتاجي يضطلع به الإنسان، فإنَّك بالخبرة تحلّق وتطير وتقتنص الفرص، وتتجنب المخاطر، ومن دونها لا يمكنك النهوض، بل أنك إذا ورثت ثروة، فإنَّك من دون الخبرة ستجدها سرعان ما تبددت في أسابيع أو أشهر لتعود بعدها فقيراً مفلساً.

كيف تحصل على خبروية استثمارية تجارية مميزة؟

وفي القصة التالية، عبرة من أكبر العبر، فعلى حسب ما نقله لي صديق كان زميلاً وصديقاً لشاب فقير، ثم أصبح غنياً، غنى يُشار إليه بالبنان، قال[18]: عندما تخرّج زميلي من الجامعة، بقي عاطلاً عن العمل فترة… ثم توظف براتب عادي، لكنّ همته كانت عالية، فأخذ يبحث عن طرق الثراء، فأرشده أحدهم إلى إن الطريق هو التجارة، لكنها تحتاج إلى الخبرة، إذ مفتاح الثراء التجارة، وقد ورد: (إِنَّ تِسْعَةَ أَعْشَارِ الرِّزْقِ فِي التِّجَارَةِ)[19]، ومفتاح المفتاح الخبرة.

فطفق يفكر كيف يحصل على الخبرة، فهداه تفكيره إلى أن يستنجد بزميل له في الجامعة، وكان ابن أحد التجار، قال له: أحتاج إلى الخبرة، والخبرة عند والدك وسائر التجار، ولكنهم لا يعطونها لأمثالي، بل لا وقت لديهم لذلك… لكنني فكرت في أن تساعدني في طريقة سهلة تفيدني خبرات عظيمة، ولا تكلفهم ولا تكلفك شيئاً؟

قال صديقه، وكان عليه شفيقاً: وما هي؟

قال: والدك وسائر التجار يجلسون ليلياً في ديوانية أحدهم دورياً، على سبيل البدل، وحيث إنك ابنه، لذا من الطبيعي أن تحضر مع والدك، فالذي أطلبه منك أن تلتزم بالحضور ليلياً… ثم إذا صار حضورك عادياً، اطلب من والدك أن يأذن لي بالحضور معك باعتبارك صديقي، كي لا تمل.

وهكذا كان، فحضر الابن فترة، ثم أحضر هذا الشاب الذكي معه.

والكلام الآن لهذا الشاب الذكي، قال: استمررت في الحضور في ديوانياتهم سنة كاملة، وكنت أخدمهم أيضاً بسقي الماء والشاي وما أشبه، كي لا يستثقلوا وجودي، ومن الطبيعي أن يتداول التجار شؤون التجارة، والذهب، والبورصة، والعقار، ومختلف الأسواق، وأن يتبادلوا التجارب والمعلومات والقصص، وأن يحكوا عن الفرص والمخاطر، ويقيّموا هذا وذاك…

وأضاف: طوال سنة حصلت على كمّ هائل من المعلومات والتجارب، وكنت أراجع نفسي، وأدرس قدراتي وكفاءاتي، ورغباتي النفسية، وأنّ أية تجارة تنسجم مع نفسيتي، ووضعي، وقدراتي… إلخ، حتى نضجت الفكرة وتبلورت عندي طوال السنة، ثم اخترت الحقل الذي دخلت فيه، متسلحاً بالخبرة، وبمعرفة وضع السوق المحلية والإقليمية، وبمعرفة أنواع الناس والشركات، فنجحت في مدة قصيرة نجاحاً باهراً.

ومن الطبيعي أنّه قد لا تتوفر لكل أحد مثل هذه الفرصة الذهبية للحصول على الخبرة المطلوبة، ولكن هنالك بدائل كثيرة متاحة للكل… فهناك الكثير من الكتب عن التجارة والاستثمار وفن التسويق، وهناك الكثير من المواقع والأفلام التعليمية، وهنالك الكثير من الأصدقاء، وهنالك الكثير مما تدرسه على أرض الواقع إذا ذهبت إلى الأسواق متفحصاً… متدبراً… ناظراً… وهكذا… كما وهنالك معاهد تعليم ومراكز تدريب… إلى غير ذلك.

الحاضنة: شرط أساس لنجاح الاستثمار

ثالثاً: الحاضنة: والحاضنة هي المحيط الذي تسبح فيه الأسماك وهو النطاق الذي تصطاد فيه الشبكةُ الأسماكَ، فإنّ الصياد إذا امتلك شبكة وذهب للاصطياد، فإنه لن يحصل على لقمة العيش إلا إذا كانت البحيرة ممتلئة بالأسماك، أو واجدةً للحدّ الأدنى منها.

وكثيراً ما يتكاثر الصيادون، وحينئذٍ فإذا امتلكوا زوارق حديثة ووسائل صيد متطورة، فإنّ الأسماك قد تنقرض، إذ لا يمكنها أن تتكاثر بنفس سرعة اصطيادها… لذا تفرض الحكومات الحظر على اصطياد الأسماك فترة تكاثرها، ثم بعد ذلك تضع سقفاً محدداً لما يصطاد منها، ذلك أنّ الأسماك ثروة وطنية يجب أن تبقى لأجيال وأجيال… فمع التهور في اصطيادها بدون حساب وسقف، (وكذا حال التهور في اصطياد حيوانات البر كالغزلان ونحوها[20])، تنقرض، تنتهي الحاضنة فيخسر الجميع حينئذٍ.

وكذلك حال التجارة، فإنَّ الشبكة هي المحلّ والمتجر مثلاً، أما الحاضنة فهي السوق المناسبة، فقد يكون لك متجر ممتاز لبيع القماش، لكنَّ هذه السوق لا تصلح لترويج هذه البضاعة أبداً، لكونها سوق بيع الحديد أو الخشب مثلاً… وقد تملك معملاً ممتازاً، لكنَّ موقعه الجغرافي يكلفك الكثير في نقل البضائع والمنتجات إلى أقرب مدينة تحتاج إلى تلك البضاعة.

فهذا من جهة… ومن جهة أخرى، قد لا تكون هذه السوق مناسبة لك أصلاً، إذ قد لا يكون رزق الإنسان مقسوماً في تجارته في الذهب أو البورصة، بل يكون رزقه مضموناً إذا تاجر ببيع الأطعمة أو العطور أو النظارات، أو قد يكون حظه في شراء الأراضي وبيعها، أو شراء الشقق وهي على العظم، ثم إكسائها وبيعها لا في الذهب ولا في الأطعمة وهكذا…

فإذا أراد أحدكم أن يفتح عليه الله تعالى أبواب الرزق، فإنّ عليه أن يتحرّى الحاضنة المناسبة، وقبل أن نستشهد على ذلك بشاهد لطيف من أعظم الشواهد، لا بد أن نُشير إلى نوع آخر من الحواضن وهو:

الحاضنة المعنوية شرط أيضاً للثراء

الحاضنة المعنوية، فإنَّ الحاضنة قد تكون مادية، كنوع السوق والجغرافيا التي تحيط بمتجرك ومعملك، وقد تكون حاضنة معنوية… ذلك أنّ مفاتيح الرزق هي بيد الله تعالى، وقد ورد: (الْغِنَى وَالْفَقْرُ بَعْدَ الْعَرْضِ عَلَى اللَّهِ [تَعَالَى‏])[21]، ومن محتملات معناه أنَّ التاجر مهما سبّب الأسباب، لكنَّ الله تعالى حيث أنّ بيده أزمّة الأمور، فقد لا يأذن بأن تثمر تجارته، وقد يأذن، فإذا أذن، أثرى الرجل وإلا لا.

وأما لماذا لا يأذن، فلأسباب عديدة مختلفة، ومنها: أنّه لعله لأنه قطع رحمه، أو لأنه ساء خلقه، أو لأنّه ظلم أولاده وزوجته، أو لأنه لم يزكّ ولم يخمِّس، أو لأنه ترك صلاة الصبح… وقد ذكرنا كيفية تأثير هذه العوامل الغيبية في فتح أبواب الرزق أو إغلاقه في كتاب (التنمية الاقتصادية في نصوص الإمام علي عليه السلام)، فراجع.

ومن هنا يتجلى لنا أكثر موقع الدعاء والصدقة وصلة الرحم وتجنب الظلم والعدوان ونحوها، في استمطار رحمة الله تعالى وفي منحه البركة في التجارة أو الصناعة أو الزراعة أو غيرها.

ومن هنا يكمن البداء أيضاً، إذ قد يكون من المقدّر أن ينجح المرء في استثماراته، لكنّه يقطع الرحم، أو يكذب، وينمّ، ويتّهم، فيغضب الله تعالى عليه فيغيّر تقديره الأولى، لكن كيف؟ الجواب: بوجوه شتى، فمثلاً بأنّ يصرف قلب شريكه عن الاستمرار في شراكته معه، فتنهار تجارته، أو بأن يصرف قلب الذي يستورد منه عنه، فيذهب ليستورد من منافسه… وقد يكون بأن لا يدفع عنه البلاء فتدهمه سيارة مسرعة فيصاب بالشلل فيخسر كل شيء.. إلى غير ذلك.

قصة الملك الذي بكى حتى سقط عن سريره

والقصة التالية تعد من أروع القصص الدالة على (البداء)، والتي نرد بها على اليهود الذين حكى عنه تعالى ذلك: (وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْديهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ وَلَيَزيدَنَّ كَثيراً مِنْهُمْ)[22]، و(أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ)[23]، و(يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ)[24].

فقد ورد في عيون أخبار الرضا (عليه السلام): (قَالَ سُلَيْمَانُ زِدْنِي جُعِلْتُ فِدَاكَ، قَالَ الرِّضَا: لَقَدْ أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ آبَائِهِ (عليهم السلام) عَنْ رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله)، قَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَوْحَى إِلَى نَبِيٍّ مِنْ أَنْبِيَائِهِ أَنْ أَخْبِرْ فُلَاناً الْمَلِكَ أَنِّي مُتَوَفِّيهِ إِلَى كَذَا وَكَذَا، فَأَتَاهُ ذَلِكَ النَّبِيُّ فَأَخْبَرَهُ،

فَدَعَا اللَّهَ الْمَلِكُ وَهُوَ عَلَى سَرِيرِهِ حَتَّى سَقَطَ مِنَ السَّرِيرِ، وَقَالَ: يَا رَبِّ أَجِّلْنِي حَتَّى يَشِبَّ طِفْلِي وَقضي [يَقْضِيَ‏] أَمْرِي،

فَأَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى ذَلِكَ النَّبِيِّ أَنِ ائْتِ فُلَاناً الْمَلِكَ‏، فَأَعْلِمْه أَنِّي قَدْ أَنْسَيْتُ فِي أَجَلِهِ وَزِدْتُ فِي عُمُرِهِ إِلَى خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً.

فَقَالَ ذَلِكَ النَّبِيُّ (عليه السلام): يَا رَبِّ إِنَّكَ لَتَعْلَمُ أَنِّي لَمْ أَكْذِبْ قَطُّ، فَأَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْهِ: إِنَّمَا أَنْتَ عَبْدٌ مَأْمُورٌ «فَأَبْلِغْهُ ذَلِكَ وَاللَّهُ لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ».

ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى سُلَيْمَانَ فَقَالَ: أَحْسَبُكَ ضَاهَيْتَ الْيَهُودَ فِي هَذَا الْبَابِ؟ قَالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ ذَلِكَ وَمَا قَالَتِ الْيَهُودُ؟

قَالَ: قالَتِ الْيَهُودُ: (يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ) يَعْنُونَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ فَرَغَ مِنَ الْأَمْرِ فَلَيْسَ يُحْدِثُ شَيْئاً.

فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: (غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا) وَلَقَدْ سَمِعْتُ قَوْماً سَأَلُوا أَبِي مُوسَى بْنَ جَعْفَرٍ (عليه السلام) عَنِ الْبَدَاءِ، فَقَالَ: وَمَا يُنْكِرُ النَّاسُ مِنَ الْبَدَاءِ وَأَنْ يَقِفَ اللَّهُ قَوْماً يُرْجِيهِمْ لِأَمْرِهِ)[25].

وهكذا، يعدُّ الدعاء، مع تزكية النفس وسلامة النية وحسن الطوية، من أهم الحواضن لسعة الرزق، ومن أهم العوامل لنجاح الشبكة التي يصطاد بها المرء الثراء.

إذا وضعت ذلك نصب عينيك فلنستعرض القصة التالية المعبّرة أكبر التعبير عن تشبيك عوامل الغيب بالشهود، وعن البداء، وعن أثر النية وعن نوع السوق التي ينبغي تستهدفها أيضاً:

قصة من أورع القصص: حظه أسود في البورصة والأسهم ثم...

والقصة، هي أنّي كنت قبل حوالي عقدين من الزمن في المسجد، فجائني شاب لم ألتقِ به من قبل، وقال: سيدنا، عندي مسألة مقلقة؟

قلت: ما هي؟

قال: أنا محامي، وقد رزقني الله من المحاماة رزقاً حسناً، مع أنني أرفض الملفات الظالمة، والتزم بقراءة ملف موكلّي، فإن رأيته على حق توكلت عنه ودافعت، وقد رفضت كثيراً من القضايا المغرية، ومع ذلك رزقني الله كثيراً، إضافة إلى ذلك، فأنا مقاول، أشتري الشقق على العظم وأكسوها فأبيعها، وقد رزقني الله من ذلك كثيراً أيضاً.

قلت: فما المشكلة إذاً وما السؤال؟

قال: المشكلة أنني مدمن على البورصة وشراء الأسهم، وأنّ حظي فيها أسود، فكلما اشتريت أسهماً، انخفضت قيمتها، فإذا انتظرت انخفضت أكثر… فإذا انتظرت حتى تصل إلى القاع (والمتداول أنّها بعد الوصول إلى القاع تصعد)، العجيب أنّها تنزل إلى قاع القاع! فإذا تملكني اليأس وبعتها ارتفعت!! وهكذا أخسر كلما أربحه من العقارات والمحاماة في سوق الأسهم والبورصة (إذ كان يشتري بمبالغ كبيرة)… فما الحل، ولا يمكنني الإقلاع عن هذا الإدمان؟

فقلت له: بداهةً، الإمام الحسين (عليه السلام) شريك قوي، فانوِ أنك إن ربحت في سوق الأسهم أن تدفع خمس الأرباح فوراً للإمام الحسين (عليه السلام)، أي لما يتعلق به (عليه السلام) من بناء حسينيات، وإقامة مجالس، وصناعة أفلام أو برامج حسينية، وطبع كتب عنه (عليه السلام) وعن رسالته… إلخ.

وقلت: هذا الخمس غير الخمس الشرعي، فإنّ عليك أن تدفع الخمس الشرعي في رأس السنة إذا بقي لك فائض، أما هذا فشرطه أن تدفعه فوراً لأن الحسين (عليه السلام) أربحك بإذن الله تعالى.

فقال: (يصير خير، إن شاء الله)، ولم أعلق على كلامه… إذ كانت نصيحة مني لأخ مؤمن، لا أكثر.

ثم اتصل بي بعد يومين، ربما، وقال لي إنّه ربح حوالي 150 مليون دينار (أي ما يعادله بالدينار العراقي) في الأسهم الأخيرة التي اشتراها بكميات كبيرة، فارتفعت قيمتها كثيراً خلال يومين، وقال: أريد أن أدفع خمس الإمام الحسين (عليه السلام) فوراً.. كي يراني صادقاً في وعدي وهكذا التزم طوال أشهر بدفع خمس ما يحصل عليه من الأرباح، واستمر يربح حتى أنّه ربح خلال أشهر ما يقارب ثمانمائة مليون دينار أو أكثر.

ثم، وهنا العجيب، انقطع عني فجأة.. وطال انقطاعه، ولم أتصل به كي لا يفكر أنّ السؤال عنه لجهة مادية.. ثم بعد أربعة أشهر رأيته في المسجد مرة أخرى فجائني وسلّم وقال: سيدنا، أتعلم لماذا انقطعت عنك هذه الفترة؟

قلت، ومن دون تفكير، أيْ لمجرد أن هذا الخاطر خطر ببالي: نعم!

قال: لماذا؟

قلت: لأنك، كما أتوقع، غيّرت نيتك، ونويت أنّ لا تدفع خمس الإمام الحسين (عليه السلام)، فانقطعت عنك الأرباح كلها، وعاد حظك أسود!

فقال: نعم، إنّ ذلك لكذلك، إذ أنّني قبل أربعة أشهر فكّرت أنّه ليس من الضروري أن أدفع خمس الإمام الحسين (عليه السلام) فوراً، بل سأجمعه وأضمّه إلى رأسمالي لكي أبدأ تجارة أكبر نتيجة تكاثف رأس المال، ثم أخمّس! وبعد هذه النية السيئة عاد حظي الأسود أسود كما كان!

والعبرة من القضية:

أولاً: أن على الإنسان أن يكتشف موطن رزقه من أنواع التجارات، فإذا رأى أنّه لا يرزق في الأسهم فليتركها.. وربما عليه أن يجري عدة تجارب (لكن ببعض رأس المال كي لا يخسره كله دفعةً) كي يكتشف مصدر رزقه.

ثانياً: أنّ النية كثيراً ما يكون لها دور جوهري في فتح أبواب الرزق أو إغلاقه.

ثالثاً: أن البداء حقيقة واقعة.

رابعاً: أن تشبيك عالم الغيب بالشهادة لهو من أعظم الحقائق.

من الحواضن الاستراتيجية: شبكة العلاقات الواسعة

ومن أهم الحواضن شبكة العلاقات الواسعة، فانّ شبكة العلاقات الواسعة، إضافة إلى أنّها تقوي النسيج المجتمعي وكونها تعدّ من أهم بواعث الاستقرار والسلم الأهلي، إضافة إلى ذلك، فإنّها توفر حماية واسعة لمختلف المشاريع التي يقوم بها الإنسان سواء أكانت تجارية أم استثمارية أم زراعية أم غير ذلك وحتى في الأبعاد الأخرى، لأن كل مؤسسة اقتصادية كانت أم حقوقية أم غيرها تتعرض لأخطار كثيرة، فشبكة العلاقات الاجتماعية توفر مظلة حماية ضرورية جداً للإنسان.

وكان السيد الوالد (قدس سره) يقول: بأن الأصل العلاقات، وأنّ العلاقات تشكل تقريباً كل شيء: فإذا أردت الآخرة فبالعلاقات، وإذا أردت الدنيا فبالعلاقات، وإذا أردت العلم فبالعلاقات. فإنك إذا قوّيت علاقاتك بأولياء الله وتواصلت معهم دوماً فإنهم بالطبع يقربونك إلى الله تعالى، وإذا قويت علاقاتك بالعلماء وزرتهم فانك تستفيد منهم كثيراً، وإذا قوّيت علاقاتك بأهل الخبرة فأنّك تستفيد من خبرويتهم، وإذا قوّيت علاقاتك بالأطباء فأنّك تحظى برعاية أفضل، وهكذا وهلم جرّا.

والأمر كذلك في كل الحقول ولكنّ موطن الكلام الآن هو الجانب الاقتصادي والمالي وجانب الثروة، فإن العلاقات توفر حماية لمشاريعك التجارية، كما أنّها تشكّل أكبر رصيد يرفد الإنسان بالخبرة والمنعة. فبالعلاقات تستطيع أن تحصل على رأسمال، وبالعلاقات تستطيع أن تحصل على امتيازات مختلفة بالطرق الشرعية، وليس بالطرق غير الشرعية، وذلك ممن يملك شرعاً وعرفاً أن يعطيك الامتيازات، لا من يصادر حقوق الآخرين أو يستثمر وظيفته في الحكومة أو الوزارة أو في الشركة بغير حق خارج الأطر الشرعية والقانونية.

والحاصل: لو كانت لديك علاقة مع تاجر كبير فإنه يمكن أن يمدّ بينك وبين تجار آخرين جسراً كي تتجر معهم أو كي يعبّدوا لك الطريق.

فإذاً العلاقات هي كل شيء دنياً وأخرى.

والمحصلة: أنّ الإنسان في أي موقع كان: إذا كان رجل دين فعليه أن يقيم علاقات حسنة مع البقال والعطار والحداد والخباز، إضافة إلى الشباب الجامعيين والتجار والمثقفين وأساتذة الجامعات، فان الإنسان بمجموع هذه العلاقات يمكنه أن يحلّق نحو إصلاح المجتمع والنهوض به، وكذلك التاجر والمستثمر، فكلما كانت علاقتك مع مختلف طبقات الناس، حتى الفقير منهم جيدة، فإنه إضافة إلى موضوعيتها والثواب الكامن فيها، من حيث كونها اكتساباً لأخ في الله، ستنفعك يوماً.

يقول الشاعر:

لا تُهينَ الفَقيرَ عَلَّكَ أَن --- تَركَعَ يَوماً وَالدَهرُ قَد رَفَعَه

والروايات تؤكد أكبر التأكيد على اكتساب الأخوة، فإنّ فيها الآخرة كما فيها الدنيا أيضاً، مثلاً يقول رسول الله (صلى الله عليه وآله): (مَنِ اسْتَفَادَ أَخاً فِي اللَّهِ، زَوَّجَهُ اللَّهُ حُوراً، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَإِنْ وَاخَى أَحَدُنَا فِي الْيَوْمِ سَبْعِينَ أَخاً؟ قَالَ: إِي وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ آخَى أَلْفاً لَزَوَّجَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَلْفاً)[26].

وعن الإمام الرضا (عليه السلام): (مَنِ اسْتَفَادَ أَخاً فِي اللَّهِ، فَقَدِ اسْتَفَادَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ)[27].

ويقول الإمام الباقر (عليه السلام): (مَنِ اسْتَفَادَ أَخاً فِي اللَّهِ عَلَى إِيمَانٍ بِاللَّهِ وَوَفَاءٍ بِإِخَائِهِ طَلَباً لِمَرْضَاةِ اللَّهِ، فَقَدِ اسْتَفَادَ شُعَاعاً مِنْ نُورِ اللَّهِ، وَأَمَاناً مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، وَحُجَّةً يُفْلِجُ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَعِزّاً بَاقِياً، وَذِكْراً نَامِياً، لِأَنَّ الْمُؤْمِنَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لَا مَوْصُولٌ وَلَا مَفْصُولٌ، قِيلَ لَهُ (عليه السلام): مَا مَعْنَى لَا مَفْصُولٌ وَلَا مَوْصُولٌ، قَالَ: لَا مَوْصُولٌ بِهِ أَنَّهُ هُوَ وَلَا مَفْصُولٌ مِنْهُ أَنَّهُ مِنْ غَيْرِهِ)[28].

وهذه الكلمة عظيمة جداً (اسْتَفَادَ شُعَاعاً مِنْ نُورِ اللَّهِ).

فعندما تكتسب أخاً في الله لكي تنفعه بموعظة، أو تستفيد منه موعظةً، أو لكي تفيده بإقراض متى احتاج، أو تستفيد منه بإقراض متى احتجت لشؤون آخرتك أو دنياك: لكي تزوّجه أو تتزوج من أسرته فتاة صالحة وما أشبه، فإنك تبلغ غاية المنى عبر التشبيك بين شؤون الدنيا والآخرة، وهذا التشبيك يعد من الغرائب التي تحدثنا عنها في موطن آخر، حيث أنّ الله تعالى قام بالتشبيك بين شؤون الدنيا والآخرة بشكل غريب أي بين عالم الغيب وعالم الشهود.

فمثلاً في هذا المكان هناك أشخاص جالسون، وهناك ملائكة أيضاً، كل إنسان على طرفي فمه ملكان يكتبان ما يقول، وعلى كتفيه ملائكة، وفي قلبه مركز للملائكة ومركز للشياطين. فعالم الغيب والشهود متشابكات، وهكذا وهلم جرّا.

وفي العلاقات أيضاً، كلا الجانبين متشابك: إن خيرا فخيرا وهو المطلوب، وإن شرا فشرا وهو المرفوض.

وصفوة القول: أنّ العلاقات تشكّل حاضنة أساسية رئيسة للإثراء والغنى، ويقول أمير المؤمنين (عليه السلام):

تَكَثَّرْ مِنَ الْإِخْوَانِ مَا اسْتَطَعْتَ إِنَّهُمْ --- عِمَادٌ إِذَا مَا اسْتُنْجِدُوا وَظُهُورٌ

وَلَيْسَ كَثِيراً أَلْفُ خِلٍّ وَصَاحِبٍ --- وَإِنَّ عَدُوّاً وَاحِداً لَكَثِير[29]

دعاء مجرب

وفي الختام: نقرأ معاً دعاءً من الأدعية المجربة للتوسعة في الرزق.

روى الكفعمي: (أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ (صلى الله عليه وآله) وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي كُنْتُ غَنِيّاً فَافْتَقَرْتُ، وَصَحِيحاً فَمَرِضْتُ، وَكُنْتُ مَقْبُولًا عِنْدَ النَّاسِ فَصِرْتُ مَبْغُوضاً، وَخَفِيفاً عَلَى قُلُوبِهِمْ فَصِرْتُ ثَقِيلًا، وَكُنْتُ فَرْحَاناً [فَرْحَانَ‏] فَاجْتَمَعَتْ عَلَيَّ الْهُمُومُ، وَقَدْ ضَاقَتْ عَلَيَّ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ، وَأَجُولُ طُولَ نَهَارِي فِي طَلَبِ الرِّزْقِ فَلَا أَجِدُ مَا أَتَقَوَّتُ بِهِ كَأَنَّ اسْمِي قَدْ مُحِيَ مِنْ دِيوَانِ الْأَرْزَاقِ. إِلَى أَنْ قَالَ:

فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ (صلى الله عليه آله): اتَّقِ اللَّهَ[30] وَأَخْلِصْ ضَمِيرَكَ[31] وَادْعُ بِهَذَا الدُّعَاءِ، وَهُوَ دُعَاءُ الْفَرَجِ:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، إِلَهِي طُمُوحُ الْآمَالِ قَدْ خَابَتْ إِلَّا لَدَيْكَ‏، وَمَعَاكِفُ الْهِمَمِ قَدْ تَقَطَّعَتْ إِلَّا عَلَيْكَ، وَمَذَاهِبُ الْعُقُولِ قَدْ سَمَتْ إِلَّا إِلَيْكَ، فَإِلَيْكَ الرَّجَاءُ وَإِلَيْكَ الْمُلْتَجَأُ، يَا أَكْرَمَ مَقْصُودٍ وَيَا أَجْوَدَ مَسْئُولٍ، هَرَبْتُ إِلَيْكَ بِنَفْسِي، يَا مَلْجَأَ الْهَارِبِينَ بِأَثْقَالِ الذُّنُوبِ أَحْمِلُهَا عَلَى ظَهْرِي، وَمَا أَجِدُ لِي إِلَيْكَ شَافِعاً سِوَى مَعْرِفَتِي بِأَنَّكَ أَقْرَبُ مَنْ رَجَاهُ الطَّالِبُونَ، وَلَجَأَ إِلَيْهِ الْمُضْطَرُّونَ، وَأَمَّلَ مَا لَدَيْهِ الرَّاغِبُونَ، يَا مَنْ فَتَقَ الْعُقُولَ بِمَعْرِفَتِهِ، وَأَطْلَقَ الْأَلْسُنَ بِحَمْدِهِ، وَجَعَلَ مَا امْتَنَّ بِهِ عَلَى عِبَادِهِ كِفَايَةً لِتَأْدِيَةِ حَقِّهِ، صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ، وَلَا تَجْعَلْ لِلْهُمُومِ عَلَى عَقْلِي سَبِيلًا، وَلَا لِلْبَاطِلِ عَلَى عَمَلِي دَلِيلًا، وَافْتَحْ لِي بِخَيْرِ الدُّنْيَا يَا وَلِيَّ الْخَيْرِ.

فَلَمَّا دَعَا بِهِ الرَّجُلُ وَأَخْلَصَ النِّيَّةَ عَادَ إِلَى حُسْنِ الْإِجَابَةِ)[32].

الخاتمة: وبذلك خلصنا إلى أنّ أهل البيت (عليهم السلام) يريدون أن نكوّن مجتمعاً شيعياً غنياً متماسكاً يستهدف العزة والكرامة في الدنيا قبل الآخرة، وأنّ آليات ذلك إضافة إلى السمكة، الشبكة التي تعني الخبرة والحرفة ونوع السوق، ثم الحاضنة التي تشمل العوامل الغيبية كالدعاء والعوامل المادية الظاهرية كشبكة العلاقات الواسعة، مشيراً إلى أن إعمار البلاد وثراء الشعوب هي من مؤشرات تقييم الحكومات الإسلامية، كما هي مؤشر لمدى التزام الفرد بتعاليم الشرع.

وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد واله الطيبين الطاهرين

* سلسلة محاضرات في تفسير القرآن الكريم

http://m-alshirazi.com

.............................................

[1] سورة النساء: 32.

[2] سورة البقرة: 201.

[3] بحار الأنوار (ط ـ بيروت): ج97 ص381.

[4] المصباح للكفعمي: ص537، (دعاء ليلة المبعث)

[5] سورة آل عمران: 61.

[6] الشيخ الكليني، الكافي، دار الكتب الإسلامية ـ طهران: ج5 ص72.

[7] الشيخ الكليني، الكافي، دار الكتب الإسلامية ـ طهران: ج5 ص72.

[8] سورة الأعراف: 32.

[9] الأمالي (للطوسي): ص193.

[10] سورة هود: 61.

[11] الشيخ الكليني، الكافي، دار الكتب الإسلامية ـ طهران: ج5 ص71.

[12] الشيخ الكليني، الكافي، دار الكتب الإسلامية ـ طهران: ج5 ص72.

[13] الشيخ الكليني، الكافي، دار الكتب الإسلامية ـ طهران: ج5 ص72.

[14] بحار الأنوار (ط ـ بيروت): ج63 ص314.

[15] الشيخ الكليني، الكافي، دار الكتب الإسلامية ـ طهران: ج5 ص72.

[16] الفقه المال أخذاً وعطاءً وصرفاً.

[17] الشيخ الصدوق، من لا يحضره الفقيه، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة: ج3 ص156.

[18] ما مضمونه، أو يقرب منه.

[19] الشيخ الكليني، الكافي، دار الكتب الإسلامية ـ طهران: ج5 ص148.

[20] وكذا الحال في قطع أشجار الغابة دون حدّ وسقف.

[21] نهج البلاغة: الحكمة 452.

[22] سورة المائدة: 64.

[23] سورة الأعراف: 54.

[24] سورة الرعد: 39.

[25] عيون أخبار الرضا (عليه السلام): ج1 ص181.

[26] الجعفريات (الأشعثيات): ص195.

[27] الأمالي للطوسي: ص84.

[28] الحسن بن شعبة الحراني، تحف العقول، مجموعة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة: ص295.

[29] الأمالي (للصدوق): ص669.

[30] فهذا هو الشرط الأول لاستجابة الدعاء، لأن الأمور كلها بيده تعالى.

[31] فهذا هو الشرط الثاني.

[32] مستدرك الوسائل: ج13 ص41 ب12 ح10، عن مصباح الكفعمي: ص95 الهامش.

اضف تعليق