بقلم محمد منصور

قبل 25 عامًا، اكتشفت الباحثة في معهد هوارد هيوز الطبي بجامعة ديوك "زينيان دونج" بروتينًا نباتيًّا مهمًّا، ولأنها كانت من عشاق الاستماع إلى الإذاعة، قررت أن تُطلق عليه اسم "NPR1" تيمنًا باسم مؤسسة الإذاعة الأمريكية غير الربحية.

وطيلة السنوات التي تلت ذلك الاكتشاف، أجرت "دونج" كثيرًا من الأبحاث حول ذلك البروتين، واكتشفت أن له دورًا رئيسيًّا في تنظيم جينات الدفاع عن النباتات ضد مجموعة واسعة من الأمراض؛ إذ ثبت أن البروتين يمنح النباتات مقاومةً للأمراض عند الإفراط في التعبير عنه في عدد كبير من المحاصيل مثل الأرز والقمح.

ومع ذلك، وعلى الرغم من دوره المحوري في مناعة النبات، فقد عاق نقص المعلومات عن هيكل البروتين -أو شكله- فهم آلياته التنظيمية، وهو ما مثَّل معضلةً واجهت المهتمين بعلوم النباتات.

لكن بعد سنوات طويلة، وضعت "دونج" وزملاؤها الجوهرة في مقدمة التاج؛ إذ اكتشفت شكل البروتين في شكله الفعال ومظهره غير النشط، و"تمكنت أخيرًا من رؤيته بعد سنوات طويلة من الجهد"، على حد قول "دونج" في تصريحات لـ"للعلم".

وتبيَّن أن بروتين NPR1 يتكون من أذرع على شكل ثنائيات تُشبه طائرًا مفرود الجناح ينزلق في الهواء، وأن هذا البروتين يتفاعل مع عوامل النسخ -في صورته النشطة- على كلا جناحيه لتحفيز المناعة وحماية النباتات.

ووفق الدراسة التي نشرتها دورية "نيتشر" (Nature)، يُعرف NPR1 بأنه "منظم رئيسي يتحكم في أكثر من 2000 جين تشارك في مناعة النبات"، وعلى الرغم من دوره الضخم في الدفاع عن النبات، ظل شكله بعيد المنال؛ فمن دون بيانات هيكلية مفصلة، كافح العلماء لفهم كيفية تحكُّم البروتين في حماية النبات.

ويقول العلماء إن اكتشاف شكل ذلك البروتين يُمكن أن يغير الطريقة التي نزرع بها النباتات؛ إذ "سيوفر حل بنية البروتين NPR1 معلومات أساسية لهندسة البروتين والمركب المرتبط به لتحسين أنشطتها"، كما تقول "دونج" في تصريحاتها لـ"للعلم".

ويُعد البروتين NPR1 هدفًا جيدًا لهندسة مقاومة الأمراض على نطاق واسع في خلفيات المحاصيل المختلفة في المختبر وفي تجارب ميدانية محدودة، وبالتالي فإن الكشف عن المعلومات الهيكلية سيسهل تطبيقه في الزراعة على نطاق واسع؛ فمن خلال فهم أفضل لكيفية منح النباتات مقاومةً واسعة النطاق للأمراض بشكل طبيعي سيكون العلماء قادرين على هندسة محاصيل أفضل مع حماية معززة ضد الأمراض المعروفة والناشئة، وفي الوقت نفسه، تقليل استخدام مبيدات الآفات الكيميائية التي تُعَدُّ ملوثات كبيرة.

بالتزامن مع عمليات الزراعة، يكون على المزارع أن يمتلك القدرة على محاربة العديد من الآفات ومسببات الأمراض التي تعوق نمو النبات؛ فالعفن المائي -على سبيل المثال- هو أحد أسوأ الأمراض، ونجم عنه مجاعة البطاطس الأيرلندية (1845-1852) التي أدت إلى وفاة مليون شخص، واليوم، لا تزال مسبِّبات الأمراض تصيب الموز والأفوكادو والمحاصيل الشعبية الأخرى.

لكن معالجة المشكلة بالنُّهج التقليدية يمكن أن تكون إشكالية؛ فمبيدات الآفات الكيميائية -على سبيل المثال- غالبًا ما تكون ملوثةً للبيئة، وهذا أحد الأسباب التي تجعل مربي النباتات يبحثون الآن عن حلول وراثية، مثل هندسة الخلايا النباتية لإنتاج مستويات عالية من NPR1، وقد أثبت هذا النهج نجاحه في المختبر وفي تجارب ميدانية محدودة، ولكن مع مشكلة واحدة؛ فمع زيادة المناعة، يتراجع النمو.

ووفق عالم الأحياء النباتية في مختبر سينسبري بالمملكة المتحدة "جوناثان جونز" -لم يُشارك في تلك الدراسة- فإن المعرفة الجديدة ببنية NPR1 وسلوكه يمكن أن تساعد الباحثين على تجنُّب هذه المشكلة وهندسة محاصيل أفضل، ويقول "جونز" في تصريحات نقلها بيان صحفي تلقت "للعلم" نسخة منه: "إن فهم كيفية عمل البروتين وتفاعله مع الجزيئات الأخرى له إمكانيات كبيرة ليكون قويًّا جدًّا في تعزيز مقاومة الأمراض في النباتات".

واستخدم الباحثون تقنية التصوير البلوري بالأشعة السينية وتقنية التصوير المجهري بالتجميد الإلكتروني -والتي طورها الألماني يواخيم فرانك وحاز بسببها جائزة نوبل- للكشف عن هيكل ذلك البروتين المهم.

وقد فشل العديد من الباحثين طوال السنوات الماضية في تصوير ذلك البروتين بسبب صعوبة تنقيته، لكن فريق "دونج" نجح في تنقية البروتين واستخدام تقنية التجميد العميق لإنتاج صور عالية الدقة تكشف المناطق الوظيفية الرئيسية له.

تقول "دونج": استغرقت تلك التجارب 4 سنوات كاملة، ونستطيع الآن أن نُغلق بابًا ظل مفتوحًا سنوات طويلة؛ إذ إن رؤية هيكل البروتين بأعيننا تغلق الباب أمام كل التكهنات.

إلا أن الباب المغلق -كعادة العلم- يفتح أبوابًا جديدة؛ فالآن ترغب "دونج" في معرفة الكيفية التي يُطوَى بها البروتين، مضيفةً أن "عملية الطي ستكشف سبب فشل بعض النباتات في مقاومة الآفات أو نجاحها، وهناك العديد من الأسئلة في الانتظار؛ فالكشف عن هيكل البروتين يفتح أبوابًا أخرى واتجاهاتٍ بحثيةً جديدةً كُليًّا".

اضف تعليق