أدركت إدارة بعض مؤسسات الخدمة العامة مؤخرا أهمية الإدارة الإلكترونية والحكومة الإلكترونية، على مستوى التعامل بين موظفي المؤسسة نفسها، أو على مستوى التعامل بين الموظفين والمواطنين، وعندها قررت تقديم خدمات للمواطنين عبر بعض أوجه الحكومة الإلكترونية. وبالتالي؛ فإن إدارة هذه المؤسسات لم تعد تهتم كثيرا...

كثير من مواطني دول العالم الثالث يطالبون حكوماتهم بتقديم خدمات أساسية لهم، كحق من حقوقهم، وكواجب دستوري وقانوني ينبغي أن تؤديه مؤسسات الحكومة الخدمية. إذ قد يقوم القطاع العام ببعض الخدمات الأساسية للمواطنين، كما يعمل القطاع الخاص على تقديم البعض الأخر، ولكن تلك الخدمات المقدمة من القطاعين قد لا تسد حاجة المواطنين، ولا تتمتع بالجودة العالية، ولا ترتقي لمستوى رضاهم.

لذلك؛ تضطر الحكومات تحت ضغوط المواطنين ومؤسساتهم المجتمعية إلى أخذ إجراءات سريعة بشأن توفير الخدمات الأساسية للمواطنين، أو تحسين جودتها، من خلال إصدار قوانين أو أنظمة أو تعليمات أو أوامر، تشرع لتلك الخدمات، وتؤكد أهمية تقديمها للمواطن، أو تلجأ بعض الحكومات مع وجود تشريعات الخدمة العامة إلى تشكيل لجان متابعة تعمل على تشخيص المشكلات والتحديات، وتدفع باتجاه وضع الحلول والمعالجات، وقد يجري خلال ذلك تعديل إجراءات المؤسسة الخدمة، أو مساءلة ومحاسبة بعض موظفيها، بهدف إصلاح الأجهزة الإدارية، والنظم والإجراءات الروتينية المعقدة التي تحد -في الغالب- من حصول المواطن على خدمة بطريقة مبسطة وسهلة.

ولا شك أن بعض تشريعات الخدمة العامة، وبعض لجان المتابعة لتحسين الخدمة العامة، قد تأتي أكلها بين الحين والحين، وقد يشعر المواطنون في فترة زمنية ما أن الضغوط التي مارسوها ضد حكومتهم، أو أن إجراءات الحكومة لتحسين الخدمة العامة في بعض مؤسسات الخدمات الأساسية قد حسنت بنحو ما جودة الخدمة وحققت بعض الرضا لديهم.

ومع ذلك، فإن تجارب عملية إصلاح المؤسسات الخدمية في الكثير من هذه الدول-ومنها العراق-لم تكن تجارب مشجعة، بل كانت تتقدم خطوة وترجع عشرة، مع أن الحكومات العراقية شرعت وعدلت حزمة من تشريعات الخدمة العامة، وخصصت لها أموالا هائلة، وشكلت العديد من لجان المتابعة الإدارية ولجان المراقبة المالية، وقد أدى تلكؤ العديد من مؤسسات الخدمات العامة في تقديم خدماتها إلى عموم المواطنين إلى تراجع ملحوظ في رضا الناس عن تلك المؤسسات، وبالتالي، خروجهم إلى الشوارع في مظاهرات واعتصامات أمام مباني الدولة الخدمية في بغداد والمحافظات.

في الواقع، ليس بالضرورة إخفاق المؤسسات الحكومية في تقديم خدمة مقبولة ومرضية لدى مواطنيها يعود إلى قوانينها وأنظمتها وتعليماتها، وليس بالضرورة أن الإخفاق يعود إلى وجود إدارة روتينية مترهلة لا تحرك ساكنا، وليس بالضرورة أن الإخفاق يعود إلى وجود إجراءات معقدة، وموظفين فاسدين، وليس بالضرورة أن الإخفاق يعود إلى لجان المتابعة وإلى آليات عملها وطرق تشخيصها للمشكلات ومعالجاتها، ربما تكون تلك الأسباب جميعها أو بعضها هي التي تقف دون تقديم خدمة جيدة للمواطنين.

ولكن لا يمكن في كل الأحوال، وفي بلد تكون مؤسساته معقدة ومركبة ومتداخلة ومتخمة أن يجري معالجة تأخر الخدمة العامة أو تلكؤها، لا سيما الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والماء والمواصلات والنقل والبطالة، والصحة والتعليم، والزراعة والصناعة والتجارة...وغيرها، بطرق عادية مثل إصدار قرارات أو تبسيط إجراءات أو محاسبة مسؤولين مقصرين، فهذه الآليات ليست صالحة لكل مؤسسة، وليست كافية لكل مؤسسة، وهي قاصرة تماما عن جوهر المشكلة وروحها.

فواضح أن العديد من القوانين لا يُعمل بها، وأن العديد من القرارات لا تُنفذ، وإن التخصيصات المالية لا تٌنفق في محلها، وأن المسؤولين الفاسدين، سواء على مستوى السياسي أو الإداري ما زالوا يتأقلمون مع تغيير المناخات وكثرة الضغوط، ويمارسون أنشطتهم كما لو إن شيئاً لم يكن. فعلى سبيل المثال: سأل رئيس لجنة متابعة أحد مدراء مؤسسة خدمة مكلفة بـتأمين التعليم الجامعي الخارجي (ألم تبسطوا إجراءات تقديم الخدمة للطلبة وفقا لبرنامج الإصلاح الحكومي)؟ فأجاب نعم بسطنا الإجراءات لفترة ما أثناء متابعة اللجنة معنا، وعندما انتهى عمل اللجنة عدنا إلى إجراءاتنا السابقة؛ لأن التبسيط لم يكن عمليا بالنسبة إلينا).

نعم، لا تصلح مؤسسات الخدمة عندنا في وجود مسؤول صالح على رأسها؛ وإن كان ضرورة، ولا تصلح مؤسسات الخدمة في تبسيط إجراءاتها؛ وإن كانت مهمة، ولا تصلح مؤسسات الخدمة في مساءلة ومحاسبة موظفيها؛ وإن كانت جوهرية وعبرة للغير، ولا تصلح مؤسسات الخدمة في تنمية قدرات موظفيها فقط؛ وإن كان التنمية البشرية مقدمة لتحسين الخدمة؛ ولا تصلح مؤسسات الخدمة في تشكيل لجان المتابعة والمراقبة؛ وإن كانت لازمة.

فكل هذه الإجراءات هي إجراءات مؤقتة وآنية لا تصلح لإحداث تغييرات إدارية دائمة وجوهرية، تعزز من تقديم الخدمة وتحسن من جودتها، وتحقق رضا المواطن، فمازالت الإجراءات هي، ومازال الموظفون المباشرون هم، ومازال المواطنون يلتقون وجها لوجه مع الموظفين، ومازالت الرسوم والضرائب تأخذ بطريقة تسهل الفساد ... وهلم جرا.

في الواقع، إن الحل هو أن تكون هناك خدمات حكومية محددة لكل مؤسسة حكومية، وأن المتطلبات التي ينبغي أن يوفرها المواطن محددة على نحو الحصر، وأن الأجور والرسوم التي ينبغي أن يدفعها المواطن محددة وواضحة غير قابلة للزيادة، وأن إجراءات المؤسسة منضبطة ومسارها محدد، وأن الموظفين العاملين على تقديم الخدمة يتمتعون بالمعارف والمهارات المطلوبة، وأن مدة انجاز الخدمة غير قابلة للتمديد تحت أي ظرف كان، وأن المسؤولين يستطيعون في كل آن وآن أن يشخصوا الخلل وأن يوعزوا لإصلاحه. وهذا الحل ليس سهلا ولكن يقينا ليس مستحيلا، وهو لا يأخذ الكثير من الوقت مع تنظيم الوقت، ولا يحتاج إلى المزيد من الأموال مع تقنينها، ولا يتطلب جلب الخبرات الأجنبية مع وجود خبرات محلية قابلة للتطوير. إننا فقط نحتاج إلى معرفة الإدارة بالحل، وقرار إداري صارم يقلب أداء المؤسسة من مؤسسة تتعكز على آليات وإجراءات وموظفين تقليدين إلى مؤسسة ترتكز على آليات وإجراءات وموظفين الإلكترونيين.

فقد أدركت إدارة بعض مؤسسات الخدمة العامة مؤخرا أهمية الإدارة الإلكترونية والحكومة الإلكترونية، على مستوى التعامل بين موظفي المؤسسة نفسها، أو على مستوى التعامل بين الموظفين والمواطنين، وعندها قررت تقديم خدمات للمواطنين عبر بعض أوجه الحكومة الإلكترونية.

وبالتالي؛ فإن إدارة هذه المؤسسات لم تعد تهتم كثيرا بمتابعة أداء موظفيها؛ لأن عملية تقييم الأداء تحصل مباشرة وفق آليات الكترونية محددة، كما أنها لم تعد تهتم بحضور موظفيها من عدمه؛ لأن أجهزة الحضور والانصراف هي التي تكلفت بمثل هذه الأمور، ولم يعد المسؤول يحتاج إلى الموظف في جلب الوثيقة والإطلاع عليها؛ فكل الوثائق حاضرة لديه في كل وقت، ولم تعد خدمة المواطن بيد الموظف المباشر فقط، بل أوجدت الحكومة الإلكترونية علاقة مباشرة بين المؤسسة بأكملها والمواطن، ولم يعد الموظف الواحد يتحكم بمصير الخدمة التي تقدمها المؤسسة للمواطن فيعطيها لمن يشاء ويمنعها عن من يشاء. مما يعني التقليل من الجهد والوقت والمال على المراجعين وعلى الجهات نفسها والعمل على انسياب وانسجام القرار الإداري للمسؤولين.

وبناء على ما تقدم؛ ولكي يمكن تطبيق الإدارة الإلكترونية والحكومية الإلكترونية، في مؤسسات الخدمة العامة، فان هناك مجموعة من المتطلبات في المجالات الآتية:

1. في المجال السياسي: يتطلب التوجه نحو الحكومة الإلكترونية التزاماً قوياً من القيادة السياسية، ويجب أن يشمل هذا الالتزام القطاع الخاص والمجتمع المدني، لضمان قيام كل جهة بلعب دورها في التغيير المأمول.

2. في مجال التشريعات والقواعد الناظمة: التشريعات والقواعد الناظمة ضرورية لضمان تبادل المعلومات ضمن الحكومة، وبين الحكومة وكل من المواطنين وقطاع الأعمال. كما أن التشريعات ضرورية لتوفير الشروط الاقتصادية التي تسمح بانتشار واسع للتكنولوجيا والخدمات والتجهيزات الإلكترونية.

3. في المجال المؤسسي: الحكومة الإلكترونية تتطلب تغييرات في طرق عمل المؤسسات، لذلك فمن الضروري أن تتم إدارة التغيير على نحو منظم.

4. في مجال الموارد البشرية وتثقيفها: يتطلب إطلاق وتنفيذ ومتابعة الحكومة الإلكترونية إلمام الكوادر الحكومية بمجموعة من المهارات والمعارف، وأن تخضع لتوجيه إيجابي في هذا المجال، وذلك لتجنب ممانعة التغيير.

5. في المجال المالي: تتطلب عملية إطلاق مبادرة للحكومة الإلكترونية تمويلاً كبيراً نسبياً، ولهذا فإن ضمان استمرارية التقدم في مبادرة الحكومة الإلكترونية تتطلب التخطيط الدقيق والمبتكر لمصادر التمويل المختلفة التي يمكن أن تساند المبادرة في مراحلها المختلفة.

6. في مجال التواصل: يجب أن تكون مبادرة الحكومة الإلكترونية مفهومة ومتوافقاً عليها بين مختلف أصحاب المصلحة، للتأكد من أن نتائجها ستنعكس إيجاباً على الجميع، ولهذا فإن التواصل مع مختلف أصحاب المصلحة هو الضمان الرئيسي لنجاح عملية التغيير.

..............................................

* مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات هو أحد منظمات المجتمع المدني المستقلة غير الربحية يهتم بالدفاع عن الحقوق والحريات في مختلف دول العالم، ونشر الوعي والثقافة الحقوقية في المجتمع وتقديم المشورة والدعم القانوني، والتشجيع على استعمال الحقوق والحريات بواسطة الطرق السلمية، ورصد الانتهاكات والخروقات التي يتعرض لها الأشخاص والجماعات، ويدعو الحكومات ذات العلاقة إلى تطبيق معايير حقوق الإنسان في مختلف الاتجاهات...
للتواصل مع المركز

هـ/7712421188+964
http://ademrights.org
[email protected]

اضف تعليق