سياسة - تقارير

من وحدة المحور إلى تعدد المصالح

هل تكشف زيارة الزيدي إلى واشنطن إعادة ترتيب علاقة القوى الشيعية العراقية بإيران؟

زيارة الزيدي لا تعلن نهاية منطق المحور، لكنها قد تشير إلى بداية مرحلة يصبح فيها هذا المنطق غير كافٍ وحده لإدارة العراق. فبين طهران وواشنطن، وبين الفصائل والشركات، وبين السلاح والاستثمار، تجد القوى الشيعية نفسها أمام معادلة جديدة: الحفاظ على النفوذ لم يعد ممكنًا من دون إدارة الدولة...

في ظاهرها، بدت زيارة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى واشنطن محطة دبلوماسية واقتصادية عنوانها الأبرز الطاقة والاستثمار وإعادة فتح أبواب الشركات الغربية أمام السوق العراقية. غير أن أهميتها لا تقف عند حدود الاتفاقات المعلنة، ولا عند صور اللقاءات الرسمية، بل تمتد إلى سؤال أعمق يتعلق بطبيعة التحولات داخل البيت السياسي الشيعي في العراق: هل ما زالت العلاقة مع إيران تُدار بمنطق وحدة المحور، أم أن ضرورات الدولة والاقتصاد والضغط الأميركي وتبدلات الإقليم بدأت تدفع بعض القوى الشيعية إلى إعادة ترتيب أولوياتها؟

هذا السؤال لا يفترض أن القوى الشيعية العراقية كتلة واحدة، ولا يجزم بأنها تغادر علاقتها التقليدية مع طهران. فالمشهد الشيعي العراقي متنوع ومعقد، وفيه أحزاب حكومية، وقوى برلمانية، وفصائل مسلحة، وشخصيات دينية واجتماعية، ودوائر اقتصادية وإدارية لكل منها حساباته. لذلك فإن الأدق هو النظر إلى زيارة الزيدي بوصفها اختبارًا لاحتمال انتقال تدريجي من خطاب الاصطفاف الواحد إلى إدارة مصالح متعددة، حيث لا تعود العلاقة مع إيران وحدها كافية لفهم سلوك القوى الشيعية، ولا يصبح الانفتاح على واشنطن دليلًا تلقائيًا على القطيعة مع طهران.

جاءت الزيارة في لحظة إقليمية حساسة. فقد أشارت رويترز إلى أن الزيدي سعى خلال زيارته إلى تأمين استثمارات أميركية كبيرة في قطاعات النفط والغاز والكهرباء، في سياق حاجة العراق إلى تنويع شراكاته الدولية بعد أن أثّرت الحرب مع إيران في إنتاج الخام والمالية العامة. كما نقلت أن مسؤولين ومحللين عراقيين يرون في مبادرات الطاقة رسالة إلى واشنطن بأن العراق يمكن أن يصبح وجهة أكثر جذبًا للاستثمارات الكبرى بعد سنوات من القلق الأمني والبيروقراطية والنزاعات القانونية.

وفي ختام الزيارة، أعلنت وكالة أسوشيتد برس أن شركات أميركية وقعت اتفاقات وشراكات مع الحكومة العراقية تقارب قيمتها 60 مليار دولار، بينها مشاريع تستهدف إنشاء طرق بديلة لتصدير النفط خارج الخليج. وأبرزت الوكالة تصريحًا لمسؤول في شيفرون تحدث فيه عن الاستثمار في خط أنابيب يفتح طريق تصدير آخر من العراق إلى الأسواق العالمية. هذا الجانب الاقتصادي يمنح الزيارة معنى يتجاوز العلاقات الثنائية، لأنها ترتبط بمستقبل الطاقة والممرات وتخفيف الاعتماد على المسارات البحرية المعرضة للتوتر.

لكن الزيارة لم تكن اقتصادية فقط. فقد ذكرت الجزيرة أن ملفات حصر السلاح بيد الدولة، ونزع سلاح الفصائل القريبة من إيران، وعلاقة بغداد بطهران كانت ضمن القضايا المتوقع طرحها من الجانب الأميركي. كما نقلت أن “المقاومة الإسلامية في العراق”، وهي مظلة لجماعات مسلحة مدعومة من إيران، أعلنت رفضها للزيارة ونتائجها قبل حصولها. وهنا تبدأ القراءة الأعمق: فكلما حضر الاستثمار والطاقة، حضرت معه أسئلة السلاح والسيادة والنفوذ الإيراني وحدود القرار العراقي.

لماذا لا يكفي منطق المحور لإدارة الدولة؟

تاريخيًا، ارتبطت قوى شيعية عراقية عديدة بعلاقات وثيقة مع إيران، لأسباب دينية وسياسية وأمنية، تعود إلى مرحلة المعارضة السابقة للنظام السابق، ثم إلى ما بعد عام 2003، ثم إلى الحرب على تنظيم داعش وما رافقها من صعود الفصائل المسلحة. وقد أسهمت هذه العوامل في بناء خطاب سياسي يقوم على وحدة المصير أو وحدة المحور في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل وبعض الخصوم الإقليميين.

لكن القوى التي تمسك بالدولة لا تستطيع التحرك بمنطق المحور وحده. فالدولة تحتاج إلى رواتب، وكهرباء، ودولار، واستثمار، وأسواق، وعلاقات مصرفية، وتهدئة أمنية، وتوازنات خارجية دقيقة. ومن هنا تظهر المفارقة: ما يصلح خطابًا تعبويًا لفصيل أو قوة معارضة، لا يكفي لإدارة موازنة دولة نفطية كبيرة تعيش وسط صراع أميركي إيراني مفتوح.

زيارة الزيدي إلى واشنطن تضع هذه المفارقة في الواجهة. فالحكومة التي لا تستطيع تجاهل إيران، لا تستطيع أيضًا تجاهل الولايات المتحدة، لأن واشنطن حاضرة في ملفات الدولار، والطاقة، والأمن، والاستثمار، والعقوبات، والشركات الكبرى. ولهذا فإن السؤال لم يعد: هل العراق مع إيران أم مع واشنطن؟ بل: كيف يستطيع العراق أن يدير علاقته مع الطرفين بطريقة تمنع تحوله إلى ساحة مفتوحة للصراع؟

زيارة اقتصادية تحمل أسئلة سياسية

الخطاب الرسمي حول الزيارة ركز على الاستثمار والطاقة، وهذا مفهوم من زاوية حاجة العراق إلى تطوير النفط والغاز والكهرباء ومنافذ التصدير. لكن سياق الزيارة جعلها تحمل أبعادًا سياسية لا يمكن فصلها عن الاقتصاد. فالاتفاقات مع الشركات الأميركية لا تعني فقط زيادة إنتاج النفط أو بناء خطوط نقل، بل تعني أيضًا دخولًا أوسع للشركات الغربية إلى بنية الطاقة العراقية، وهي بنية ظلّت لسنوات محكومة بتوازنات داخلية وخارجية معقدة.

تغطية أكسيوس لخصت جانبًا من هذا التعقيد حين أشارت إلى أن الزيدي شارك في مراسم تشييع المرشد الإيراني السابق علي خامنئي في النجف، ثم توجه إلى البيت الأبيض للقاء الرئيس الأميركي الذي أمر بقتله في الضربة الافتتاحية للحرب. كما ذكرت أن نزع سلاح الفصائل الشيعية المدعومة من إيران كان ملفًا رئيسيًا في لقاءات الزيدي مع ترامب ووزير الدفاع الأميركي. هذه الصورة تجعل الزيارة اختبارًا رمزيًا شديد الحساسية: رئيس وزراء عراقي يحاول الوقوف بين ذاكرة العلاقة مع إيران ومتطلبات العلاقة مع واشنطن.

كما نقلت أسوشيتد برس عن محللين أن الزيدي يواجه عقبات كبيرة إذا حاول تفكيك أجزاء أساسية من النظام السياسي، مثل الفصائل المدعومة من إيران أو شبكات الفساد، مشيرة إلى أن الضغط الأميركي خلال الزيارة كان متوقعًا في ملف نزع السلاح. وبذلك يصبح السؤال السياسي حاضرًا خلف كل اتفاق اقتصادي: هل تستطيع الحكومة تنفيذ الانفتاح من دون الاصطدام بالبنية الداخلية التي تشكلت خلال العقدين الماضيين؟

القوى الشيعية ليست كتلة واحدة

من المهم ألا يُقرأ المشهد الشيعي العراقي بطريقة تبسيطية. فهناك قوى ترى في العلاقة مع إيران ضمانة أمنية وسياسية، وقوى تنظر إلى واشنطن بوصفها ضرورة اقتصادية ومالية، وقوى تحاول الجمع بين الطرفين، وقوى تخشى أن يؤدي أي تقارب مع الولايات المتحدة إلى إضعاف موقعها الداخلي.

يمكن تقسيم المشهد إلى أربع دوائر:

الدائرة الأولى هي الدائرة الحكومية، وهي معنية بإظهار العراق بوصفه دولة قادرة على التفاوض وجذب الاستثمار وتخفيف التوتر. هذه الدائرة لا تريد خسارة إيران، لكنها تحتاج إلى واشنطن والشركات الغربية والمؤسسات المالية حتى تستطيع إدارة ملفات الطاقة والاقتصاد.

الدائرة الثانية هي الدائرة الحزبية البرلمانية، وهي تحسب الزيارة من زاوية السلطة والانتخابات والتحالفات والمكاسب. هذه القوى قد لا تعارض الانفتاح الاقتصادي، لكنها تخشى أن يتحول إلى إعادة توزيع للنفوذ داخل الدولة.

الدائرة الثالثة هي الدائرة الفصائلية، وهي الأكثر حساسية تجاه ملف واشنطن. فالمشكلة بالنسبة لها ليست الاستثمار بذاته، بل أن يتحول الاستثمار إلى مدخل سياسي وأمني لتقليص السلاح أو التمويل أو حرية الحركة.

الدائرة الرابعة هي الدائرة الاجتماعية والدينية، وهي ليست طرفًا تفاوضيًا مباشرًا، لكنها تؤثر في المزاج العام، خصوصًا عندما تتصل القضايا بالسيادة ومنع الحرب واستقرار المجتمع وحماية العراق من أن يصبح ساحة صراع.

مصالح الحكومة بين طهران وواشنطن

تبدو الحكومة العراقية أمام معادلة دقيقة. فهي تحتاج إلى استمرار علاقة طبيعية مع إيران بسبب الجغرافيا، والتجارة، والطاقة، والروابط الدينية والاجتماعية. لكنها تحتاج أيضًا إلى الولايات المتحدة بسبب الدولار، والنظام المالي، والاستثمار، والتكنولوجيا، والشركات الكبرى، والتأثير الدولي.

ولهذا فإن زيارة الزيدي قد لا تكون مؤشرًا على ابتعاد العراق عن إيران بقدر ما هي محاولة لزيادة هامش الحركة. فالعراق الذي يعتمد على مسار واحد يصبح أضعف في التفاوض، أما العراق الذي يفتح أكثر من باب فقد يمتلك قدرة أكبر على الموازنة. غير أن نجاح هذه المعادلة يتطلب إدارة سياسية دقيقة، لأن كل خطوة باتجاه واشنطن قد تُقرأ من بعض الأطراف بوصفها تراجعًا عن طهران، وكل محاولة لطمأنة إيران قد تُقرأ أميركيًا بوصفها استمرارًا لنفوذ الفصائل.

الفصائل ومخاوف تراجع النفوذ

الفصائل القريبة من إيران تنظر إلى زيارة واشنطن من زاوية مختلفة. فهي لا تركز على القيمة الاستثمارية للاتفاقات، بل على ما يمكن أن يرافقها من شروط أو ضغوط. فحصر السلاح بيد الدولة، وضبط التحويلات المالية، وإعادة هيكلة العلاقة الأمنية مع الولايات المتحدة، كلها ملفات يمكن أن تمس نفوذ هذه الفصائل.

تقرير لمعهد واشنطن رأى أن الحديث عن نزع سلاح الميليشيات لا يعني بالضرورة تحقق نزع فعلي للسلاح قريبًا، لكنه أشار إلى أن واشنطن تستطيع استغلال رغبة بعض الجماعات في أن تُعامل كفاعلين سياسيين طبيعيين للضغط على شبكاتها المالية. ورغم أن هذا الطرح يعكس قراءة أميركية، فإنه يوضح كيف تفكر واشنطن في استخدام الأدوات المالية والسياسية لا العسكرية فقط لإضعاف النفوذ الإيراني داخل العراق.

هنا قد لا يكون الخلاف بين الحكومة والفصائل حول أصل الاستثمار، بل حول نتائجه السياسية. فإذا ارتبط الانفتاح الاقتصادي بتقييد السلاح أو تفكيك شبكات مالية، فستتعامل الفصائل معه كخطر مباشر. أما إذا بقي في حدود العقود والمشاريع، فقد يكون الخلاف أقل حدة.

إيران والعراق بين العمق والمصلحة

بالنسبة إلى إيران، لا يمثل العراق ملفًا خارجيًا عاديًا. فهو عمق جغرافي واقتصادي وديني وسياسي. ومن الطبيعي أن تنظر طهران بحساسية إلى أي تقارب عراقي واسع مع واشنطن، خصوصًا في لحظة حرب وضغط وعقوبات. لكن ذلك لا يعني أن كل انفتاح عراقي على الولايات المتحدة هو قطيعة مع إيران، ولا أن بغداد قادرة أصلًا على إدارة قطيعة كاملة.

الأدق أن العراق يحاول، أو قد يحاول، تحويل العلاقة مع إيران من علاقة اعتماد واسع إلى علاقة موازنة مصالح. وهذا تحول صعب، لأنه لا يحدث بقرار سياسي واحد، بل عبر سلسلة إجراءات في الطاقة، والدولار، والحدود، والتجارة، والسلاح، والخطاب الإعلامي.

وقد أشارت الجزيرة في تحليل آخر إلى أن تصعيد الحرب بين الولايات المتحدة وإيران يضع العراق في مأزق لأنه يحاول الموازنة بين علاقتين لا يستطيع التفريط بأي منهما. كما نقلت عن وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث قوله إن على العراق تأكيد سيادته ونزع سلاح الفصائل المتحالفة مع إيران، فيما حذر التحليل من أن حرب استنزاف طويلة قد تؤثر في العراق عبر تصعيد عنف الفصائل، وزيادة الاستقطاب السياسي، وإضعاف الاستثمار، وتعطيل التجارة والطاقة والمالية العامة. 

واشنطن والاستثمار كأداة نفوذ

من جانب واشنطن، تبدو زيارة الزيدي فرصة لإعادة ترتيب العلاقة مع بغداد عبر الاقتصاد والطاقة لا عبر الأمن وحده. فالشركات الأميركية في النفط والغاز والكهرباء وخطوط التصدير تمنح الولايات المتحدة حضورًا داخل القطاعات الأكثر حساسية في العراق. وهذا الحضور قد يصبح أداة تأثير طويلة المدى، لأنه يرتبط بالبنية التحتية لا بالتصريحات السياسية فقط.

لذلك فإن الاستثمار ليس بريئًا من الحسابات الاستراتيجية، كما أنه ليس بالضرورة مشروع هيمنة كامل. هو في النهاية أداة مصالح. واشنطن تريد عراقًا أقل اعتمادًا على إيران، وأقرب إلى شبكات الطاقة والأسواق الغربية، وأكثر قدرة على ضبط الفصائل. والعراق يريد استثمارات وشركات وضمانات مالية وسياسية. وبين الرغبتين تظهر مساحة التفاوض.

العامل الاقتصادي بوصفه محركًا للتحول

التحول المحتمل داخل القوى الشيعية لا يمكن فهمه بعيدًا عن الاقتصاد. فالعراق يحتاج إلى تنويع شراكاته، وتحسين الكهرباء، وتطوير الغاز، وتقليل الهدر، وتحصين تدفق الدولار، واستعادة ثقة الشركات. هذه الملفات تضغط على القوى السياسية كلها، بما فيها القوى القريبة من إيران.

فحتى القوى التي ترفع خطابًا شديدًا ضد واشنطن تعرف أن الاقتصاد العراقي لا يستطيع الانفصال عن النظام المالي الدولي. كما أن استمرار الفشل في الكهرباء والخدمات يضعف شرعية القوى الحاكمة أمام جمهورها. ومن هنا يصبح الانفتاح على الشركات الغربية خيارًا عمليًا، حتى إذا ظلّ سياسيًا حساسًا.

بهذا المعنى، قد لا يكون التحول داخل القوى الشيعية ناتجًا عن مراجعة فكرية كبرى، بل عن إدراك عملي بأن إدارة الدولة تفرض حسابات مختلفة عن إدارة المحور. فالمحور يقدم خطابًا، أما الدولة فتحتاج إلى نتائج.

هل نحن أمام تحول فعلي أم مناورة سياسية؟

يبقى السؤال الأهم: هل تكشف زيارة الزيدي إلى واشنطن تحولًا فعليًا في علاقة القوى الشيعية بإيران، أم أنها مجرد مناورة لتخفيف الضغط الأميركي وجذب الاستثمار من دون تغيير جوهري في البنية السياسية؟

هناك مؤشرات تدفع إلى قراءة الزيارة كتحول محتمل: حجم الاتفاقات الاقتصادية، حضور ملف الفصائل، الحاجة إلى الدولار، الضغط على الطاقة، ورغبة الحكومة في تقديم نفسها شريكًا للاستثمار. وهناك مؤشرات أخرى تدعو إلى الحذر: استمرار قوة الفصائل، عمق العلاقات مع إيران، هشاشة المؤسسات، واحتمال أن تبقى الاتفاقات في مستوى المذكرات من دون تنفيذ.

لذلك فإن الإجابة الأكثر توازنًا هي أن الزيارة لا تثبت تحولًا مكتملًا، لكنها تكشف وجود ضغط يدفع نحو إعادة ترتيب الحسابات. وهذا الضغط قد ينتج تحولًا إذا ترافق مع تنفيذ، وقد يتحول إلى أزمة إذا قرأته الأطراف المتنافسة بوصفه تهديدًا لمواقعها.

السيناريوهات المحتملة

السيناريو الأول: توازن محسوب

في هذا السيناريو تنجح بغداد في الحفاظ على علاقة مستقرة مع إيران، مع توسيع التعاون الاقتصادي مع واشنطن والشركات الغربية. لا يتم تقديم الزيارة بوصفها اصطفافًا ضد طهران، بل بوصفها جزءًا من سياسة تنويع الشراكات. النتيجة المحتملة هي توسيع هامش الحكومة، وتحسين ثقة الشركات، وتخفيف حدة الصراع الداخلي.

السيناريو الثاني: ضغط الفصائل يعطل الانفتاح

قد تنجح القوى الرافضة للزيارة في تصويرها كتنازل لواشنطن أو تهديد لمحور المقاومة. عندها تدخل الاتفاقات في دائرة التجاذب، وتصبح الحكومة أكثر حذرًا في التنفيذ. النتيجة ستكون تراجع ثقة الشركات، وبقاء العراق في موقع التردد بين وعود الانفتاح وحدود النفوذ الداخلي.

السيناريو الثالث: واشنطن ترفع سقف الشروط

إذا ربطت الولايات المتحدة الاستثمار والتعاون الاقتصادي بملفات السلاح والدولار وتقليص النفوذ الإيراني، فقد تجد الحكومة نفسها أمام ضغط يفوق قدرتها على المناورة. النتيجة المحتملة هي إحراج داخلي للزيدي، وتصاعد رفض الفصائل، وربما عودة التوتر الأمني والسياسي.

السيناريو الرابع: إعادة صياغة تدريجية للعلاقة مع إيران

قد تبدأ بعض القوى الشيعية بالتعامل مع إيران بوصفها شريكًا مهمًا لا مرجعية وحيدة للقرار. وهذا لا يعني القطيعة، بل يعني إدخال اعتبارات الدولة والاقتصاد والشارع في إدارة العلاقة. النتيجة ستكون تحولًا بطيئًا في بنية القرار الشيعي العراقي من الاصطفاف إلى البراغماتية.

السيناريو الخامس: فشل التنفيذ يعيد السردية القديمة

إذا بقيت الاتفاقات بلا نتائج، ستعود سردية الفشل والفساد والتبعية. عندها لن تكون زيارة واشنطن دليلًا على تحول، بل ستضاف إلى سجل الوعود غير المنفذة. وهذا هو السيناريو الأخطر على الحكومة، لأنه يضعف قدرتها على تسويق أي انفتاح مستقبلي.

خاتمة

لا تسمح زيارة الزيدي إلى واشنطن بإطلاق حكم نهائي على مستقبل علاقة القوى الشيعية العراقية بإيران. لكنها تفتح نافذة مهمة لفهم تحول محتمل في طريقة إدارة هذه العلاقة. فالقوى التي تتحمل مسؤولية الدولة تجد نفسها اليوم أمام حسابات أعقد من خطاب المحور: اقتصاد متعب، كهرباء مأزومة، حاجة إلى الاستثمار، ضغط أميركي، نفوذ إيراني، فصائل مسلحة، وشارع يبحث عن نتائج لا عن شعارات.

لذلك فإن السؤال ليس ما إذا كان العراق سيغادر إيران إلى واشنطن، فهذا تبسيط لا يناسب تعقيد المشهد. السؤال الأدق هو: هل يستطيع العراق أن ينتقل من كونه جزءًا من حسابات الآخرين إلى دولة تدير مصالحها بين الجميع؟ وإذا كانت القوى الشيعية العراقية قد تشكلت طويلًا داخل علاقة وثيقة مع إيران، فإن اختبار المرحلة الجديدة سيكون في قدرتها على الجمع بين ضرورات تلك العلاقة ومتطلبات الدولة العراقية.

من هنا، فإن زيارة الزيدي لا تعلن نهاية منطق المحور، لكنها قد تشير إلى بداية مرحلة يصبح فيها هذا المنطق غير كافٍ وحده لإدارة العراق. فبين طهران وواشنطن، وبين الفصائل والشركات، وبين السلاح والاستثمار، تجد القوى الشيعية نفسها أمام معادلة جديدة: الحفاظ على النفوذ لم يعد ممكنًا من دون إدارة الدولة، وإدارة الدولة لم تعد ممكنة من دون تعدد المصالح.

* المصادر: وكالة رويترز، وكالة أسوشيتد برس، الجزيرة الإنجليزية، موقع أكسيوس، معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى.

اضف تعليق